رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أسوان تفرض «الترخيص».. والـ«مينى فان» تظهر على طرقات الدقهلية حصار «التكاتك»


30-11-2025 | 11:40

.

طباعة
تقرير: نور عبدالقادر

«نحو 3 إلى 4 ملايين مركبة».. تقديرات قدمتها الجهات غير الرسمية حول عدد مركبات «التوك توك» فى مصر، أما من الناحية الرسمية فإن الأرقام المرخّصة تختلف كثيرًا. ففى عام 2022، حيث أشار جهاز الإحصاء إلى وجود نحو 219,900  توك توك مرخّص، وهناك دراسات وتقارير تضع عدد التوك توك المرخّص أقل من ذلك، فعلى سبيل المثال يأتى فى بعض التقارير أن نحو 125,000 توك توك مرخّص فقط. 

ومؤخرًا.. بدأت تحركات جادة لاحتواء هذه الظاهرة، فأصدرت الحكومة قرارات لإيقاف استيراد المكونات الأساسية للتوك توك مثل قاعدة الهيكل، والمحركات فى محاولة لتقييد انتشارها، وفى الوقت نفسه، أُطلقت مبادرة لتحويل أصحاب التوك توك إلى سيارات مينى فان تعمل بالغاز الطبيعى كبديل أكثر أمانًا وأكثر تحضّرًا.

تاريخًا.. دخل التوك توك إلى السوق المصرى لأول مرة فى منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، وتحديدًا عام 2005، عندما بدأت بعض الشركات فى استيراده كوسيلة نقل اقتصادية تستهدف القرى والمناطق الشعبية التى تعانى من ضعف خدمات النقل الداخلي. وظهر أولًا فى محافظات الدقهلية والقليوبية والجيزة، خاصة فى المراكز والقرى ذات الطرق الضيقة التى لا تستطيع السيارات الصغيرة دخولها بسهولة. ومع الوقت، أصبح وجوده حلًا عمليًا لمشكلة غياب وسائل مواصلات منتظمة داخل الكتل الريفية.

سريعًا انتشر التوك توك لأنه رخيص الثمن مقارنة بأى وسيلة أخرى، وسهل القيادة ولا يحتاج إلى مهارات خاصة، كما أنه وفّر فرصة عمل سريعة لآلاف الشباب فى ظل نقص الوظائف وارتفاع البطالة، كما أن زيادة الطلب من الأهالى على وسيلة ميسّرة وسريعة للتنقل داخل القرى والأحياء ساعدت أيضًا على تمدد انتشاره، ومع أحداث 2011 وتراجع الرقابة المرورية فى بعض الفترات، تضاعفت أعداد التوك توك بشكل كبير ودخل إلى معظم المحافظات، حتى أصبح اليوم إحدى أكثر وسائل النقل انتشارًا فى الداخل المحلى، رغم الجدل المستمر حول مشكلاته والحاجة إلى تنظيمه أو استبداله.

بدأت الأجهزة المعنية تتعامل مع ظاهرة التوك توك كملف أمنى، مرورى، واقتصادى يستلزم تدخلًا منظمًا متعدد الأبعاد، بسبب ما ارتبط به من مشكلات تتعلق بالفوضى المرورية ووقائع السرقة والبلطجة وتجارة المخدرات والتحرش. وفى محاولة لاحتواء الظاهرة وتنظيمها، أصدرت الدولة عام 2014 مرسومًا بتعديل قانون المرور رقم 66 لسنة 1973، لتقنين أوضاع سائقى التوك توك والسماح لهم بالحصول على رخص قيادة رسمية. ومع تزايد المخاوف المرتبطة بانتشار هذه المركبات، بدأت الدولة خلال السنوات التالية دراسة بدائل أكثر أمانًا وحضارية، تتوافق مع خطط التطوير العمرانى وتحسين جودة الحياة.

وفى أبريل 2019، اتخذت الحكومة خطوة جوهرية بضم التوك توك إلى المبادرة الرئاسية الخاصة باستبداله بسيارات الـ«مينى فان» العاملة بالغاز الطبيعى، فى إطار توجه شامل نحو الاعتماد على الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات. وتوالت الإجراءات التنظيمية لتبلغ ذروتها فى 9 نوفمبر 2021، حين أصدرت وزارة التجارة والصناعة قرارًا بوقف استيراد مكونات تصنيع التوك توك، بما يشمل القاعدة والشاسيه والمحرك، بعد دراسة مستفيضة أوصت بالاستبدال التدريجى للمركبات ذات الثلاث عجلات بمركبات حضارية آمنة. وأوضحت الوزارة فى بيانها أن القرار يستهدف ضبط السوق وتقنين الأوضاع من خلال منح تراخيص للمركبات المطابقة للمواصفات الفنية، إلى جانب توفير آليات تمويل للراغبين فى التحول إلى سيارات المينى فان.

قال اللواء الدكتور محمد الهياتمى قال: محافظ السويس الأسبق، إن «الدولة فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى بدأت تتعامل مع ملف التوك توك باعتباره أحد التحديات التى أثّرت على الأمن والانضباط فى الشارع المصرى، لا سيما أن انتشار هذه المركبة فى جميع المحافظات خلال السنوات الماضية خلق ضغوطًا كبيرة على المنظومة المرورية، وارتبط بارتفاع معدلات الجريمة فى بعض المناطق نتيجة غياب الترخيص والرقابة».

وأضاف «الهياتمى» أن «مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الداخلية، وضعت خطة متكاملة لمواجهة هذه الظاهرة، تقوم على توفير بديل حضارى أكثر أمانًا، من خلال استحداث وسيلة نقل صغيرة تسير بسرعة متوسطة وتعمل خارج الطرق الرئيسية، على أن يحدد المحافظون مسارات تشغيلها بما يضمن تقديم خدمة حقيقية للمواطن دون الإخلال بالنظام العام»، مشيرًا إلى أن «الحكومة لم تكتفِ بالحلول الأمنية فقط، بل مضت فى مسار تشريعى وتنظيمى متكامل، حيث جاءت تعديلات قانون المرور لتقنين أوضاع التوك توك وفرض رقابة فعلية على تشغيله، بعد أن أثبتت التجارب أن عددًا من الجرائم كان يتم باستخدام المركبات غير المرخصة، وهو ما جعل الترخيص الواضح والخضوع للفحص الفنى خطوة أساسية لردع أى تحايل أو مخالفة».

وأوضح أن «مجلس النواب دعم هذا الاتجاه بإصدار تشريعات تسمح بإنشاء مركبة خفيفة رباعية الدفع تخضع لنفس أحكام التوك توك، باعتبارها خطوة تفتح الطريق أمام وسائل نقل خفيفة أكثر أمانًا، وتتماشى مع الرؤية الشاملة التى تتبناها الدولة لإعادة تنظيم النقل الخفيف ووضعه على مسارات حضارية تتوافق مع التطوير العمرانى الذى تشهده مصر».

كما أشار «الهياتمى»، إلى أن «مجلس الوزراء فى 2019 أصدر توجيهات لإطلاق برنامج إحلال يهدف إلى استبدال التكاتك بسيارات «مينى فان» صغيرة تعمل بالغاز الطبيعى أو بالوقود النظيف، لتوفير وسيلة أكثر أمانًا وحضارية وتنظيمًا، وتخفيض الحوادث ودمج السائقين فى منظومة مواصلات مرخصة. البرنامج صُمم ليشمل آلية قبول التوك توك كمقدمة (تخريد) وطرح قروض ميسرة لفرق السعر بين التوك توك والمينى فان، مع تسهيلات لترخيص المركبات الجديدة. الهدف المعلن أيضًا خلق بدائل وظيفية ومنافع بيئية واجتماعية».

وأكد الدكتور خالد قاسم، المتحدث الرسمى لوزارة التنمية المحلية، أنه «تم تشكيل لجان مشتركة من وزارة التنمية المحلية ووزارة الصناعة والمالية، وتم إرسال التوجيهات إلى المحافظات بشأن تنظيم مركبات التوك توك، وقد وجهنا بأن يتم تشغيل هذه المركبات فى القرى المتداخلة والطرق الضيقة، على أن تكون مرخصة ومرتبطة بخط سير محدد، مع وضع تعريفات واضحة لأجرة الركوب لكل خط».

وتابع: أما فى عواصم المحافظات والطرق الرئيسية، فقد وجهنا بأن تكون السيارات بديلة عن التوك توك، مثل عربات مينى فان أو «التمناية»، لتوفير وسيلة نقل أكثر حضارة وأمانًا وذات جدوى للمواطنين، كما سيتم الترخيص لها لتقنين أوضاع السائقين، أما «التكاتك» القديمة، فسيُسمح لها بالعمل فى القرى والأحياء الداخلية فقط، مع منعها تمامًا فى الشوارع الرئيسية. وقد صرح المتحدث الرسمى بأنه فى محافظة الإسكندرية، سيتم تطبيق هذا القرار بداية من 1 يناير 2026، بينما تم اتخاذ إجراءات مماثلة فى محافظات أسوان والجيزة والدقهلية. كما تم وضع معايير ومواصفات محددة للسائقين الذين يقودون هذه المركبات لضمان السلامة والانضباط المرورى.

 المتحدث الرسمى، أشار إلى أن «الوزارة تعمل على تنفيذ خطة الدولة لاستبدال مركبات التوك توك بسيارات صغيرة آمنة ومرخّصة»، مضيفا أن «آلية الاستبدال ستتم من خلال منح أصحاب التوك توك قروضًا ميسرة عبر عدد من البنوك الوطنية لتسهيل الحصول على السيارات البديلة، مع تأكيد أن الاستبدال لن يتم إلا بعد التأكد من ملكية المركبة، حيث يقدم المواطن صورة بطاقة الرقم القومى، وصورة عقد الملكية، ورخصة التسيير سارية وكافية لإتمام عملية الاستبدال».

كذلك، أوضح «قاسم» أن الوزارة تنسق مع المحافظات لتحديد أماكن عمل السيارات الجديدة، وضمان عدم تكدسها فى المناطق الحيوية، إلى جانب المتابعة اليومية لحركة المركبات فى الشوارع للتأكد من الالتزام بخطوط السير المحددة، مشيرًا إلى أن الهدف من هذه المنظومة ليس فقط تحسين الشكل الحضارى، بل أيضًا رفع مستوى الأمان وتوفير مصدر رزق كريم لأصحاب التوك توك عبر وسيلة نقل آمنة وقانونية.

من جانبه، أكد أحد مسئولى البنوك الوطنية، أن «عملية استبدال التكاتك بالسيارة الجديدة تُنفذ بالتعاون مع وزارة التنمية المحلية ووزارة المالية، حيث يتم استلام السيارات الجديدة عبر وزارة التنمية المحلية لتحريرها والتصرف بها وفق الضوابط المعتمدة».

وأشار المسئول إلى أن القروض مخصصة لمَن لديه إثبات دخل وأن غير الموظفين لهم نفس المميزات من خلال بنك ناصر الاجتماعى، والذى يمتلك أرضًا زراعية يتم التعامل مع البنك الائتمانى الزراعى.

وأضاف أن «أسعار الفائدة تصل إلى 22.5 فى المائة مع إمكانية تقسيط يصل إلى 8 سنوات، بينما السيارات الصينية قد يمتد القسط عليها إلى خمس سنوات فقط»، مشيرًا إلى أن بنوك مصر وبنك CIB والأهلى لا تمنح القروض الاستهلاكية إلا بعد تقديم إثبات للدخل، وأوضح أن هذا الإجراء يهدف إلى تجديد السيارات القديمة وتقليل الانبعاثات الضارة فى المدن ذات الكثافة العالية، مع الحفاظ على البيئة ورفع مستوى الأمان للمواطنين.

فى سياق مبادرات الإحلال، قال اللواء إسماعيل كمال، محافظ أسوان، إن «المحافظة قدمت السيارات الصغيرة البديلة للتوك توك كحل حضارى وآمن لتقليل الإعتماد على المركبات القديمة والمخالفة، كما تم تحديد خطوط سير لهذه السيارات داخل المدينة، وإتاحة تسهيلات تمويلية عبر البنوك المحلية لمساعدة سائقى التوك توك على التحويل إلى البديل الجديد، بما يحافظ على مصدر رزقهم. كما ركّزت المحافظة على التوعية والتدريب الفنى للسائقين على تشغيل السيارات البديلة وصيانتها، بالإضافة إلى مراقبة الالتزام باللوائح الجديدة، ما جعل أسوان نموذجًا لتجربة متكاملة بين ضبط المخالفات، وتوفير بدائل عملية، وتنظيم النقل الصغير داخل المدينة بشكل يوازن بين السلامة العامة واحتياجات السائقين.

وأضاف: تم إلزام جميع المركبات بلون أبيض كامل مع جلد علوى أسود، مع وضع شعار وهوية محافظة أسوان على المركبة، لضمان سهولة التعرف عليها ومراقبتها. وتحدد تكلفة التراخيص بـ1000 جنيه عند الإصدار الأول، و500 جنيه لتجديد الترخيص سنويًا، ويأتى هذا القرار ضمن مشروع الهوية البصرية الجديدة للمركبات فى أسوان، الذى يهدف إلى توحيد شكل التوك توك وتنظيمها بصريًا داخل المدينة، بما يسهم فى ضبط حركة المرور وتقليل الفوضى، ويجعل المركبات المرخصة أكثر وضوحًا للجهات الرقابية والمواطنين على حد سواء.

وفى الدقهلية، قرر المحافظ اللواء طارق مرزوق، فتح ترخيص لسيارات صغيرة من نوع «كيوت» كبديل للتوك توك داخل عواصم المراكز والمدن والقرى، هذا القرار لا يشمل بعض المناطق مثل مدينة المنصورة وطلخا، كما تم تحديد تعريفة الركوب إلى 5 جنيهات داخل القرية و10 جنيهات للتنقل بين الوحدات القروية بالمركز الواحد. إلى جانب ذلك، وجه المحافظ بحملات مرورية لمنع سير التكاتك على الطرق السريعة والشوارع الرئيسية، مع تحديد تعريفة موحدة فى القرى للإقلال من استغلال السائقين ورفع الراحة للمواطنين.

ومن ناحية أخرى، قال الدكتور خالد الشافعى، خبير الاقتصاد الدولى: إن «قرار ترخيص التوك توك وتنظيمه خطوة مهمة للدولة على الصعيد الاقتصادى؛ إذ يسهم فى زيادة الإيرادات الضريبية وتحويل جزء من النشاط غير الرسمى إلى نشاط رسمى خاضع للرقابة، ما يقلل من التهرب الضريبى ويزيد موارد الدولة، كما أن التنظيم يقلل من المخاطر المرتبطة بالمرور والفوضى المرورية، ويتيح تتبع المركبات المخالفة، ما يوفر على الدولة تكاليف الحوادث والخسائر المرتبطة بها. بالإضافة إلى ذلك، يساعد القرار فى دعم برامج الإحلال للمركبات القديمة، وتحويلها إلى سيارات بديلة أكثر أمانًا وكفاءة، بما ينسجم مع خطط الدولة لتطوير منظومة النقل وتحسين البنية التحتية، كما يوفر القرار للسائقين حماية قانونية واعترافًا رسميًا بمصدر الرزق، ويتيح لهم فرصة التحول إلى المركبات البديلة مثل المينى فان أو السيارات الصغيرة، مع تمويلات ودعم فنى يساعدهم على استدامة عملهم. هذا التنظيم يقلل من المخاطر المرتبطة بالحوادث، ويمنحهم فرصة للعمل ضمن إطار قانونى واضح، ما يسهم فى تحقيق استقرار اقتصادى لهم، ويحول نشاطهم إلى مصدر دخل أكثر أمانًا وموثوقية على المدى الطويل».

وتابع: توحيد الهوية البصرية للمركبات يسهل التعرف عليها ومراقبتها، ويجعل حركة التوك توك داخل المدينة أكثر تنظيمًا. من منظور اقتصادى واجتماعى، هذا القرار يمثل نموذجًا لتنظيم النقل الصغير بطريقة تحقق التوازن بين مصالح الدولة والسائقين والمواطنين، مع تعزيز السلامة العامة وتحسين كفاءة شبكة النقل الحضرى.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة