جاء حضور مصر فى قمة العشرين بجوهانسبرج هذا العام ليعكس زخمًا متصاعدًا فى دورها الاقتصادى الإقليمى، حيث نقل الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، رسالة واضحة باسم الرئيس عبدالفتاح السيسى مفادها أن القاهرة تنظر إلى القمة بوصفها فرصة لتعزيز الشراكات وبناء مسارات تعاون جديدة مع جنوب إفريقيا.
وفى جلسة «تعزيز الشراكة الاقتصادية والتكامل بين مصر وجنوب إفريقيا»، قدم مدبولى عرضًا لجهود الإصلاح الاقتصادى المصرية، مؤكدًا انفتاح مصر على مزيد من الاستثمارات، واستعدادها لتوفير الحوافز والتسهيلات التى تدعم تدفق رؤوس الأموال وتعزز التكامل بين أكبر اقتصادين فى القارة.
تقول الدكتورة منال خيرى أستاذ مناهج الاقتصاد بجامعة حلوان إن مصر تنظر إلى مجموعة العشرين باعتبارها محفلاً مهماً لمناقشة التحديات الاقتصادية العالمية الكبرى، حتى إنها تعوّل على مجموعة العشرين لإيجاد حلول مبتكرة ومستدامة لهذه التحديات، مع الأخذ فى الاعتبار شواغل واحتياجات الدول النامية.
وأضافت: «تهدف مصر من وراء المشاركة بالقمة إلى تحقيق أولوياتها الاقتصادية والسياسية، وتتمثل فى عدة أبعاد أولها دعم المصالح والمواقف الإفريقية فى مجموعة العشرين عبر مناقشة التحديات الاقتصادية العالمية الكبرى، وخاصةً إصلاح الهيكل المالى الدولى، وأزمة الديون، خاصة تلك التى تواجه الدول النامية، وبصفة خاصة الإفريقية منها، وسط نقاشات لتعزيز التكامل الاقتصادى لدول القارة الإفريقية، وضمان الأمن الغذائى بين دولها، وحشد الموارد المالية لتسريع وتيرة الجهود العالمية لمكافحة الفقر والجوع، باعتبارهما على رأس أهداف التنمية المستدامة».
وأشارت «خيرى» إلى أن تبنى دعم مصر للمصالح والمواقف الإفريقية يتماشى مع اختيار جنوب إفريقيا شعار «التضامن والمساواة والاستدامة» كمبادئ توجيهية لرئاستها لمجموعة العشرين، وهو ما يعزز من التفاوض مع عدد من المنظمات الدولية والمؤسسات المالية الكبرى.
البعد الثانى كما بينت أستاذ مناهح الاقتصاد هو الترويج للمشروعات التنموية فى مصر عبر اللقاءات التى يعقدها دكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء والسفير بدر عبدالعاطى وزير الخارجية مع ممثلى كبريات الشركات والمؤسسات البحثية والفكرية فى جنوب إفريقيا، وما يرتبط بها لتعزيز الشراكات الاقتصادية والتجارية والحوافز المقدمة للمستثمرين، على أن يتم مد هذا التوجه مع الدول المشاركة فى الدورة الحالية إذ تضم مجموعة العشرين الاقتصادات الكبرى فى العالم، وتمثل 85 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، و75 فى المائة من التجارة الدولية، وثلثى سكان العالم، وخمسة من الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن الدولى إلى جانب أعضاء مجموعتى البريكس والدول السبع الصناعية».
البعد الثالث يتعلق بتأكيد رسائل مصر بشأن الملفات التى تتصل بمصالحها الحيوية فى منطقة الشرق الأوسط وقارة إفريقيا، ويأتى فى مقدمتها رفض مصر الإجراءات الأحادية فى حوض النيل الشرقى، واتخاذ كل ما يلزم من إجراءات بما يتسق مع القانون الدولى لحماية الأمن المائى، وتضافر الجهود الدولية لضمان تنفيذ قرار مجلس الأمن الأخير.
كما ستلعب المشاركة المصرية دوراً كبيراً فى القضية الفلسطينية على حد قول «د. منال» فى تثبيت وقف إطلاق النار بغزة وفقا لاتفاق شرم الشيخ للسلام، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية العاجلة لسكان القطاع للتعامل مع الوضع الإنسانى الكارثى، والتطلع إلى مشاركة دولية واسعة فى المؤتمر الدولى لإعادة إعمار غزة والتعافى المبكر الذى ستستضيفه مصر.
واستطردت أستاذ مناهج الاقتصاد أن وجود مصر فى قمة العشرين يفتح المجال للحصول على أدوات تمويل منخفضة التكلفة خاصة المتعلقة بالمناخ والطاقة النظيفة، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة الاقتراض ومعدلات الاستثمار.
تأثير كبير فى مجال الصناعة هكذا ترى أستاذ الاقتصاد عوائد مشاركة مصر ضمن قمة العشرين قائلة: «يسهم التواجد المصرى فى القمة فى تعزيز توطين الصناعة وزيادة القيمة المضافة للصادرات المصرية، من خلال بناء تعاون أوسع فى مجالات التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والصناعة الثقيلة، وهو ما يتوافق مع رؤية الدولة لرفع معدلات الصادرات وتنويع هيكل الإنتاج القومى»، كما تعد القمة فرصة مهمة للترويج للاقتصاد المصرى كاقتصاد قادر على تقديم فرص استثمارية حقيقية، مدعومة بتشريعات حديثة، ومشروعات قومية عملاقة، وتحولات هيكلية ترفع من تنافسيته.
وترى أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان أن مشاركة مصر فى قمة العشرين تعكس بوضوح أن الدولة تتحرك بثبات نحو إعادة صياغة دورها الاقتصادى عالميًا، وتعزز من قدرتها على الانخراط فى النظام الدولى ليس كمتلقٍ للقرارات الاقتصادية، بل كطرف مشارك فى صناعتها.