فى كتابه الصادر مؤخرًا، بدا يوسى كوهين، المدير السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلى «الموساد» غاضبًا من إحباط خطته لتهجير نحو 1.5 مليون فلسطينى من قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية، وذلك بعدما اعترف بأن الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى أوقف جميع المخططات التى عملت عليها الأجهزة الإسرائيلية فى أعقاب السابع من أكتوبر، لتصفية القضية الفلسطينية بحجة التهجير «المؤقت» على حد قول كوهين.
تحت عنوان «بالأحابيل تصنع لك حربًا» أصدر «كوهين» كتابًا يعترف بين سطوره بأنه من وضع خطة ما عُرف بـ «التهجير المؤقت»، على حد زعمه، لعدد ضخم من سكان القطاع إلى سيناء بذريعة خفض الإصابات بين المدنيين الفلسطينيين خلال حرب الإبادة التى شنتها إسرائيل على القطاع قبل عامين.
وفى كتابه الذى يتطرق إلى أساليب عمل «الموساد» وطرق تجنيد العملاء، ادعى كوهين، أن الخطة التى وافق عليها المجلس الوزارى المُصغر (الكابينيت) آنذاك لم تكن تهدف لتهجير دائم، وأنه تولى مهمة إقناع الدول العربية بالخطة إذ زار عددا من العواصم العربية بالفعل، إلا أنه فوجئ بأن العرب يخشون من تحول الترحيل إلى تهجير أبدى، وبعد السعى الطويل لجلب ضمانات دولية وزيارات إلى العديد من العواصم الأوروبية لكل من بريطانيا والولايات المتحدة واليابان والهند والصين، وقف الرئيس السيسى وحده فى وجه تلك المساعى الإسرائيلية وهدم خطة إسرائيل ومساعيها ورفض بحسم الخطة وبشكل قاطع لا رجعة فيه.. وهنا، وجد «كوهين» نفسه أمام اقتراح لتولى مهمة التفاوض حول صفقة تبادل أسرى، إلا أن رفاقه من الأجهزة الأمنية فى إسرائيل أجهضوا الخطة.
تعد «الأحابيل»، هى العقيدة الأساسية بأعمال الموساد الإسرائيلى، وهى كلمة عربية فصيحة، وتعنى «الخُدَع والمكائد والحِيَل المُحكَمة»، ويمكن تلخيص أبرز «الأحابيل» أو أدوات الخداع الاستخبارية التى تُنسب للموساد فى أدبيات الأمن والاستخبارات فى عدد من المحاور على رأسها الخداع الإنساني، والإغراء النفسي، والاختراق غير المباشر، والخطط النفسية والتكونولجيا والتنصت والهندسة الاجتماعية والعمليات السرية المركبة.
وفى تعليقه على اعترافات «كوهين»، قال الدكتور يحيى عبدالله، أستاذ اللغة العبرية والدراسات الإسرائيلية بكلية الآداب، جامعة المنصورة: الخطط الرسمية موجودة وبشكل رسمى منذ عام 1967، فكان لكل من ليفى إشكول وموشيه دايان، خطط خاصة بتهجير سكان القطاع إلى الضفة الشرقية فى الأردن، وطبقوا العديد من النماذج، لكن الغزاويين تمسكوا بالأرض ولم يخضعوا للحرب الاقتصادية التى فُرضت عليهم وهذه الخطط موجودة لدى الحكومات فى إسرائيل على مدار الوقت، ولكن كون يوسى كوهين، يتحدث عن تلك الخطط فى كتابه هذا يعنى أن الأمر لم يكن مجرد اقتراحات أو تصريحات، لكنها خطة رسمية تم العمل عليها كونه رجلا مقربا بشكل كبير من دوائر اتخاذ القرار فى إسرائيل.
وحول أهداف إسرائيل من خطة التهجير وخروج أهالى غزة إلى سيناء أو غيرها، أوضح «عبدالله»، أن «إسرائيل تهدف لإبعاد الغزاويين لتصفية القضية الفلسطينية وهدم فكرة قيام دولة فلسطينية واقتلاع الأمر من جذوره، فالدولة الفلسطينية هى غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وعند التخلص من الكتلة السكانية فى القطاع، والسيطرة على الضفة الغربية من قبل المستوطنين فلن يكون هناك دولة فلسطينية».
ومن فلسطين، علق المحلل السياسى، عبدالمهدى مطاوع، على ما ورد فى الكتاب، وقال: أهم ما طرحه يوسى كوهين، فى كتابه – النسخة العبرية – باعتباره مدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلى السابق، هو التهجير والذى لطالما كان هدفًا استراتيجيًا لإسرائيل، ولكنها لم تستطع تنفيذه سابقًا، وطرحه بأن التهجير «مؤقت» وبهدف حماية المدنيين أمر دعائي، ولكن حقيقة الأمر أن إسرائيل تريد تهجير الفلسطينيين واستخدمت فى ذلك كل قدراتها الاستخبارية وعلاقاتها الدولية، وبالفعل وافقوا على الخطة فى «الكابينيت»، وسعت تل أبيب للحصول على موافقة الدول الكبرى من أجل الضغط على مصر والأردن، لكن موقف مصر والرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى، موقف تاريخى لأنه منع فعليًا تهجير الفلسطينيين القصرى لشبه جزيرة سيناء بموقف حازم وواضح وحتى لو كان أدى لأى شكل من أشكال التصعيد مع إسرائيل، ففى النهاية تمسك بموقفه واستطاع إحباط مخطط التهجير.
وأضاف «مطاوع»: بالطبع طرح فكرة التهجير على كونه «مؤقتا هى دعاية إسرائيلية وسردية لتمرير الهدف الأكبر لدولة الاحتلال، فرؤساء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية فى كل المرات التى أصدروا بها كتبا بعد انتهاء فترات عملهم فى أماكنهم يضعون بعض المعلومات فى تلك الكتب نعم، ولكن هذه الكتب تهدف إلى هدف أكبر وهو الدعاية لإسرائيل وأعتقد أن كوهين، هنا يريد تبرئة إسرائيل من جريمة التهجير على الساحة العالمية، وهذا يظهر فى كتابه جليًا، فهو يذكر تلك الأخطاء التى ارتكبتها إسرائيل فى الدعاية وكيف تدهورت صورتها العالمية بسبب تلك الأخطاء الدعائية ولم يذكر أن السبب الحقيقى فى تراجع شعبية إسرائيل عالميًا هو الجرائم التى ارتكبتها فى حق المدنيين فى قطاع غزة بحرب الإبادة الجماعية التى ارتكبت بها جرائم وحشية والدماء التى أزهقتها وفى النهاية يمكننا القول إن هذا الكتاب هو «كتاب دعائي» بالدرجة الأولى وهو جزء من الحرب النفسية التى تخوضها إسرائيل.