«هنا القاهرة» مصطلح اعتاد العرب سماعه طوال سنوات ماضية، وظل معبرًا عن دورها الإقليمى باعتبارها الشقيقة الكبرى لكل الدول العربية والسند الأول فى كل الأزمات التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كان هذا الدور حاضرًا بقوة فى أزمة قطاع غزة الأخيرة منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث قدمت مصر يد المساعدة بشكل غير مسبوق من دعم سياسى ودبلوماسى وإنسانى شهد به العالم، آخرها مؤتمر شرم الشيخ الذى شهد توقيع وقف إطلاق النار فى القطاع، والآن تتجه الأنظار إلى القاهرة مجددًا، وهى تقود جهودًا دبلوماسية كبيرة لتثبيت اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار فى قطاع غزة، والدخول فى مرحلته الثانية عن طريق تهيئة الأرضية السياسية والإنسانية لبدء عملية إعادة الإعمار فى أقرب وقت ممكن، تنفيذًا لخطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
يمثل المؤتمر الدولى للتعافى المبكر وإعادة الإعمار المزمع عقده فى القاهرة خلال الفترة المقبلة «خطوة مهمة» لتوحيد الجهود الدولية لدعم الشعب الفلسطينى وتلبية احتياجاته والإسهام فى إعادة البناء، وفقًا للخطة العربية – الإسلامية، ولخطة الرئيس الأمريكى للسلام فى الشرق الأوسط.
وبينما تواصل مصر جهودها لتوحيد الصف الفلسطينى وتفعيل الخطة العربية لإعادة إعمار قطاع غزة، أكد خبراء أن نجاح هذه الجهود مرهون بمدى التزام إسرائيل باتفاق شرم الشيخ، بعد رفع القيود المفروضة على القطاع، وعدم منحها أى ذرائع للعودة مجددًا إلى الحرب. الخبراء أشاروا إلى أن مؤتمر إعادة إعمار القطاع المنكوب مهم جدا وفى لحظة مفصلية، وعلى الدول العربية والغربية دعمه من أجل الشعب الفلسطينى الذى عانى مرارة العدوان على مدار عامين.
وأكد الخبراء أن التحضيرات للمؤتمر جارية على أعلى مستوى بالتنسيق بين وزارتى الخارجية والتعاون الدولى فى مصر، حيث يجرى إعداد خطة شاملة لإعادة الإعمار تشمل البنية التحتية، والمستشفيات، والمدارس، ومشروعات الطاقة والمياه والإسكان، مع التركيز على ضمان وصول المساعدات بشكل عادل إلى سكان القطاع.
وكان الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية قد أعلن أن التحضيرات جارية لعقد المؤتمر الدولى «التعافى المبكر وإعادة الإعمار والتنمية فى غزة».
وزارة الخارجية، أوضحت أن المؤتمر يأتى فى إطار الجهود الدولية الهادفة إلى دعم الشعب الفلسطينى وإعادة إعمار قطاع غزة، مشيرة إلى أن الترتيبات اللوجستية والفنية تسير على قدم وساق لضمان خروج المؤتمر بنتائج عملية، تسهم فى التخفيف من معاناة الشعب الفلسطينى وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وأكد الوزير «عبدالعاطى» تطلع مصر إلى مشاركة فاعلة من مختلف أطراف المجتمع الدولى، مشيرا إلى أن المؤتمر سيعقد ضمن إطار الخطة العربية الإسلامية التى سبق أن أقرت من قِبل الدول العربية والإسلامية وعدد من الدول الصديقة، وبما يتسق مع الجهود الدولية الرامية لتنفيذ خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام فيما يتعلق بإعادة تنمية قطاع غزة.
وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، جراء تداعيات سنتين من حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وإلى جانب الدمار المادى الهائل، خلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية بغزة، 68 ألفًا و159 شهيدًا، وأصابت 170 ألفًا و203، معظمهم أطفال ونساء، وألحقت دمارًا طال 90 فى المائة من البنى التحتية المدنية فى القطاع.
السفير على الحفنى، مساعد وزير الخارجية المصرى الأسبق، قال إن «مصر تسعى للإسراع فى خلق أمر واقع بدءًا من وقف الحرب الدائرة فى القطاع، وتحقيق نفاذ المعونات الإنسانية إلى داخل القطاع، والانطلاق لمرحلة إعادة التعمير دون تأخير، كما أن مصر تسعى كذلك للحصول على دعم خطة إعادة الإعمار عربيًا من خلال التدابير التنفيذية اللازمة لذلك وجذب دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا والمؤسسات الدولية لتمويل الخطة».
وأشار إلى أن «الجهود المصرية تأتى فى إطار من التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة ومع الأطراف العربية والدولية والمؤسسات الدولية والأمم المتحدة ووكالاتها، ومن الأهمية أن تأتى تحركات القاهرة منسجمة مع السلطة الفلسطينية والفصائل، وتكون هناك وحدة رؤية لتفويت الفرصة على أى توجهات إسرائيلية للعودة إلى مناخ التوتر والمواجهة».
وأوضح الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية، أن «مصر تخطط لتنظيم مؤتمر دولى لإعادة إعمار قطاع غزة خلال الفترة المقبلة بمشاركة واسعة من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية»، مشددًا على أن هذه المبادرة تمثل خطوة مهمة لإغاثة الشعب الفلسطينى وتعزيز الاستقرار فى القطاع، فضلًا عن استدامة وقف إطلاق النار، موضحا أن «المشروع المصرى للإعمار حظى بقبول عربى وإسلامى ودولى واسع، ويمثل خطة استراتيجية طويلة المدى لتلبية الاحتياجات الفورية والمستقبلية لسكان القطاع».
«فهمى» أشار إلى أن «المؤتمر الدولى سيهدف إلى تسويق مشروع الإعمار وإلزام المجتمع الدولى بالمشاركة فى تنفيذه»، مؤكدًا أن «الدعم الدولى مرتبط بتوفير ضمانات حقيقية بعدم تدخل حركة حماس فى إدارة القطاع، لضمان وصول المساعدات ونجاح المشروع».
وأوضح أن «مصر تبذل جهودًا متواصلة لتنسيق المفاوضات الدولية وضمان تفعيل المرحلة الثانية من خطة إعادة الإعمار رغم العقبات التى تحاول إسرائيل استغلالها لتأخير التنفيذ، مشيرا إلى أن مؤتمر القاهرة العالمى لإعادة إعمار غزة، يمثل مرحلة جديدة فى إدارة ملف الصراع الفلسطينى – الإسرائيلى»، مشددا على أن المؤتمر يأتى تتويجًا لنجاح قمة شرم الشيخ للسلام، التى أرست قواعد التهدئة الدائمة وفتحت الباب أمام مسار سياسى واقتصادى متكامل.
وتابع: استضافة مصر للمؤتمر بدعم أمريكى ودولى واسع تعكس إدراك المجتمع الدولى لأهمية الدور المصرى فى ضمان الاستقرار، ليس فقط عبر الوساطة السياسية، بل من خلال إعادة بناء ما دمرته الحرب وتحسين الظروف المعيشية لسكان غزة، وتعمل القاهرة على إعداد خطة متكاملة لإعادة الإعمار تشمل البنية التحتية، ومشروعات الإسكان والطاقة والمياه والتعليم، بالتعاون مع الأمم المتحدة والدول المانحة، كما أن مصر تسعى لتحويل الزخم السياسى إلى نتائج اقتصادية وإنسانية ملموسة تضمن استدامة الهدوء فى القطاع.
وأشار إلى أن المؤتمر سيشكل نقطة تحول فى مسار القضية الفلسطينية، ويعزز مكانة مصر كـ«قلب الجهود الإقليمية» الساعية إلى ترسيخ السلام العادل والاستقرار الشامل فى المنطقة.
«محمد محمود مهران»، أستاذ القانون الدولى قال إن «مؤتمر إعادة إعمار غزة يمثل أهمية استثنائية لترجمة الالتزامات الدولية المعلنة فى قمة شرم الشيخ إلى خطوات عملية على الأرض، كما أن أهمية المؤتمر تنبع من كونه سيحدد حجم التمويل الدولى المطلوب لإعادة بناء ما دمرته الحرب، والمؤتمر سيشكل اختبارًا حقيقيًّا لمصداقية المجتمع الدولى فى الوفاء بتعهداته تجاه الشعب الفلسطينى، بعد عقود من الوعود التى لم تتحقق على أرض الواقع».
«مهران»، أوضح أن «الأهداف الرئيسية تتمثل فى حشد الدعم المالى الدولى اللازم لإعادة بناء المساكن والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية المدمرة بالكامل، ووضع خطة زمنية واضحة للتنفيذ تضمن عودة الحياة الطبيعية لسكان غزة بأسرع وقت ممكن»، مؤكدًا أن المؤتمر يهدف أيضًا إلى تنسيق الجهود الدولية والإقليمية لتجنب التشتت والازدواجية، وضمان وصول المساعدات لمستحقيها الفعليين، دون تسييس أو شروط مجحفة.
كما لفت إلى أن من أهم أهداف المؤتمر أيضًا وضع آليات شفافة للمتابعة والرقابة على عملية الإعمار لضمان وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة، مؤكدا أن القانون الدولى يشجع على تعاون الدول فى إعادة الإعمار بعد النزاعات كوسيلة لتحقيق السلام المستدام ومنع تجدد الصراعات.
وحول النتائج المتوقعة والجهات التى ستتولى الإعمار، أكد «مهران»، أن النجاح يعتمد على حجم الالتزامات المالية الحقيقية التى ستعلنها الدول المانحة، متوقعا أن يشارك فى عملية الإعمار تحالف دولى واسع يضم دولًا عربية وخليجية وأوروبية وآسيوية، إضافة لمنظمات الأمم المتحدة المتخصصة والمنظمات غير الحكومية ذات الخبرة فى إعادة الإعمار بعد النزاعات.
وشدد «مهران»، على أن الدور المصرى سيكون محوريًا فى التنسيق والإشراف على عملية الإعمار بحكم موقع مصر الجغرافى ودورها التاريخى فى دعم القضية الفلسطينية، لافتًا إلى أهمية أن يتولى الفلسطينيون أنفسهم قيادة عملية الإعمار، ومؤكدًا أن القانون الدولى يحترم حق الشعوب فى إدارة شئونها الداخلية، بما فى ذلك عمليات إعادة الإعمار دون وصاية خارجية.
بدوره، قال الدكتور طارق البرديسى، خبير العلاقات الدولية، إن المؤتمر يمثل رسالة ثقة دولية فى الدور المصرى الهادف إلى تثبيت التهدئة ودفع الأطراف نحو تسوية سياسية شاملة، وهذا المؤتمر يأتى ضمن رؤية مصرية متكاملة تهدف إلى قطع الطريق على ممارسات الاحتلال الإسرائيلى وخروقاته المتكررة».
وأضاف «البرديسى»، أن «القاهرة تتحرك بخطة واضحة للضغط من أجل تحقيق السلام، وتحديد أولويات إعادة الإعمار فى قطاعات البنية التحتية والتعليم والصحة والمرافق العامة، مع وضع آليات دقيقة لتوفير التمويل من الدول المانحة، ومصر تسعى من خلال المؤتمر إلى تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات اقتصادية ملموسة، عبر حشد الإرادة الدولية من أجل إعادة البناء وترميم ما دمره العدوان الإسرائيلى».
وأشار إلى أن نجاح مؤتمر شرم الشيخ سابقا يعد نموذجًا يُحتذى به، وأرى أن مؤتمر التعافى المبكر فى القاهرة سيكون استمرارًا لهذا النجاح، بما يضمن الانتقال من مرحلة الاتفاق المؤقت إلى مرحلة التسوية الدائمة، مشددًا على أن المؤتمر لن يكون حدثًا بروتوكوليًّا عابرًا، لكنه سيكون إطارًا عمليًّا لتنفيذ برامج تفصيلية للإعمار بمشاركة الأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولى.