«الفسطاط» قبل التطوير كانت مجرد تلال مرتفعة من المخلفات ومشهدًا ترابيًا يطمس ما تبقى من تاريخها، حتى تدخلت وزارة الإسكان والجهاز المركزى للتعمير وجهاز القاهرة التاريخية بالتعاون مع صندوق التنمية الحضارية لتغيير القدر العمرانى للمنطقة، فتمت إزالة الهضاب غير الآمنة وإعادة تشكيل الأرض وفق مخطط يعيد تعريف فكرة الحدائق المركزية عبر ثلاث تلال تتدرج فى الارتفاع وتلتقى بينها ممرات مائية تمنح المكان روحًا بيئية متناغمة.
تضم «تلة القصبة» فندقًا وبحيرة صناعية وشلالات ومدرجات ومناطق جلوس تتوزع كطبقات تلتقط إطلالاتها المختلفة، أما «تلة الحفائر» فتكشف على مساحة سبعة وأربعين فدانًا عن بقايا مدينة الفسطاط القديمة عبر ممشى مرتفع يسمح للزائر برؤية التاريخ دون المساس به، فيما تمتد «تلة الحدائق التراثية» كمساحات هادئة تضم مطاعم ومدرجات وفراغات خشبية تعيد صياغة العلاقة بين الزائر والطبيعة.
وفى قلب المشروع تبرز المنطقة الاستثمارية كمحور ترفيهى نابض، يضم مطاعم ومولات ومسرحًا رومانيًا ونافورة راقصة وساحات احتفالات صممت لاستيعاب الفعاليات الكبرى بينما تستقبل المنطقة الثقافية الزوار عبر ممر واسع يصل إلى متحف الحضارة وتتحول بساحاتها المفتوحة إلى مسرح دائم للأنشطة الفنية.
لم يغب البعد الإنسانى عن الصورة فقد خُصصت منطقة واسعة للمغامرة وألعاب الأطفال إلى جانب منطقة الأسواق التى تعيد إحياء الحرف التراثية مثل الزجاج والسيراميك والنسيج وتضم فندقًا وبحيرات صناعية ومساحات مفتوحة للحرفيين والزوار.
وفى هذا السياق، أكد المهندس محمد حلمى، مدير مشروع تلال الفسطاط، أن «المنطقة الاستثمارية صممت لتضع الزائر داخل المشهد لا خارجه، وتتدرج مستويات المبانى لتطل جميعها على بحيرة عين الصيرة وتضم اثنى عشر مطعمًا وأربع مولات ومبنى أرينا يستقبل تسعة آلاف زائر بينهم خمسمائة من كبار الشخصيات إضافة إلى برج أيقونى مضاء يعكس روح القاهرة الساهرة».
«حلمى»، أوضح أن «فريق التصميم حرص على احترام هوية المنطقة التاريخية، فجاءت المبانى مستلهمة من طابع مصر القديمة لتبدو جزءًا طبيعيًا من النسيج العمرانى المحيط ويتجلى ذلك بوضوح فى المسرح الرومانى المكشوف الذى يتسع لآلاف الزوار عبر ثلاثة مداخل مجهزة بكل الخدمات».
بدوره، قال اللواء محمود نصار، رئيس الجهاز المركزى للتعمير: المشروع لم يكن مجرد تخطيط هندسى بل عالم متكامل يضم ثمانى مناطق عبر أربع عشرة بوابة تجمع بين الطابع المعاصر والملامح التاريخية وقد شارك فى تنفيذه قرابة عشرين ألف عامل طوال فترة الإنشاء، والمنطقة الثقافية الواقعة أمام المدخل الرئيسى من طريق صلاح سالم تمتد بمحور بصرى يصل إلى متحف الحضارة وتضم ساحات للنشاط الثقافى وثلاث نوافير ومساحات خضراء تتجاوز ستة وعشرين ألف متر مربع بينما تتوزع التلال الثلاث حول الممر المائى الذى يشق قلب الحديقة كخيط حياة يربط عناصر المشروع ببعضها.
وتابع: أما «تلة الحفائر» فتمثل المشهد الأكثر فرادة حيث يعمل الجهاز التنفيذى لتجديد القاهرة الإسلامية والفاطمية على كشف ملامح مدينة الفسطاط القديمة وإظهار سور صلاح الدين وتجميع وترميم القطع الأثرية وإعداد نشر علمى لما سيتم اكتشافه ليصبح المكان مزارًا أثريًا وسياحيًا وثقافيًا متكاملاً، ومع اقتراب موعد افتتاح المشروع فى العام المقبل، وتستعد القاهرة لحقبة جديدة تعود فيها الفسطاط إلى الواجهة كقلب حضارى ينبض بالتاريخ ويقدم نموذجًا حيًا لكيف يمكن للماضى أن يفتح أبوابه للمستقبل دون أن يفقد ملامحه؟.
«لم يكن المشروع مجرد قطعة أرض فضاء، لتنفيذ أكبر حديقة مركزية فى قلب القاهرة»، بهذه الكلمات بدأ المهندس التنفيذى للمشروع، إسلام محمد، حديثه، قبل أن يضيف: المشروع كان تحدياً هندسياً على مستوى إعادة تجهيز الأرض ورفع المخلفات ومن ثم إعادة تسوية التربة ليتناسب مع المخطط العمرانى الجديد بالمشروع، ويؤكد أن المشروع كان عملية تأهيل جيولوجى وهندسى تطلبت بناء وتركيب خرسانى يمهد للمشروع، فالتحدى الأكبر تمثل فى طبيعة الأرض نفسها، بداية من رفع ونقل مخلفات البناء والردم المتراكمة على مدى عقود، إلى جانب اختلاف مناسيب الأرض الذى وصل فى بعض المناطق إلى أكثر من 50 مترا بين أعلى نقطة وأدنى نقطة، استدعى ذلك جهوداً ضخمة لإزالة هذه الأطنان من المخلفات، تلاها أعمال مكثفة للتسوية والدمك والتمهيد للتربة.
فى السياق، قال المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، الجهة الممولة لمشروع تلال الفسطاط، إن «المشروع يعد نقلة حضارية كاملة لربط الماضى بالحاضر مع لمسة تتطلع للمستقبل، مشروع تلال الفسطاط هو قفزة فى حد ذاته، لأنه وضع القاهرة التاريخية ضمن أكبر المدن التى تحتوى على حدائق بمسطح يزيد عن 500 فدان تقريباً»، لافتا إلى أن «الحديقة ستصبح أيقونة عالمية ومقصدًا سياحيًا رئيسيًا، وأنها ستعمل على زيادة نصيب الفرد من المسطحات الخضراء فى العاصمة بشكل كبير».
«صديق»، أكد أن «العمل فى المشروع تم وفقًا لمراحل زمنية محددة وبإشراف هندسى عالمى، فالمشروع وفر آلافًا من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة»، مشيرًا إلى أن «المشروع يهدف إلى تحقيق تواصل بصرى بين كافة المعالم التاريخية المحيطة، وهو ما تم تحقيقه عبر تصميمات مستويات الارتفاعات والتلال داخل الحديقة».