رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الشــرق المتجـدد.. بين الـ «س» ونهر السين ومصريات السوربون


27-11-2025 | 17:59

.

طباعة
بقلم: د. جيهان زكى

بين حروف الشرق الأولى الـ«سين» وأيضا الـ«ميم» والـ«جيم»..

وبين مياه نهر السين الهادئة الهادرة..

وبين قاعات السوربون وأروقتها الباهرة..

هناك حديث قديم، نفذت كلماته عبر الأيام ودوى رنين انفعالاته فى أرجاء الزمان، بعد أن قدح الأذهان وحفز الهمة والزمام. فإذا بالتاريخ يدعو أتباعه وعشاقه لإعادة قراءته على ضوء ما ورد بأعلاه!

 

 

مهلا سيدي.. فالشرق لا يغادر ذاته، لكنه يقف بوقاره شامخا، لا سيما شغوفا باكتشاف زوايا متجددة يلتقى بها مع العالم الحديث. وهنا تتبادر إلى ذهنى أبيات حافظ التى تغنت بها أيقونة الشرق أم كلثوم:

وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعاً

كَيفَ أَبنى قَواعِدَ المَجدِ وَحدى

وَبُناةُ الأَهرامِ فى سالِفِ الدَهر

كَفَونى الكَلامَ عِندَ التَحَدّى

أَنا تاجُ العَلاءِ فى مَفرِقِ الشَرق

وَدُرّاتُهُ فَرائِدُ عِقدى

أَى شَيءٍ فى الغَربِ قَد بَهَرَ الناس

جَمالاً وَلَم يَكُن مِنهُ عِندى

عزيزى القارئ..

بين ضفاف السين فى باريس وأسطورة ألف ليلة فى الشرق، كان هناك دوما عقول جديدة تولد وتجمع بين الحكاية والحرية، بين التراث والفضول، بين ماضٍ عميق ومستقبل يتشكل وبالتحديد فى قاعات السوربون، فلم تكن العلوم تُدرس وحدها، بل تحفز الشرق ليسائلها، ويحاورها، ويرى ذاته فى ضوء حضارة أخرى دون أن يفقد جذوره.

نور يسطع، لا ليضيء الغرب فحسب، بل ليُعيد إشراق الشرق على نفسه، ويصنع من المعرفة جسورًا تتخطى الزمان والمكان لاستكمال حديث قديم: حديث الشرق والغرب.

أما ساحة السوربون العتيقة بمقاهيها التى تموج بأحاديث الطلبة ومناظرات الأساتذة، ففى العقد الثالث من القرن العشرين، جلس على أحدها الشاب المصرى طه حسين وهو يحمل فى جعبته الحكايات والكتب، يفتح عينيه أمام عالم آخر عالم الغرب.

فى الحقيقة، لم يكن هذا المبعوث مجرد طالب يدرس الآداب والفلسفة، بل كان رحّالًا بين حضارتين، يلمس الشرق فى قلبه والغرب بعقله، يجمع بين حكمة ألف ليلة وأدوات النقد الأوروبي.

من قبله، كان محمد عبده قد تأثر فكريًا لا مكانياً بالنهضة الأوروبية وأفكار الإصلاح العقلانى التى كانت سائدة فى السوربون حتى لو لم تطأ رجله الجامعة. غير أنه اعتمد فى دعوته على التجديد والبحث العلمى ومنهجية التفكير النقدى، تماما مثل المنهج الذى كان يُدرس فى باريس.

بلد الجن والملائكة، بكل ضفافها وكتبها وتجلياتها وقلوب أساتذتها، مرآة أضاءت له الشرق من الداخل، فأعاد قراءة تراثه وكتب التاريخ والفكر بلغة النقد والحكمة. ومن هناك، عاد طه حسين بعدما تعلّم كيف يسائل قبل أن يقبل، وكيف يناقش قبل أن يُسلم.

صقلت السوربون فكره كما تصقل الريح الحجر، فتكوّن عقل حرّ، لا يتبنى التراث بعاطفته، ولا يغلق على نفسه أمام حضارة جديدة.. فإذا به يصبح نورًا يسطع بين عتمات التقليد وفجر النهضة، يجمع بين ضوء العقل وحدس القلب، بين الماضى العريق ومستقبل العقل العربى المتجدد.

وماذا عن علم المصريات فى جامعة السوربون؟

عزيزى القارئ،

اسمح لى أن أتولى زمام الحكاية لكونى باحثةً فى التاريخ والحضارة بمركز بحوث علم المصريات فى جامعة السوربون، وقد كنت أعلم حين انضممت إلى فريق عمل المركز المكون من ثلاثة وعشرين عضوا أن هذا الـ«لابوراتوار» أو «المعمل العلمى» كما يسمونه بالفرنسية هو الأقدم من نوعه فى فرنسا، بل فى أوروبا بأسرها، غير أن وقوفى بين أروقته كشف لى أن قدمه لا يقاس بالسنوات فحسب، بل بالذاكرة العلمية المتجذّرة فى جدرانه.

وبمصادفة لطيفة رتّبتها الأقدار، دعتنى أمس زميلتى الفرنسية ناتالى لينار للاطلاع على وثائق وردت من الإدارة ليُعاد حفظها فى أرشيف المركز. سألتها بشغف عن تاريخ هذه الملفات، فأجابت بأنّها تعود إلى مرحلة تأسيس المركز ضمن السياسات العلمية الجديدة التى تبنّتها فرنسا عقب الحرب العالمية الثانية عام 1945. ثم قادتنى إلى لوحة تذكارية من النحاس على أحد الجدران، منقوش عليها اسم المركز وتاريخ إنشائه، وإلى جانبها أسماء الأساتذة الفرنسيين الذين تعاقبوا على إدارته منذ ذلك الحين: موريس أليو، سان فارجارنو، جان لوكلان، ونيكولا غريمال، والسيدة دومينيك فالبيل، وصولًا إلى بيير تاليه المدير الحالي.

استرسلت ناتالى فى روايتها، فحدثتنى عن رسـالة المركز ومنهجيته منذ نشأته: دراسة الحضارة المصرية القديمة دراسة عميقة، والاهتمام بكل ما يستجد من اكتشافات أثرية، والغوص فى أسرار النصوص والنقوش، إلى جانب البحث فى حضارة وادى النيل فى السودان، وروت كيف أطلق المركز بعثات تنقيب عديدة فى مصر بطبيعة الاختصاص (جبانة سقارة، دار عبادة آمون، مدينة تانيس، وادى الجرف وجزيرة بيجة بأسوان ) ولا سيما أيضا فى شمال السودان (جبانة مروى وكرمة ونبتة ) حيث لا يزال التراب يخفى بين حباته ما يشهد على حضارة ضاربة فى القدم).

رفعتُ بصرى من حديثها إلى رفوف المكتبة التى تملأ القاعة من جدرانها الأربعة، فبدا لى المكان أشبه بمعبدٍ للمعرفة، تتراص فيه آلاف الكتب والأبحاث التى وثّقت رحلة الإنسان مع النيل منذ آلاف السنين. وعلى المقاعد الخشبية العتيقة جلس طلاب من شتى بقاع الأرض، من أوروبا وأمريكا وشرق آسيا، وطبعًا من مصر متّقدى العيون، يعيدون قراءة تاريخ الفراعنة بعقول جديدة، من قلب السوربون

فى تلك اللحظة، تذكّرت الشاب الفرنسى جان فرانسوا شامبليون، الذى كان فى العشرينيات من عمره حين استهلكه الشغف بفك رموز اللغة المصرية القديمة، ففتح للعالم بابًا لفهم حضارة مصر، ورأيت فى هؤلاء الطلاب امتدادًا لخطواته الأولى، وكأنّ الزمن يعيد نفسه بصورة أجمل.

ولذا، حين نتحدّث عن «الشرق المتجدّد»، أو عن الأمل فى غدٍ أكثر إشراقًا للعلم والمعرفة فى فكّ خبايا الحضارة المصرية، فإنّ هذا المركز - الذى وُلد ليحمى تراثًا أنهكته ويلات الحروب - لا يزال حتى اليوم منارةً علمية وأكاديمية تقف فى وجه المدّعين بتاريخٍ مغاير، وتُطفئ بنور الحقيقة أباطيل كل منْ يروّج للزيف ويزرع الضبابية. إنه يرفع راية المعرفة عالية أمام كل محاولة لطمس التاريخ، ويعيد تقديم حضارة مصر القديمة للعالم بروح الحداثة، بوصفها ركيزة ثابتة من ركائز الإنسانية، وأحد أعمدتها التى لا تهتز.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة