رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«ذهب تانيس» يمنح «متحف التحرير» قبلة الحياة


27-11-2025 | 17:58

.

طباعة
كتبت : أمانى عبدالحميد

كنوز من الذهب والفضة لا مثيل لها، تخبئ ملامحها بعضا من أسرار الصراع على السلطة والسطوة، تطل من عيون أقنعتها شهوة الخلود، هكذا تبدو بعضا من كنوز مدينة «تانيس» المنسية، حيث عادت لتتصدر قاعات المتحف المصرى بالتحرير بعدما رحلت عنها كنوز الملك الجنوبى توت عنخ آمون، حانت الفرصة كى يستعيد ملوك الشمال مكانتهم التى يستحقونها من جديد كى يمنحوا المتحف العتيق قبلة الحياة، وكأننا أمام مشهد مسرحى أو قصيدة قديمة تتحدث عن عودة الروح والبعث بعدما طال الانتظار، تلك حكايات كل من المتحف القديم الذى يصارع من أجل البقاء وكنوز المدينة المقدسة التى تستعيد مجدها العظيم.

 

بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير تزايدت مخاوف الكثيرين عن دور المتحف المصرى القديم الذى فتح أبوابه عام 1902 ليطل على ميدان التحرير، الكل تحدث عن الدور الذى سيلعبه المتحف ذو المبنى الأثرى بعدما رحلت عنه أشهر مقتنياته خاصة كنوز الملك توت عنخ آمون، هل سيصبح مركزا لدراسة علم المصريات؟، أم يظل يمارس دوره كقاعات عرض متحفية تحمل رائحة العتاقة؟، وبالرغم من وجاهة التساؤلات فى ظل هالات التألق التى تحيط بالمتحف الكبير المطل على أهرامات الدولة القديمة، إلا أن المتحف المصرى الذى يبدو كهلا عجوزا يصارع من أجل البقاء لازال يحمل جمالا وقيمة جعلت منه رمزا من رموز الحضارة المصرية القديمة، وذلك بفضل ما يحويه من كنوز أثرية عظيمة تستحق أن نقف أمامها بإجلال بعد أن تملؤنا مشاعر الإعجاب، وإذا نظرنا فقط إلى كنوز مدينة تانيس وملوكها فإن الدهشة ستغمرنا بالتأكيد، وأمامها نقف متسائلين أين كانت تلك المقتنيات العجيبة مخبأة؟ ولماذا لم نرها من قبل؟ وما هى القصة وراءها؟.

كنوز تانيس الذهبية والفضية بريقها بات يتلألأ وسط قاعات الدور الثانى للمتحف المصرى بالتحرير، هناك نرى قناع الملك بسوسنس الجنائزى الذهبى الذى يخطف الأنظار، وقلائده، وخواتمه، وأساوره، وخنجره الذى يشبه خنجر الملك توت عنخ آمون فى رهافة صنعه، وتابوت الملك بسوسنس الأول المتقن الصنع ويتصدره وجهه جميل الطلة، المحفور من الفضة الخالصة، ويحمل زخارف فريدة، ووجوها للإلهة حتحور، ونقوشا دقيقة لعين الأوجادتي، وأذرع مترقبة لملك لا يزال يحدق فى زائريه بنظرات ملكية مهيبة، وقتها كانت الفضة أغلى من الذهب، لذا يقف الجميع مشدوها أمامه، نحن فى حضرة ملوك لم ينالوا نصيبهم من الشهرة كالتى نالها ملوك الجنوب، أبناء طيبة، حكايتهم بدأت عند امتداد الضفة الشرقية لفرع النيل التانيسى، حيث اختلط طمى الدلتا برائحة المدينة المقدسة «تانيس» عاصمة الدولة التى انفصلت عن الجنوب وأسست أركانها فى منطقة «صان الحجر» فى أقصى الشمال الشرقى لمصر.

والتى اختارت حشائش الدلتا كى تبنى أسوارها ومعابدها ومقابرها الملكية، والتى باتت غارقة تحت الرمال والطمى وتحولت إلى أطلال زمن فات ومدينة كانت يوما عاصمة، وملاذا للآلهة، ومسرحا لطقوس التتويج، ومستودعا لذهب الملوك وفضتهم، ومرآة لحضارة مصرية قادرة على الإبهار والعودة إلى الضوء مهما توارت.

هل يمكن لتلك المدينة وكنوزها أن تبث من روحها فى المتحف المصرى بالتحرير لتمنحه ق بلة الحياة كى يعود له بريقه كما كان منذ أكثر من 123 عاما مضت. سيناريو العرض المتحفى الجديد يكشف عن تفاصيل رحلة تلك الكنوز المنسية التى خرجت من دلتا النيل لتصنع مجدا وتمنح المتحف المصرى فى التحرير هويته، وذاكرته، وملامحه التى ستتعرف عليها الأجيال وتتناقلها الصور، تلك المدينة ينظر لها علماء الآثار على أنها من أغنى مواقع الاكتشافات الأثرية فى مصر، وهو ما أثبتته البعثات العلمية التى أجرت حفائرها الأثرية منذ أكثر من مائة عام، بل قد تمتد إلى أبعد من ذلك منذ أن زارها الفرنسى فرانسوا شامبليون فى عشرينيات القرن التاسع عشر، حين لفتت نظره الأعمدة العملاقة المتناثرة على سطح الأرض، لكنه لم يدرك أن تحتها عالما كاملا ينتظر من يمد له يد العون كى يعود إلى الحياة مرة أخرى، ومع الوقت توالت عليها البعثات الأجنبية دون أن تتمكن من فهم تلك المدينة العجيبة المليئة بالتماثيل والمسلات محطمة ومبعثرة دونما انتظام.

بحلول عام 1929 بدأت تلك المدينة فصلا جديدا مع عالم المصريات الفرنسى بيير مونتيه، الذى أخذ على عاتقه إعادة اكتشاف حقيقة تلك المدينة، لكنه لم يتوقع أن يجد مقابر كاملة غير منهوبة على حالها، وهو الحدث الذى بات معجزة نادرة التكرار فى علم الآثار المصرى بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 ، وبين عامى 1939 و1946 نجح «مونتيه» فى اكتشاف مقابر الملوك بسوسنس الأول، وأمون إم أوبت، وشوشنق الثانى، وحتب حور ستب إن رع، ومعهم كنوز مذهلة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، والتى بدت وكأنها تماثل كنوز الملك توت عنخ آمون لكنها حملت ملامح مدرسة الشمال الفخمة التى امتازت بدقة الصياغة، ورصانة الذوق، ونبل الأشكال التى تمزج بين المهابة الملكية ورهافة التفاصيل الشخصية، وهى الكنوز التى رحلت عن تانيس لتستقر بالدور الثانى من المتحف المصرى بالتحرير.

رحلة الاكتشافات العلمية لم تنتهِ بل استمرت حتى يومنا، حيث أعلن المجلس الأعلى للآثار عن توصل البعثة الأثرية الفرنسية العاملة بمنطقة آثار صان الحجر (تانيس ( بمحافظة الشرقية، برئاسة الدكتور فريدريك بيريدو من جامعة السوربون، عن اكتشاف أثرى جديد داخل إحدى المقابر الملكية الشهيرة بكنوزها والمعروضة حالياً بالمتحف المصرى بالتحرير، حيث كشفت أعمال التنظيف الأثرى لأرضية الغرفة الشمالية بمقبرة الملك أوسركون الثانى من الأسرة 22 عن مجموعة كبيرة من 225 تمثالاً جنائزياً)أوشابتى) للملك شوشنق الثالث، وهو أحد أبرز ملوك الأسرة 22 وصاحب إسهامات معمارية مميزة بمدينة تانيس، حيث عثرت البعثة على التماثيل فى وضعها الأصلى، داخل طبقات متراكمة من الطمى، بالقرب من تابوت جرانيتى غير منقوش، تم اكتشافه فى وقت سابق دون تحديد هوية صاحبه.

« إضافة علمية فريدة ..» هكذا وصفها الدكتور محمد إسماعيل خالد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، حيث تفقد موقع الحفائر بمنطقة آثار تانيس، وهناك وقف ليؤكد أن الكشف الأثرى الجديد هو أبرز ما شهدته المقابر الملكية منذ عام 1946، من المؤكد من وجهة نظره أنها «خطوة حاسمة فى حل أحد الألغاز الأثرية طويلة الأمد»..حيث تكشف الدلائل العلمية الجديدة إلى أن التابوت يعود للملك شوشنق الثالث، وهو ما يفتح المجال أمام دراسات جديدة حول طبيعة الدفن الملكى خلال تلك الفترة وما إذا كان الملك قد تم دفنه بالفعل داخل مقبرة الملك أوسركون الثانى أو أن مقتنياته الجنائزية تم نقلها إليها لاحقا لحمايتها من السرقات.

ما هى قصة الملك شوشنق الثالث والملك أوسركون الثاني؟ خاصة أن مقتنياتهم البديعة تم العثور عليها تحت طمى مدينة من أكثر مدن مصر كلها التى تحمل قدرا من الغموض والأسرار، التاريخ يذكر دوما مدن طيبة ومنف وأبيدوس لكن اسم تانيس ظل متواريا كأنه سر قديم لا يتحدث عنه أحد، حيث إن المرة الأولى التى ظهر اسم تلك المدينة فى النصوص المصرية كان خلال عصر الدولة الحديثة، ثم بلغت ذروة مجدها خلال عهد الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين حينما أصبح ملوكها أصحاب السلطة الفعلية فى شمال مصر، بينما حكم كهنة آمون طيبة فى الجنوب، وقتها تحولت مصر إلى مملكتين، لكل منهما ملك وطقوس وشرعية، وكانت تانيس هى عاصمة الشمال، وهناك قرر ملوكها بناء معبد عظيم للإله آمون، ينافسون به معابد طيبة، حاولوا إعادة بناء العاصمة عبر نقل أعمدة وتماثيل ومسلات مدن أخرى، وبالأخص مدينة «بير رعمسيس» عاصمة الملك رمسيس الثانى بعدما باتت غير صالحة للسكن بعد تغير مجرى نهر النيل.

لكن قرونا طويلة من الهجر والفيضانات حولتها إلى أطلال مترامية تحمل بين طياتها كنوزا خفية إلى أن حل القرن التاسع عشر، وبدأت بعثات التنقيب الأوروبية تتوالى على المدينة الأثرية، وبالتأكيد كانت كنوزها الذهبية والفضية سببا رئيسيا فى عودة تانيس على خريطة الاكتشافات العلمية، ليس فقط كمدينة قديمة لكن كموقع أثرى غنى بالكنوز الملكية خلال فترة زمنية لم تكن معلومة بالشكل الكافى.

عالم الآثار الدكتور فريدريك بيريدو رئيس البعثة الفرنسية التى تعمل داخل تانيس منذ سنوات طويلة، يحمل داخله شغفا وإصرارا على مواصلة العمل، ما عثر عليه من تماثيل أوشابتى 225 ، فتح مجالات جديدة من البحث والتقصي، وهو ما ردده بقوله : « نقوم بمرحلة ثانية من الدراسات الأثرية الدقيقة للنقوش الجديدة التى عثرنا عليها داخل الغرفة الشمالية بمقبرة الملك أوسركون الثاني»، فهو يحاول معرفة مزيد من الحقائق وظروف دفن الملك شوشنق الثالث، وهنا يقول «بيريدو»:» من غير الواضح ما إذا كان الملك قد تم دفنه مباشرة داخل مقبرة أوسركون الثاني، أم أن مقتنياته الجنائزية قد تم نقلها إلى هذا المكان لحمايتها من السرقة..»وظل يؤكد قائلا «:أمامنا الكثير من العمل للإجابة عن هذه الأسئلة. «.خاصة وأن البعثة الفرنسية تعمل بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار وتواصل أعمال حفائرها العلمية والترميم داخل تانيس باعتباره أحد أهم المراكز الملكية لعصر الانتقال الثالث.

وهو ما أكده الأثرى محمد عبدالبديع رئيس قطاع الآثار المصرية بأن البعثة الفرنسية نجحت فى كشف نقوش جديدة وغير معروفة سابقا داخل الغرفة نفسها من شأنه تعزيز فهم الباحثين لتطور استخدام المقابر الملكية وأساليب الدفن فى تلك الفترة، وأنها ستواصل العمل على استكمال مشروع شامل لحماية المقبرة الملكية، خاصة أنها تعمل داخل الموقع منذ عام 1929.، وهو ما أوضحه الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحرى، ومن المنتظر أن يتضمن المشروع إقامة مظلة حديثة فوق المقابر، وأعمال خفض الأملاح وتنظيف العناصر المعمارية داخلها وخارجها، أملا فى مزيد من اكتشاف أسرار تلك المدينة الملكية.

وبالرغم من اختلاف أسمائها التى ظلت تتقلب بينها، تانيس، صان الحجر، زان، جعنت وغيرها، إلا إنها ظلت واحدة من أغنى مواقع الاكتشاف الأثرى فى مصر كلها، وبفضل كنوزها المذهلة باتت شاهدا حيا على فترات من التاريخ تمتد إلى أكثر من ألفى عام من حياة المصرى القديم، ولولا الاكتشافات الأثرية التى ظهرت منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، لما تزين المتحف المصرى بالتحرير بذلك الوجه الملكى الفريد الذى صنعه ذهب التانيسيين وتماثيلهم وأعمدتهم وأوانيهم الجنائزية.

ومن قبل قام مركز تسجيل الآثار المصرية بأعمال التسجيل والتوثيق الأثرى لمنطقة آثار تانيس بمحافظة الشرقية، حيث أرسل بعثة أثرية مصرية مكونة من أثريين ومهندسين ومصورين ورسامين، للقيام بكل أعمال التوثيق الأثرى، والرفع المعمارى، والتصوير الرقمى، والرسم الخطى، وذلك نظرا لأهميتها كجبانة ملكية تحتضن ملوك الأسرة الـ 21،22. ، بالإضافة إلى احتوائها على مجموعة من المعابد والمقابر، ومن أهمها مقبرة «أوسركون الثانى» والتى تتكون من مدخل فى الجانب الأيسر به نقش غائر يؤدى إلى حجرة بها تابوت ضخم وعلى جدرانها مناظر دينية بالإضافة إلى حجرة أخرى منقوشة ولكنها متأثرة بالأملاح، وفى الجانب الشرقى توجد حجرة زين أحد جدرانها بمنظر بالنقش الغائر وبها تابوت كبير، كما تضم مقبرة الملك «شوشنق الثالث» التى تتكون من حجرة واحدة بدون سقف وعلى جدرانها مناظر ونصوص دينية، وبداخلها تابوتين للملك وغطاء تابوت، كما تحتضن المنطقة مقبرة الملك «بسوسنس الأول».

وتحتضن تانيس عدة معابد، حيث تحتوى على بقايا معبد كبير للإله آمون يشبه فى تخطيطه معابد الدولة الحديثة، إلى جانب بقايا صروح ومسلات وأعمدة وتماثيل مزدوجة ومفردة وقطع منقوشة بنصوص هيروغليفية ومناظر دينية، كما تحوى بقايا بحيرة مقدسة جافة وبجوارها مجموعة أحجار من المرجح أنها بقايا معبد للإله خونسو، وفى الناحية الجنوبية من المعبد الكبير يوجد معبد الإلهة موت، إلهة الأمومة فى مصر القديمة وهو عبارة عن بقايا أحجار وتماثيل، ويحيط بالمعبد بقايا سور من الطوب اللبن.

يذكر أن منطقة تانيس والمعروفة باسم صان الحجر هى إحدى قرى مدينة الحسينية بمركز فاقوس بمحافظة الشرقية وتبعد عن شمال شرق القاهرة مسافة 150كم، وقد ورد اسم صان الحجر فى النصوص القديمة باسم «جعنت» ومعناها المدينة التى بنيت فى الأرض الفضاء، كما ورد ذكرها فى التوراه باسم «صوعن» واسماها الإغريقى «تانيس» حيث تقع على أحد فروع النيل الفرع التانيسى، فى حين أسماها العرب باسم «صان» ولكثرة أحجارها لذا أطلقوا عليها «صان الحجر» وقد عمل بالمنطقة عدد كبير من البعثات الأثرية منذ الحملة الفرنسية، حيث عمل بها كل من «بترى» و«مارييت» و«مونتيه» الذى كشف عن آثارها الذهبية فى مقبرة الملك بسوسنس الأول، كما خرج منها الكثير من المسلات واللوحات مثل لوحة الأربعمائة ومرسوم كانوب وتماثيل لأبى الهول بالمتحف المصرى وعدد من المسلات ومنها مسلة ميدان التحرير بعد التطوير.

 
    كلمات البحث
  • كنوز
  • الذهب
  • الفضة
  • المتحف
  • القديم

أخبار الساعة

الاكثر قراءة