رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«دكــــاكيــــــن» .. حقوق الإنسان الإخوانية


27-11-2025 | 17:54

.

طباعة
بقلـم: طارق أبو السعد

منذ ثورة 30 يونيو 2013 التى أنهت حكم جماعة الإخوان فى مصر وسحبت عنها الشرعية الشعبية، دخلت الجماعة الإرهابية فى مرحلة عداء واضح وصريح مع الدولة المصرية، وللمرة الأولى منذ عقود، تكشفت حقيقة الجماعة ودورها الوظيفى التخريبى للدولة المصرية، ليس فقط كتنظيم سياسى، بل كشبكة عابرة للحدود تمتلك تمويلا خفيا وعناصر منتشرين فى كل مكان، لا هدف لهم إلا إسقاط الدولة المصرية، هذه الجماعة الإرهابية استخدمت أدوات غير تقليدية فى عدائها، فى مقدمتها «الفضاء الحقوقى الدولى».

لم يرَ الشعب المصرى الوجه الحقيقى فقط بل العالم أجمع، فقد صاحب سقوط الجماعة خطاب معلن من على «منصة رابعة» غاية فى التطرف كما دفع عناصرها لارتكابها جرائم إرهابية طالت الشعب ومؤسسات الدولة والبنية التحتية ومواطنين أبرياء وشخصيات عامة، بل ودور عبادة، ما جعل الصورة الذهنية للجماعة لدى العالم العربى والغربى أنها جماعة متطرفة ترعى الإرهاب وتستثمر فيه.

راحت الجماعة تبحث عن وسيلة تصلح أن تعيد صياغة صورتها الذهنية عالميًا، وفى نفس الوقت تطعن بها الدولة المصرية، فوجدت ضالتها فى المؤسسات الحقوقية العالمية، لتقدم فيها شكوى تلو الشكوى ضد الدولة المصرية، ولأن المؤسسات العالمية المحترمة لا تعتمد رواية طرف دون الآخر، وخشى التنظيم الدولى للجماعة الإرهابية أن تأتى هذه الشكاوى بنتيجة عكسية، فقررت الجماعة تأسيس العديد من المؤسسات الحقوقية الخاصة بها، لتكون لسانها فى مخاطبة المنظمات العالمية وتمارس خديعة وتمويهًا على الشارع الأوروبى بنشر روايات عن مظلوميتهم، لذا توسعت فى إنشاء (دكاكين حقوق الإخوان الخاصة جدًا).

شبكات حقوقية عابرة للحدود

تشير العديد من الدراسات إلى وجود شبكات إخوانية تعمل داخل المجتمع المدنى فى أوروبا وأمريكا تضم أفرادًا إخوانيين أو مقربين منهم، تتحرك فى ملفات حقوق الأقليات، وحقوق اللاجئين، وملفات الشرق الأوسط، هذه الشبكات تعمل بنموذج «شبكة الشبكات» وليس الهيكل التنظيمى الموحّد، لتهرب من الملاحقة الأمنية أو المتابعة المالية.

اختار الإخوان تأسيس هذه «الدكاكين» فى أوروبا وأمريكا لسهولة تأسيس المنظمات الحقوقية فى الغرب، وتحررها النسبى من القيود السياسية، وحاولت الجماعة، وعبر مكاتب المحاماة المتعاونة مع الجماعة، والمؤسسات الإعلامية التابعة لها فى العواصم (لندن – جنيف – نيويورك) إظهار عناصر الجماعة المتورطين فى قضايا الإرهاب، أنهم ضحايا القمع والديكتاتورية، وتحول الملف المصرى الداخلى من «ملف الحرب على الإرهاب» إلى «ملف حقوق الإنسان»، وأشارت بعض التقارير بتسمية بعض المنظمات الحقوقية التى تبنت خطاب الإخوان أو التى انحازت لرواية الجماعة الإرهابية، ويُحتمل أن لها ارتباطات مع الإخوان منها (مركز الشهاب لحقوق الإنسان ومقره لندن/ مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان ومقرها اسطنبول/ منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان ومقرها لندن/ The Cordoba Foundationمقرها لندن مع ملاحظة أنها ليست «منظمة حقوقية» بالضبط بالمعنى الكلاسيكى، لكنها ناشطة فى الحوارات الدولية حول حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق المسلمين، ومؤسسها هو أنس التكريتى أحد أهم الكوادر الإخوانية فى التنظيم الدولى، لكنها لم تنجح فى إقناع المحايدين، الذين سرعان ما اكتشفوا الحقيقة فصُنِّفت الجماعة من دول عديدة كمنظمة إرهابية، والكثير منهم وضعوا قيودا على أنشطة الجماعة بها.

وفى عام 2019، أصدرت «الحركة العربية لحماية منظمات حقوق الإنسان» القائمة السوداء للمؤسسات التى اخترقها الإخوان أو تلك التى أسسها الإخوان أو التى تنحاز للإخوان دون حياد أو موضوعية، هى كالتالى (مؤسسة الكرامة – مقرها جنيف) و(Committee for Justice -كوميتى فور جيستس- مقرها سويسرا) و(المركز الدولى للعدالة الانتقالية مقرها نيويورك) و(المنظمة العربية لحقوق الإنسان – لندن) و(منظمة Liberty – - مقرها لندن) و(منظمة الحقوق الإنسانية الإسلامية) و(المؤسسة العالمية للدفاع عن مدافعى حقوق الإنسان) و(الائتلاف العالمى للحقوق والحريات – مقره فى جنيف وباريس وواشنطن ولندن) و(منظمة المصريين فى الخارج من أجل الديمقراطية) و(المنظمة العربية للإصلاح الجنائى) و(مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان) و(المفوضية المصرية للحقوق والحريات) و(مركز عدالة للحقوق والحريات) و(مركز بلادى للحقوق والحريات) و(مبادرة الحرية) و(المؤسسة العربية للحقوق المدنية والسياسية – «نضال»).

اتهمت «الحركة» هذه المنظمات بـ«مخالفات جسيمة» تتعلق بانخفاض مستوى الاستقلالية والمهنية، وفق بيانها، وأن بعض هذه المنظمات توفر «غطاء حقوقيًا» لتيارات إرهابية منها «جماعة الإخوان»، كما قالت الحركة إن بعض المنظمات تركز نشاطها الحقوقى فى المحافل الدولية ضد الدولة المصرية لصالح دول إقليمية أخرى، وطالبت الحركة الجهات المختصة (مثل السلطات السويسرية) بمراقبة أنشطة هذه المنظمات، خاصة ما يتعلق بمصادر التمويل.

دكاكين حقوق الإخوان

هناك أسباب جعلت «العمل الحقوقى» ساحة ذات أولوية لجماعة الإخوان الإرهابية، أولًا: لأنه يمنحها خطابًا مقبولًا عالميًا، فالحديث عن الحقوق والحريات والدفاع عن المظلومين خطاب يصعب اتهامه بالكذب أو الادعاء، نظرًا للصورة الذهنية الملتبسة لدى الأوروبيين عن شعوب ودول الشرق الأوسط، وبالتالى يحصلون على ميزة التعاطف الأوروبى التى تمكنهم من التهرب من التصنيف الأمنى أو الإرهابى.

ثانيًا: الخطاب الصادر من دكاكين الإخوان الحقوقية قد يلقى احتفاءً فى جلسات الاستماع البرلمانية الأوروبية ومن ثمَّ ينال قدرًا من التغطيات الإعلامية العالمية، ومن لجنة حقوق الإنسان فى الأمم المتحدة، هذا التقدير قد يتحول لأداة ضغط سياسى على مصر، وتوقف التعاون الأمنى لمكافحة الإرهاب، وتكون التقارير الإخوانية المغلوطة نقطة سلبية أثناء المناقشات البرلمانية حول تقديم المساعدات لمصر، وربما يؤدى لإيقافها أو تقليصها، أو حصار مصر اقتصاديًا أو على أقل تقدير تفقد القاهرة ثقة المؤسسات الدولية والحكومات الغربية فيها، وهذا هدف رئيسى للإخوان بذلوا جهودًا مضنية لتحقيقه.

ثالثًا: التقارير الصادرة من دكاكين الإخوان توفر حماية لعناصر الجماعة الإرهابية التى تسعى للحصول على اللجوء السياسى، ما يمنح كوادر الإخوان وضعًا قانونيًا آمنًا (حالة أنس حبيب نموذجًا)، وبالتالى تضفى شرعية قانونية للنشاط الإعلامى المضاد والمناهض للدولة المصرية، وخلق حالة إرباك سياسى وتشكل ضغطًا على العلاقات الدولية المصرية لإضعافها، كما أن وجود العديد من الإخوان وحصولهم على إقامات فى أوروبا يسمح لهم بإعادة تشكيل تنظيم الإخوانى بالخارج وتقويته.

صناعة رواية حقوقية بديلة فى الخارج

وبسبب الإفراط فى تأسيس هيئات ومنظمات ومؤسسات حقوقية دولية، تحوّل خطاب الجماعة الإعلامى من لغة سياسية إلى لغة حقوقية، فجرى تقديم قضايا التنظيم باعتبارها انتهاكات بحق معارضين سلميين، وليس بأنهم مجرمون متهمون بالإرهاب، وأن المحاكمات غير عادلة، فى حين أنها تمت وفق القانون وحصلت على درجات التقاضى كافة، وتزعم الرواية الإخوانية أن السجون ممتلئة بالمعتقلين، فى حين أن قانون الطوارئ منع الاعتقال ولم يعد بالسجون سوى المُدانين قضائيًا أو المتهمين فى قضايا الإرهاب، وهؤلاء يشملهم قانون الحبس الاحتياطى، للأسف تم طمس هذه الحقائق بفضل مؤسسات الإخوان الحقوقية، وتتداخل الاعتبارات الأمنية، مع المعايير الحقوقية الدولية، مما عرقل جهود مصر بعض الشيء فى مكافحة الإرهاب، وتوضيح الصورة للعالم.

وجدت رواية الإخوان طريقها لدى الإعلام الغربى ومؤسسات البرلمانات الأوروبية، نظرًا للفجوة المعرفية فى الغرب، التى غالبًا ما تتعامل مع المادة المقدمة لها بحسن نية، وتعتمد إلى حد كبير على مصادر محلية مرتبطة بشبكات الإخوان، فضلًا عن وجود جاليات عربية وإسلامية نشطة فى أوروبا، بينها كوادر إخوانية، سهّل تقديم (رواية جاهزة) تُعاد إنتاجها لاحقًا من مؤسسات حقوقية أو إعلامية، وبسببها تم رفع شكاوى إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والبرلمان الأوروبى، ومنظمات دولية وإقليمية، مما شكّل ضغطًا دبلوماسيًا على الدولة المصرية فى فترة سابقة، وأنتج مادة إعلامية مستمرة تُستخدم فى مهاجمة الدولة المصرية واستهدفت الوعى الجمعى المصرى. صحيح تم تصحيح الصورة الذهنية، وعادت الأمور إلى نصابها، بفضل المثابرة المصرية وجهود الدبلوماسية المصرية بالخارج، لكن لا ننكر أن هذا كلّف الدولة وقتًا وجهودًا وأموالًا كبيرة، كان من الممكن توفيرها لعملية بناء الدولة الجديدة، لكنهم الإخوان يا سادة لا يشغلهم إلا تحطيم الدولة وتشتيت الجهود وتزييف وعى المصريين.

كيف تعمل دكاكين الإخوان الحقوقية؟

الخطوة الأولى يتم توظيف محامين من الإخوان: تستقطب الجماعة الحقوقيين الإخوان أو مَن يعملون فى محيط الجماعة، من جنسيات مختلفة ويبدو عليهم الاستقلال، ويقومون بتأسيس منظمات تُقدّم نفسها بوصفها مستقلة، هذه الكيانات تركز على ملفات المعتقلين، الاختفاء القسرى، المحاكمات، حرية التعبير، ويتم رفع شكاوى إلى الأمم المتحدة، والتواصل مع منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وإعداد ملفات اللجوء السياسى، وصياغة تقارير دورية للبرلمان الأوروبى للضغط على مصر.

الخطوة الثانية صناعة تحالفات: بعد تكوين عشرات المنظمات الحقوقية الصغيرة، يتم وضع اسمهم فى بيانات مشتركة، فيما يعرف بـ«التحالف الورقى» لخلق انطباع وهمى بوجود جبهة دولية واسعة ومتعددة الأصوات تتبنى روايتهم، فى حين أن هذه التحالفات ليس وزنا حقيقيا، لكنهم عبر تكرار الرواية الإخوانية يستهدفون تأثيرا تراكميا لدى الإعلام الغربى، يسوق لسردية «مظلومية الجماعة» عبر قنوات دولية، مع توسيع الدائرة من حقوق الإنسان إلى السياسة، فتتحول قضايا الأمن المصرى الداخلى إلى قضايا حقوق إنسان، وملفات دولية قابلة للتصعيد.

الخطوة الثالثة ضجيج إعلامى فارغ: يستهدف الإخوان تحويل التقارير الحقوقية الصادرة من دكاكينهم إلى مادة إعلامية تسبب ضجيجًا فارغًا لدى الشارع المصرى، عبر المنصات الإخوانية على السوشيال ميديا وبثها على أنها تقارير دولية موثقة ومن كيانات ذات قيمة ووزن.

الخطوة الرابعة صناعة متحدثين حقوقيين: توفر التقارير ودكاكين حقوق الإخوان ظهور متحدثين فى الفضائيات كـ«نشطاء حقوقيين» يستخدمون لغة متخصصة لها وقعها الرنان، مثل «اعتقال تعسفى»، و«تعذيب»، و«تسييس القضاء» و«سجناء الرأي».. إلخ، وبما أن بعض المؤسسات الدولية تعتمد على كثرة الأصوات وليس قوتها المؤسسية، فإن تكرار هذه البيانات تبرز صورة النظام المصرى كنظام قمعى، ما يؤثر على دوائر صنع القرار فى بريطانيا والولايات المتحدة خصوصًا، وهكذا يتحول التقرير الحقوقى من مجرد وثيقة إلى مادة صحفية تؤثر على الرأى العام الدولى.

العداء لمصر استراتيجية راسخة لدى «الإرهابية»

استخدام جماعة الإخوان للمؤسسات الحقوقية ليس ظاهرة عابرة، بل استراتيجية راسخة، فالإخوان لا يشغلهم إصلاح منظومة الحكم بقدر ما يشغلها فضح الدولة المصرية، فأى فصيل وطنى كان يكتفى بتقديم النصح للحكومة ولمؤسسات التشريع، لا أن يتهم بالباطل الدولة والحكومة ويدور بهذه القضايا فى المحافل الدولية، ولا أن يخلق مؤسسات وهمية تصدر بيانات كاذبة يخدع بها الرأى العام الخارجى والداخلى، تجعل الجانى ضحية، والإرهابى معتقلا سياسيا، والعميل سجين رأى، فقط لتشويه الدولة المصرية، هذا العداء الأعمى جعل «الإرهابية» توظف منابرها الحقوقية والإعلامية فى خدمة دول وأنظمة على خلاف مع القاهرة أو ترغب فى السيطرة على قرارها السياسى.

وحتى لا نُلدغ من الجحر مرتين، على الدولة المصرية والأجهزة المعنية تعزيز الشفافية فى ملفات حقوق الإنسان، مع التأكيد على الخصوصية المصرية وأن معايير الغرب لحقوق الإنسان لا تتوافق دائمًا مع معايير الشرق لحقوق الإنسان، مع تقديم الرواية الحقيقية لكل حدث، منعًا لخلق روايات مظلومية مكذوبة جديدة، وضرورة إنتاج خطاب حقوقى رسمى حديث ومقنع للرأى العام الدولى، وعلى المراكز البحثية فى الجامعات بالتعاون مع الأجهزة المعنية، إجراء دراسات توثيقية موسعة عن تمويل الشبكات الحقوقية الإخوانية العابرة للحدود، ودراسة دورها فى تزييف الحقائق، وتغييب الوعى الجمعى المصرى مع وضع برنامج تربوى تأهيلى، لشباب ما قبل الجامعى والجامعى، يساعدهم على كشف الروايات المكذوبة عن الدولة المصرية والشائعات المغرضة التى تصدرها تلك المنظمات.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة