قبل سنوات سابقة وربما عقود كانت أغلب الأخبار التى تصل لى عن المدارس وبعضها كنت أقرؤه أيضا بصفحات الحوادث، فكلها تخص التعليم العام وليس الخاص، ولكن مع زيادة عدد مدارس التعليم الخاص أصبحت الأزمات والأخبار منه وعنه تظهر أيضا بصفحات الحوادث والسوشيال ميديا مؤخرا، وقبل الواقعة الأخيرة المشينة بأيام كانت هناك واقعة مدرسة خاصة أخرى حبست الأطفال الذين لم يسدّدوا أو يدفعوا المصروفات فى موعدها، فتم حبسهم فى حجرة الفئران حتى يأتى الأهل ويدفعوا صاغرين، وقبلها حوادث مشادات وضرب داخل المدارس وغيرها الكثير؛ وإذا كتبت على محرك البحث جوجل عن الحوادث فى المدارس الخاصة سيملأ المقال بدون مجهود منى غير كوبى بست.
إن ازدياد أعداد المدارس الخاصة وإعطاءها تسهيلات كبيرة -منها الأرض- لافتتاح المنشآت التعليمية الخاصة ليس خطأ لدعم التعليم وإنما محاولة لسد العجز ومواجهة نقص التمويل للبناء، وهى سياسة بدأت منذ الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينيات ثم توحشت فى الثمانينيات، حتى دخل بها الإخوان أيضا كتجارة رابحة جدا وأيضا تجنيد الشبيبة والأهل، ولكن حجم القطاع الخاص فى التعليم ظل محدودا ولم يرتفع كثيرا فى التسعينيات لأسباب سيكون لها مقال آخر، ولكن أصبحت ظاهرة قوية واستفحلت منذ أوائل الألفية الحالية، ودخلت بها الحكومة أيضا مثل مدارس النيل ثم المدارس الدولية الحكومية ثم مدارس الشراكة، فالمكسب من المدارس الخاصة يفوق أى نشاط اقتصادى آخر، وهذا توضحه النشرات الاقتصادية عن فرص الاستثمار الواعدة فتقول إن التعليم هو أحد أهم القطاعات الواعدة للاستثمار فى مصر، ويفوق حتى مكسب وضع الأموال بالبنوك، ولذلك اتجهت إليه الكثير من الجهات الاستثمارية والدولية وهذا ليس استنتاجا منى، ولكن قاله لى وزير سابق فى معرض سؤالى عن تفاصيل زيادة الاستثمارات الدولية بالتعليم.
ولدينا حادثة الجامعة الخاصة مؤخرا كدليل على عظمة المكاسب، ويمتلكون سلسلة مدارس أيضا، وبمرور الزمن أصبحت أسمع عن شبكات المصالح المتداخلة بين الجميع وبين منْ بيدهم أمر الرقابة عليهم، وهذا مربط الفرس، فليس المهم أن تزيد نسبة القطاع الخاص بالتعليم، ففى النهاية هم يساهمون فى حل مشكلة بأزمة العجز بالمبانى التعليمية للدولة واستيعاب شرائح من المجتمع. رغم قناعتى أن التعليم هو مسئولية الدولة قولا وفعلا، وليس معنى المساعدة فى خطط التنمية والاستثمار أن يترك الأمر «سداح مداح» بدون رقابة حقيقية ومستمرة ومفعّلة وهذا هو الأهم؛ ولأن العين لا تعلو على الحاجب أصدرنا لوائح وغيره لتنظم الكثير من العمل فى هذا الشأن، ولكن يبقى السؤال الملح خاصة بعد تكرار حوادث بهذه المدارس، هل فعلّت تلك اللوائح مسبقا أو قبل وبدون أن تحدث كارثة يتحدث عنها الرأى العام فتأخذ الوزارة إجراءات لمواجهة ذلك طبقا لهذه اللوائح؟
ولكى أكون أكثر صراحة هل فُعلّت اللوائح فى الرقابة من غير ظهور المصائب أى تكون فعلا وليست مجرد رد فعل؟ وهل تُفعّل دوريا وبانتظام ويصدر عنها تقارير للرقابة والتفتيش ويعلم بها أولياء الأمور ومجالس الآباء؟.
المفارقة أن وزير التعليم جاء من منظومة القطاع الخاص؛ أى يعلم الأغلبية من اللاعبين به بل يعلم اللوائح أيضا التى عمل من خلالها كل سنوات عمله الوظيفى قبل الوزارة، والمقصود هنا بكلمة اللوائح ليس الهروب أو التهرب من القانون ولكن كيف تطبق القوانين واللوائح؟، ورغم تكرار الحوادث فى السنة الأخيرة لم أسمع أو تصلنى بيانات مثلا عن زيارات مفاجئة قام بها لهذا القطاع أثناء العام الدراسى وليس فى افتتاح بدء الدراسة؟! وربما مرة عرفنا ذلك من السوشيال ميديا، وبعد واقعة محددة وليس قبلها، فلماذا لم يقم بزيارات متابعة لهذا القطاع الذى هو يعلمه بحكم سنوات خبرته به؟! أو أن يتم الإعلان وحتى اصطحاب الصحافة بتلك الزيارات لو تمت كما يتم فى إعلانات وبيانات زياراته المختلفة ومنها أخبار عن سد العجز بالمدرسين والقضاء على الدروس الخصوصية وغيره من كلمات البيانات التى أتلقاها يوميا، فلو أنه قام وتم الإعلان عنها ربما تغيرت أمور كثيرة فالصحافة ليست عملا مكروها والعياذ بالله!.
فالمواجهة والإجراءات الحاسمة للأزمات وهو جهد مشكور على كل حال تقوم به الوزارة ولكن يجب ألا تكون فقط بعد أن تحدث الواقعة أو الوقائع، ولكن تكرارها كان يحتم أن تكون هناك رقابة سابقة وناجزة فى هذا الملف الهام ويعلن ذلك على أولياء الأمور بالمدارس وفى مكان ظاهر لأن ولىّ الأمر شريك فى العملية التعليمية ويدفع لها المصروفات، ومن الأفضل أن يعلم عن الخطوات واللجان الإشرافية والرقابية، خاصة أن عدد المدارس الخاصة وأعداد الطلاب بها فى ازدياد والأرقام الرسمية توضح ذلك. أى أن الموضوع يستحق التدقيق وليس على هامش العملية التعليمية لأن المدارس الخاصة تخدم الطبقة المتوسطة، ولكل فئة نصيب منها سواء الباهظة المصروفات أو المتوسطة والقليلة أو حتى من يتلقى دعما أو إعانة، فهذا قطاع أصبح حيويا ومهماً فى منظومة التعليم المصرى.
وإذا كان البنك المركزى المصرى بعد خطط الإصلاح المالى منذ سنوات أصبحت لديه لوائح صارمة للرقابة على البنوك كلها ومنها القطاع الخاص بما فيها التعيينات لمختلف الوظائف، فلماذا ليس هناك مثل هذه الرقابة الصارمة والحاسمة بل والمسبقة على القطاع الخاص التعليمى ليس فقط فى لوائح المصروفات، وحتى هذه لا يتم الالتزام بها من البعض ولدينا شكاوى كثيرة ومثيرة حول ذلك، وكل مدرسة تبدع فى بنود زيادة المصروفات تحت مسميات شتى وكثيرة بما فيها الزى والأتوبيسات والأخيرة عليها ضوابط فقط مثل كشف المخدرات، ولكن ماذا عن كشف الهيئة وسابقة الأعمال والجنائية منها حتى من باب ذر الرماد بالعيون، إنهم يفعلون ذلك كما فى مقابلات أولياء الأمور وموضة الإنترفيو والسجل العائلى كشرط لدخول الجنة أقصد المدرسة رغم أن كل ذلك خارج المنظومة!
تتبقى نقطة أخيرة وهى ما أظهرته هذه الحادثة البشعة وأن لها بعدا اجتماعيا أو أمراضا اجتماعية لا سيما الجنسية منها، ويجب أن تجرى الدراسات حولها ولابد من وجود تفصيلات تربوية وإجرائية فى اليوم المدرسى نفسه بجانب شروط العمل للتعيينات، ولابد أن يتضمنها شرط مثل أن يكون خريجة كليات الطفولة المبكرة خاصة فى مرحلة التعامل مع أطفالنا بالحضانة ومرحلة رياض الأطفال، وأن تكون هناك ضوابط محكمة بالتعيين -إذا وجد - وكذلك فى أعمال الإشراف والرقابة والكاميرات وقبلهما المؤهلات والدرجات التربوية وليست العلمية فقط لمنْ يتم تعيينه بدءا من المدرسين وحتى الإدارة المدرسية ومديرها، ولابد من الإعلان عن ذلك بشفافية وعن مؤهلات العاملين بالمدارس الخاصة؛ فإذا كنا نشترط دورات تدريبية وامتحانات محددة للعاملين بالمدارس العامة، فليس من المنطقى ألا يتم عقد التدريبات وكشف الهيئة والنفسى لهذا القطاع المهم من التعليم المصرى الذى أصبح يستحوذ على نسبة أكثر من 10 فى المائة من المدارس طبقا لتصريحات وزارية سابقة وأخرى وصلت به إلى نسبة 17 فى المائة وعددها أكثر من 10 آلاف مدرسة، وأن عدد الطلاب يقترب من 3 ملايين تلميذ وتلميذة، مما يعنى ضرورة الاهتمام والرقابة على هذا القطاع والذى جاء منه وزير للتعليم.