الجينوم، تعريفًا، مجموع موروثى، بالأحرى صحيفة المحتوى الوراثى أو المَجِين أو الشريط الوراثى فى علم الأحياء، وهو كامل تسلسل الـ«دى إن إيه» لأحد الكائنات الحية.
تحت المجهر «الميكروسكوب» يمكن رؤية شريط الـ«دى إن إيه» فى هيئة معرفات للصبغيات الوراثية كروموسومات توجد فى نواة الخلية الحية.
دراسة محترمة من موقع «دقائق» تتفحص جينوم المصريين القدماء، تحديدا عرق ولون المصريين القدماء، باحثون دوليون قضوا ردحا من الزمن فى تتبع تسلسل للحمض النووى لمومياوات المصريين القدماء، فوجدوا أن حضارة قدماء المصريين «مصرية»، وإن كان لها ارتباط جغرافي، فارتباطها بشعوب الشرق الأدنى، ولا سيما بلاد الشام، أكبر من ارتباطهم بالأفارقة، فى مقابل فرضيات أن قدماء المصريين كانوا متنوعين عرقيًا؛ لأن النيل اجتذب البشر من المناطق المحيطة.
هيرودوت، مثلًا، أشار إلى المصريين على أنهم “Melanchroes” الذى يترجم أحيانًا لـ«ذوى بشرة سوداء». لكن هيرودوت نفسه اعتاد استخدام مصطلحات مختلفة لوصف القادمين من إفريقيا؛ ليعتبر باحثون أن «داكنى البشرة» أكثر ملاءمة، كما قارن الجلد المصرى بجلد شعب كولشيس فى جنوب القوقاز.
ولا توجد أدلة كافية حتى الآن لإصدار حكم نهائى بشأن لون الفراعنة، وإن كانت هناك العديد من الأدلة تشير إلى أنهم لم يكونوا سودًا مثل شعوب القارة الإفريقية، ولم يكونوا ناصعى البياض مثل سكان شمال أوروبا.
كتابات المصريين القدماء لم تقدم حلًا فاصلًا؛ بما يوحى أنهم لم يكونوا منشغلين أصلًا بلون البشرة؛ إذ وضعوا شروطًا للمصرية ليس بينها اللون: طاعة الملك – اللغة – الآلهة.
رسم المصريون عادةً تماثيل لأنفسهم ببشرة بنية فاتحة، فى مكان ما بين ذوى البشرة الفاتحة فى الشام والنوبيين الأكثر قتامة. ومع ذلك، قد لا تكون اللوحات موثوقة تمامًا؛ لأن الفنانين المصريين القدماء لم ينشغلوا بنقل الواقع حرفيًا: أحيانًا استخدموا ألوانًا مختلفة فقط لخلق التباين؛ مثل تصوير الرجال بلون أغمق من النساء.
يقول عالم الوراثة يوهانس كراوس – الذى قاد تجربة لتحليل جينومات قدماء المصريين – إن المناخ المصرى الحار ومستويات الرطوبة العالية فى العديد من المقابر وبعض المواد الكيميائية المستخدمة فى تقنيات التحنيط، ساهمت فى تدهور الحمض النووى فى مومياوات المصريين القدماء ولذا اعتقدوا أن بقاء الحمض النووى على المدى الطويل فى المومياوات المصرية «آلاف السنين» غير محتمل. وكانوا يعتقدون أيضًا أنه حتى لو تم استخلاص المادة الجينية، فقد لا يمكن الاعتماد عليها.
لكن كراوس وزملاءه تمكنوا أخيرًا من تقديم تقنيات قوية لتسلسل الحمض النووى والتحقق منه، وأكملوا أول اختبار جينومى ناجح على مومياوات مصرية قديمة. واستخدمت فى التجربة مومياوات المصريين القدماء من عصر الدولة الحديثة وفترة الحكم الروماني، وجاءت من موقع أبو صير الملق من بنى سويف المصرية.
فى هذه الدراسة، أخذ العلماء عينات من الأسنان والعظام والأنسجة الرخوة، وقدمت الأسنان والعظام معظم الحمض النووى وكانت حمايتها بواسطة الأنسجة الرخوة التى تم الحفاظ عليها من خلال عملية التحنيط. (أقدم المومياوات تعود إلى عصر الدولة الحديثة 1388 قبل الميلاد، وأحدثها عام 426 ميلادية).
أخذ الباحثون العينات إلى مختبر فى ألمانيا، ومن هناك، تمكنوا من إجراء تسلسل الحمض النووي.
المصريون المعاصرون يشاركون 8 فى المائة من الجينوم الخاص بهم مع سكان إفريقيا الوسطى، وكانت المفاجأة أن هذه نسبة أعلى من النسبة التى تشاركها المصريون القدماء مع سكان إفريقيا الوسطى، وفقًا للدراسة التى قام بها كراوس وزملاؤه.
***
وصار السؤال: متى حدثت الهجرات من جنوب الصحراء إلى مصر فساهمت فى زيادة النسبة الجينية للأفارقة السود فى المصرى المعاصر عن المصرى القديم؟
بحسب الدراسة، لم يحدث تدفق الجينات من جنوب الصحراء الكبرى إلا خلال الـ 1500 سنة الماضية، ويمكن أن يُعزى ذلك إلى تجارة الرقيق عبر الصحراء أو للتجارة العادية طويلة المسافات بين المنطقتين، ويزعم الباحثون أن تحسين التنقل على نهر النيل خلال هذه الفترة أدى إلى زيادة التجارة مع الداخل.
تعرضت مصر للغزو على مدى العصور القديمة عدة مرات بما فى ذلك الإسكندر الأكبر والإغريق والرومان والعرب وغيرهم. أراد الباحثون معرفة ما إذا كانت هذه الموجات المستمرة من الغزاة تسببت فى أى تغييرات جينية كبيرة فى السكان بمرور الوقت.
لكن رئيس المجموعة (فولفجانج هاك فى معهد ماكس بلانك فى ألمانيا) قال: لم تخضع العوامل الوراثية لمجتمع أبو صير الملق لأية تحولات كبيرة خلال الفترة الزمنية التى درسناها والتى تبلغ 1300 عام، مما يشير إلى أن السكان ظلوا نسبيًا غير متأثرين جينيًا بالغزو الأجنبى والحكم.
لاحقًا، ولإعطاء اكتشافاتهم دقة إضافية، ولمعرفة التغييرات التى حدثت مع مرور الوقت، قارن الباحثون جينوم مومياوات المصريين القدماء بجينوم 100 مصرى و125 إثيوبيًا. يقول كراوس: «على مدى 1300 عام، نرى استمرارية جينية كاملة لم تتغير”.
هذه النتائج جاءت بعد اختيار الباحثين لمومياوات من موقع دفن واحد فى مصر الوسطى، ولذلك يعملون على دراسة احتمالات اختلاف النسب الجينية؛ إذا أخذوها من الجنوب وهو أقرب إلى إفريقيا، أو من الشمال القريب من بلاد الشام وأوروبا.
يريد الباحثون فى المستقبل أن يحددوا بالضبط متى تسربت جينات إفريقيا وجنوب الصحراء إلى جينومات المصريين القدماء ولماذا؟
ويرغبون أيضًا فى معرفة من أين جاء المصريون القدماء أنفسهم، للقيام بذلك، وسيتعين عليهم تحديد الحمض النووى الأقدم من عصور ما قبل التاريخ.
ومن المرجح أن يسهم المزيد من الاختبارات فى معرفة الكثير من فهمنا للمصريين القدماء وغيرهم أيضًا، مما يساعد على سد الفجوات فى الذاكرة الجماعية للبشرية.