تشهد منطقة جنوب آسيا التى تعانى شحّ المياه واحدة من أخطر التحديات الاستراتيجية فى القرن الحادى والعشرين صراع المياه، فبينما تتزايد أعداد السكان وتتراجع الموارد الطبيعية، تتحول الأنهار المشتركة إلى ساحة نزاع سياسى واقتصادى يهدد الأمن الإقليمى، وتتفاقم هذه التوترات الجيوسياسية بفعل آثار تغير المناخ الذى غيّر أنماط الطقس، فى منطقة يقطنها ما يقرب من ربع سكان العالم.
يعتمد معظم سكان جنوب آسيا اعتمادًا كبيرًا على الأنهار التى تغذيها جبال هندوكوش، كاراكورام والهيمالايا، وتُعرف هذه السلاسل مجتمعة باسم «القطب الثالث» فى العالم نظرًا لاحتياطياتها الهائلة من الأنهار الجليدية المتجمدة، التى تأتى فى المرتبة الثانية بعد القطب الشمالى والقطب الجنوبى، إلا أن أنهارها الجليدية آخذة فى التلاشى، ما يؤثر سلبًا على الأنهار التى تغذيها.
لكن فى الآونة الأخيرة، السياسة عبر الحدود للأنهار العظيمة فى جنوب آسيا مضطربة، ففى أواخر أكتوبر كشفت أفغانستان عن خطط لبناء سدود على نهر كابول، ما أثار حفيظة باكستان التى كانت قد اشتبكت معها على الحدود قبل أسابيع. وفى الشهر الماضى أيضًا، خرج آلاف من بنجلاديش إلى الشوارع للاحتجاج على نفوذ الهند على تدفق نهر تيستا، أحد روافد نهر براهمابوترا، المعروف باسم «جامونا» فى بنجلاديش.
كذلك، لم تُعِد الهند تفعيل معاهدة مياه نهر السند، وهى اتفاقية لتقاسم المياه مع باكستان منذ عام 1960 والتى علقتها فى أبريل عقب هجوم إرهابى فى كشمير، كما يشعر المسئولون الهنود بقلق بالغ بشأن سد جديد تخطط الصين لبنائه على بعد 30 كيلومترًا من حدود الهند على نهر براهمابوترا، سيكون هذا السد الذى تبلغ تكلفته 167 مليار دولار الأكبر فى العالم، إذا تم الانتهاء منه وفقًا للخطة.
يشير كل ذلك إلى أن سياسات المياه فى المنطقة تزداد خطورة، فالطلب المتزايد على الكهرباء الخضراء الأساسية يدفع دول جنوب آسيا إلى توسيع استثماراتها فى الطاقة الكهرومائية. فى الوقت نفسه، يُفاقم انكماش الأنهار الجليدية وتقلبات الطقس الناجمة عن تغير المناخ من صعوبة التنبؤ بمستويات الأنهار وتدفقات المياه، ما يؤثر سلبًا على سبل عيش نحو مليارى نسمة من سكان جنوب آسيا.
وتعد جنوب آسيا من أكثر مناطق العالم معاناة من شحّ المياه، حيث يواجه 74 فى المائة من السكان ضغوطًا مائية مرتفعة. هذا الوضع يهدد بحياة الإنسان وصحته، بالإضافة إلى الأمن الغذائى. وتؤكد دراسة نُشرت هذا العام من قِبل باحثين فى جامعة لودونغ فى الصين أن المناطق التى تُمثل فيها ندرة المياه مشكلة أكثر عرضة للنزاعات. يُعد تقاسم المياه أمرًا شائكًا فى منطقة يمزقها انعدام الثقة، فالصراع بين الهند وباكستان على كشمير طويل الأمد، كما تتقاتل الصين والهند على الحدود وتشعر بنجلاديش ونيبال بالقلق من النفوذ غير المبرر لكل من الهند والصين. هذا ما يجعل من المغرى للدول استخدام المياه للضغط على جيرانها، فبين عامى 2019 و2023، كان هناك 191 نزاعًا متعلقًا بالمياه فى جنوب آسيا وفقًا لمعهد المحيط الهادئ وهو مجموعة بحثية فى كاليفورنيا. وباستثناء الشرق الأوسط، لا توجد منطقة أخرى تعانى من شح المياه إلى هذا الحد.
تلجأ الدول بشكل متزايد إلى بناء السدود بالإضافة إلى توليد الطاقة لإبراز قوتها وتضييق الخناق على جيرانها ومن المرجح أن تتفاقم الأمور. تُساعد سدود الصين فى التبت على بسط نفوذها على منطقة مضطربة. كما أن بناء باكستان للسدود فى أجزاء كشمير التى تسيطر عليها يُعزز مطالباتها الإقليمية ويُزعج الهند. ردًا على سد الصين الجديد على نهر براهمابوترا، تُخطط الهند لبناء سدها الضخم أسفل مجرى المشروع الصيني. وفى الواقع، يشكو سكان بنجلاديش المطلة على النهر من أن الهند لا تُصدر أى تحذيرات عند إطلاقها سيولًا من المياه من السدود القائمة، ما يُسبب فوضى فى مجرى النهر، وغالبًا ما تتداخل صراعات المياه مع صراعات أخرى.
يُفاقم الطلب المتزايد على الطاقة الوضع سوءًا، فقد أدى النمو والتحضر وازدهار مراكز البيانات إلى زيادة الحاجة إلى كهرباء موثوقة. فالطاقة الكهرومائية التى لا تعانى من انقطاع التيار الكهربائى كما تعانى منه الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تُعد مصدرًا متجددًا جذابًا. تستمد باكستان بالفعل خُمس كهربائها من الطاقة الكهرومائية، وتسعى إلى زيادة هذه النسبة. تريد الهند تعزيز قدرتها الكهرومائية البالغة 42 جيجاوات بأكثر من 50 فى المائة بحلول عام 2032، وربما بناء 200 سد جديد خلال العقود المقبلة. كما تنتج نيبال بالفعل كهرباء من الطاقة الكهرومائية أكثر مما تستهلك، لكنها تواصل بناء قدراتها وتأمل فى تصدير الفائض. لطالما زودت نيبال الهند بالكهرباء وبدأت مؤخرًا فى بيعها إلى بنجلاديش أيضًا، باستخدام شبكة الكهرباء الهندية، على الرغم من أن الأمر استغرق وقتًا طويلًا حتى اتفق الجميع.
تُعد القنوات الدبلوماسية لإدارة آثار السدود أمرًا بالغ الأهمية لتجنب الصراع المباشر. يقول آرون وولف، الخبير فى اتفاقيات المياه العابرة للحدود بجامعة ولاية أوريغون الأمريكية، إن من أوضح مؤشرات النزاعات المائية بناء دولة سد دون وجود معاهدة سارية، كما تبرز مخاوف بيئية. فالسدود تُجزّئ الأنهار وتدمر الموائل وتشرد المجتمعات، وهى أضرار تتفاقم فى التضاريس الهشة لجبال الهيمالايا. لهذه الأسباب أثارت خطط الهند لبناء السد الضخم القادم احتجاجات من المجتمعات المحلية فى المنطقة. تذوب الأنهار الجليدية بمعدل متسارع وهذا من شأنه أن يزيد من تقلبات تدفقات الأنهار، ويزعزع استقرار الصخور التى تُبنى عليها السدود والمنازل، ويزيد من خطر الفيضانات. كما أصبحت أمطار الرياح الموسمية أقل قابلية للتنبؤ. وعلى الرغم من تعليق معاهدة نهر السند فى أبريل الماضى، لا تزال الهند تُشارك باكستان توقعات الفيضانات. ولم تُخَض أى حرب مباشرة على المياه فى القرن الماضى. ومع ذلك، لا تزال إدارة المياه فى المنطقة عبارة عن خليط فوضوى من الاتفاقيات الثنائية، ما يتيح للدول حرية التعامل مع الأنهار كأوراق مساومة، بدلًا من اعتبارها أنظمة بيئية مشتركة.
فى هذا السياق، أوضح السفير السابق لباكستان، جاويد حافظ، أنه «وفقًا لمعاهدة مياه نهر السند لعام 1960 بين الهند وباكستان، تنتمى الأنهار الغربية الثلاثة (السند، وجيهلوم، وتشيناب) إلى باكستان، بينما مُنحت الأنهار الشرقية الثلاثة (رافى، وبياس، وسوتلاج) للهند. جميع السدود التى بنتها باكستان تقع على الأنهار الغربية، لذا لا يوجد ما يخالف القانون فى هذا الشأن. فى الواقع، علّقت الهند التعاون معها بموجب معاهدة مياه نهر السند، وهو ما يتعارض مع القانون الدولى. وتعتبر باكستان ذلك اعتداءً مائيًا من جانب الهند. وقد التزمت باكستان، وستواصل الوفاء بالتزاماتها بموجب معاهدة مياه نهر السند».