هل هدفنا افتتاح المتحف المصرى الكبير فقط؟ هل كان كل الحلم أن نبهر العالم بمشهد لا يُنسى؟ هل فكرنا ماذا بعد التريند العالمى وكيف نستغله ونستفيد منه؟
هل كل هدفنا فى الفترة القادمة جذب مزيد من السياح لإنعاش السياحة المصرية؟
هل كل ما يتم بهدف العائد المادى المنتظر بالدولار؟ هل وضعت الدولة خطة للاستفادة من حالة الالتفاف الشعبى للاحتفال بحضارة الأجداد؟ هل خططت أجهزة الدولة من الاستفادة بهذا الحدث العالمى لتدويل قضية إعادة الآثار المصرية من الخارج؟
مشهد افتتاح المتحف المصرى الكبير حدث تابعه العالم بأكمله وفرض اسم مصر والحضارة المصرية القديمة على كل وسائل الإعلام العالمية، وفى الافتتاح وتحديدًا أثناء جولة ضيوف مصر فى المتحف وضحت حالة الانبهار والذهول بالحضارة المصرية القديمة وبالآثار المصرية سواء من الضيوف العرب أو الأجانب؛ تلك النظرات هى فخر لكل المصريين بحضارتنا الممتدة عبر آلاف السنين ومازالت مستمرة حتى يومنا، فنحن نملك الحضارة والتاريخ وعلينا جميعًا أن نشعر بالفخر، وهو الأمر الذى ظهر على السوشيال ميديا التى تحولت إلى عرض أزياء بصور المصريين بملابس المصريين القدماء بشكل مبهر أثار الغيرة عند البعض فأقدموا على تغيير صورهم أيضاً مثل المصريين.
ما بين حالة الانبهار العالمى بالحضارة المصرية القديمة وصور المصريين على وسائل التواصل الاجتماعى علينا جميعاً الاستفادة من هذا الحدث وعدم الاكتفاء بما حققناه وما وصلنا إليه، فافتتاح المتحف المصرى الكبير ليس نهاية العمل ولكنه خطوة نحو تحقيق الهدف، وأتمنى ألا يقتصر الهدف على جذب مزيد من السياح فقط بل يمتد لأكثر من ذلك، ودعنى عزيزى القارئ أوضح لك ماذا أقصد بكلامى ببساطة.
فالدول تقاس أهميتها فى العالم على عدة أسس ومحاور أهمها دورها المحورى فى إحداث التغيير بالمجريات العالمية، وهذا الدور لا يعتمد على أن الدولة غنية أم لا، فهناك دول تعد الأغنى فى العالم مثل لوكسمبورج وأيرلندا وسنغافورة من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى، ومثل هذه الدول ليس لها أى دور فى مجريات السياسة العالمية، وهناك محور آخر للقياس حيث إجمالى الناتج المحلى ولا تزال الولايات المتحدة أكبر اقتصاد تليها الصين؛ وهناك محور آخر وهو التأثير على العالم، فالولايات المتحدة الأمريكية تعد الدولة الأكثر تأثيراً فى العالم نظراً لقوتها العسكرية والاقتصادية والثقافية الواسعة. تليها فى التأثير كل من الصين، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وروسيا؛ وهنا نجد دولاً أوروبية ما زالت مؤثرة بسبب ثقافتها وحضارتها وليس بالاقتصاد، وهنا بيت القصيد، فمصر دولة كبيرة لها تأثيرها على مدار التاريخ سواء على دول العالم فى فترات ازدهار الحضارة المصرية أو حتى فى فترات التاريخ المعاصر من بسط ثقافتها وقوتها الناعمة على المنطقة العربية بأكملها، ورغم تراجع هذا الدور فى فترات سابقة إلا أن مصر فى الجمهورية الجديدة استطاعت أن تعود إلى مكانتها كدولة مؤثرة فى المنطقة والانفتاح على العالم مرة أخرى لإعادة دورها، وهذا ليس مجرد كلام للاستهلاك ولكنه حقيقة يعلمها العالم، فالمنطقة بالنسبة للعالم ضوء أحمر على الخريطة للدلالة على الخطر سواء فى فلسطين وجنوب لبنان واليمن وليبيا والسودان والصومال وممتد حتى إيران، ووسط هذا اللون تجد مصر باللون الأخضر دلالة على الأمان والاستقرار رغم كل ما يحاط بها، وكل هذه الصراعات ستجد مصر شريكاً رئيسيًا فى كل محاولات إنهاء تلك الصراعات وإن كانت أحداث غزة على مدار عامين قد أثارت اهتمام شعوب العالم بسبب مجازر الاحتلال، فتلك الشعوب تعرفت على الدور المصرى لوقف هذه المجازر حتى إعلان الهدنة فى مدينة شرم الشيخ فى مؤتمر عالمى يعكس الدور المصرى وتأثيره بالمنطقة بأكملها ولم ينته الدور المصرى بالهدنة بل مستمر من خلال إدخال المساعدات والحفاظ على استمرار الهدنة بجانب الإعداد لمؤتمر إعادة إعمار غزة فى مصر نهاية الشهر الجارى. ويستمر التأثير المصرى عالمياً بمشهد افتتاح المتحف المصرى الكبير.
لنعود إلى نظرة الذهول والتأمل أمام عظمة تاريخنا وحضارتنا المصرية والتى لا يمكن أن تقدر بأموال ولا يمكن لأى دول بالعالم أن تشترى حضارة لنفسها.
ما يحدث الآن هو استمرار مصر فى كتابة التاريخ والتأكيد على استمرار الحضارة المصرية حتى يومنا وعلى الدولة المصرية الاستفادة من هذا الحدث لتحقيق مكاسب جديدة خاصة فى ملف إعادة الآثار المصرية من الخارج؛ نعم الدولة تقوم بدور منذ سنوات واستطاعت أن تعيد جزءاً بسيطاً منها ولكن على الدولة ألا تعمل بمفردها وأن تشارك الشعب بعمل حملات توعية بأهمية القضية وأن يشارك الشعب مع الدولة فى شن حملات دولية مشروعة لإعادة آثار مصر من الخارج، ولتكن البداية بتجميع توقيعات عشرة ملايين مصرى وهو رقم ليس كبيراً قياساً بصور الشعب بزى المصريين القدماء الذى احتل كل وسائل التواصل الاجتماعى بجانب الاستفادة من كل المصريين بالخارج أو حتى النجوم المؤثرين فى شعوب العالم بتدويل القضية، فهذا أنسب وقت لكى تسترد مصر جزءًا من حضارتها المنهوبة، فهل يُعقل أن يظل حجر رشيد فى المتحف البريطانى وتمثال نفرتيتى فى متحف برلين والقبة السماوية فى متحف اللوفر بفرنسا؟
ملف استرداد الآثار المصرية فى الخارج حيث نجحت مصر فى استرداد أكثر من 30 ألف قطعة أثرية فى الفترة الأخيرة وما زال هناك حوالى مليون قطعة أثرية موجودة بأربعين متحفاً حول العالم مثبتة بأوراق رسمية، مع العلم أن هناك حوالى 100 ألف قطعة أثرية مصرية بالمتحف البريطانى وحوالى 80 ألف قطعة بمتحف برلين الجديد و80 ألف قطعة فى متحف بترى ببريطانيا وحوالى 50 ألف قطعة أثرية فى متحف اللوفر بباريس، وفى متحف الفنون الجميلة بوسطن الولايات المتحدة به حوالى 45 ألف قطعة، وبحسبة بسيطة ستجد أن أكبر 9 متاحف عالمية تعتمد على الآثار المصرية بأكثر من 514 ألف قطعة أثرية وحوالى 500 ألف قطعة أخرى موزعة على 31 متحفًا على مستوى العالم، بالإضافة إلى أكثر من 35 مسلة فرعونية حول العالم.
استرداد الآثار المصرية بالخارج ليست مسئولية جهة واحدة ولكنها مسئولية كل جهات الدولة، بالإضافة إلى الشعب المصرى وعلى الدولة عمل حملة عالمية بلغات أجنبية موجهة للخارج تطالب باسترداد الآثار المصرية.