مشاهد عنف غير مسبوق شهدها السودان خلال الأيام الأخيرة الماضية، وهو ما أدى إلى تصدر الأوضاع هناك للمشهد، بين متسائل عن سبب النزاع ومصلحة الأطراف المتنازعة وكذلك دور القوى الإقليمية والدولية فى الحد من هذه الأزمة، هذا فضلا عن أن السودان، بعمقه الاستراتيجى وتاريخه العريق الذى يتقاسمه مع مصر عقودًا طويلة، يجعل من مسئولية الدولة المصرية كبيرة للحيلولة دون انهيار السودان.
اللواء محمد الغباشى، أمين مركز آفاق للدراسات الاستراتيجية، قال إن «الدولة المصرية تولى اهتمامًا كبيرًا بدولة السودان الشقيقة والتى تعد امتدادا طبيعيا للدولة المصرية وجزءًا لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، كما أن مصر تفصلها عن السودان حدود جنوبية، يبلغ طولها 1217 كم، ويربط مصر والسودان نهر النيل مع وجود نسبة من النسب والمصاهرة وعلاقات طويلة على مستوى الشعوب، كما أن المصالح المصرية والسودانية هى مصالح واحدة ومتطابقة ومتشابكة على مر الزمان.
«الغباشى»، أوضح أنه «عقب تولى الرئيس السودانى السابق عمر البشير مقاليد الحكم فى السودان شهدت الدولة نوعًا من أنواع التوغل للتيار الإخوانى للداخل السودانى، وهو ما أدى لبزوغ أنشطة الجماعة الإرهابية فى السودان، خاصة فى غرب السودان، بعض الميليشيات والقبائل المسلحة قد سُمح لها بالقيام ببعض الأعمال المسلحة لصالح حكومة الخرطوم ضد العناصر المعارضة، منها على سبيل المثال قبيلة الجنجاويد، وهى قبيلة اتخذت من هذا الاسم شعارًا يدل عنهم، الذى يعنى الفرسان الراكضة فى الصحراء المفتوحة، وقد استعانت الحكومة بهذه العناصر لحفظ الأمن ووقف القتال فى مناطق غرب السودان، الأمر الذى أضفى قوة وخبرة شرعية لتلك الميليشيات والجماعات بدعم حكومى».
وأضاف: عام 2011، شهد السودان عددًا من الأحداث التى أدت إلى إنهاكه، أبرزها انفصال جنوب السودان فى نهاية عام 2011، فضلا عن استغلال إثيوبيا -الجارة الجنوبية الشرقية للسودان- التوترات التى شهدتها الدولة المصرية خلال أحداث يناير 2011 وما تبعها من توترات فى إقامة وتشييد «سدّ النهضة» الاثيوبى، فضلا عن وجود عدد من التدخلات الخارجية فى الشئون الداخلية السودانية من دول إقليمية ودولية، وبعد نجاح ثورة يونيو 2013 واستعادة الحكم فى مصر من الجماعة الإرهابية ظهرت حاجة أعداء الدولة المصرية لإثارة العديد من المؤثرات التى من شأنها الضغط على الأمن القومى المصرى، منها على سبيل المثال إشعال منطقة غرب السودان وتقوية الجماعات والميليشيات من أجل تهديد الأمن القومى المصرى فى الجنوب، خاصة أن مسرح الاتصال بين مصر والسودان كبير جدا».
وتابع: منذ عامين، عندما أعلنت «الدعم السريع» الانفصال عن الدولة والاستقلال عن الحكومة، كان أول إجراء اتخذته بعد ذلك هو احتلال مطار مروى، وهو مطار يضم عددًا من العناصر الفنية المصرية لصالح إجراء صيانة للطائرات المصرية الموجودة هناك من أجل تدريب القوات المسلحة السودانية، وبالتالى تظهر النيات لتلك الميليشيات من الساعات الأولى لإعلان انفصالهم عن الحكومة السودانية بالعداء تجاه الدولة المصرية، ولولا قوة الدولة المصرية وتوجيه الإنذار لهم، لما تمكنت الدولة المصرية من إجلاء المصريين الذين كانوا موجودين فى المطار، كما يوجد على الحدود المصرية الجنوبية الغربية عدد من محاولات التسلسل إلى الداخل المصرى، إلا أن يقظة القوات المسلحة المصرية وقواتها الجوية تقف حائلًا ضدّ أى عملية تسلل من ذلك الاتجاه، لذلك فإن كل ما يحدث فى السودان محاولة، غرضها الرئيسى هو النيْل من الأمن القومى المصرى، ومحاولة تعطيل عجلة التنمية التى تشهدها الجمهورية الجديدة.
أمين مركز آفاق للدراسات الاستراتيجية، أكد أن «يقظة الدولة المصرية وجهود قيادتها السياسية وإيمانها بمدى أهمية استقرار الأوضاع فى السودان والتصدى لأى محاولات من شأنها التأثير على وحدة الشعب السودانى، وكذلك يقظة القوات المسلحة المصرية وقواتها الجوية وكذا عناصر قوات حرس الحدود، التى تقف بالمرصاد لكل مَن تسول له نفسه المساس بأمن مصر وحدودها، وخاصة فى الاتجاه الاستراتيجى الجنوبى، مع تقديم كافة سبل الدعم للجيش السودانى للحفاظ على وحدة شعبه وسلامة أراضيه».
«الغباشى»، لفت إلى أن «الأعداء والمتربصين بمصر يعتمدون على عدة أساليب منها الحروب الهجينة والتى تعتمد على ميليشيات مسلحة تتعاون مع تنظيمات وقوى سياسية لإحداث القلاقل فى الدول بأعمال مزدوجة هجينة ما بين عناصر مسئولة سياسية وميليشيات مسلحة وهو ما يحدث فى ليبيا ضد الحكومة المركزية فى ليبيا، وكذا ضد الدولة المصرية وعلى نفس النهج يسير السودان خاصة بعدما أعلنت ميليشيا الدعم السريع تشكيل حكومة موازية للحكومة السودانية، وهو ما رفضته مصر فى بيان رسمى، لأن ذلك يعتبر تهديدا للأمن القومى المصرى، خاصة أن ميليشيات الدعم السريع كغيرها من الميليشيات يبقى ولاؤها لمَن يمولها، سواء من قوة إقليمية بالعتاد العسكرى والمسيّرات، أو من قوى أخرى لها مصالح فى زعزعة استقرار المنطقة».
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن «هناك عددا من الأخطاء ارتكبتها الحكومات السابقة فى السودان أدت إلى وجود قوات مسلحة على الأرض هددت الشعب السودانى واحتلت مساحات كبيرة من المناطق داخل السودان، وتسببت فى حالة عدم الاستقرار الحالية»، مضيفا أنه «إذا كان السودان هدفا مرحليا، فإن الدولة المصرية تعتبر هدفا رئيسيا نهائيا لكل الأحداث التى تشهدها المنطقة»، مثمنا الدعم الدبلوماسى والسياسى الذى تقدمه مصر لدولة السودان من أجل إعادة السيطرة الكاملة على السودان من قِبل حكومتها الرئيسية المنتخبة الشرعية.
فى سياق متصل، أكد اللواء طيار الدكتور هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن «الصراع فى السودان هو صراع عسكرى بين طرفى النزاع، وهو يتسم بالانتشار على كامل أرض السودان، فضلا عن استمراره فترات طويلة، الأمر الذى أدى لحدوث حالة من عدم الاستقرار المستمرة لفترة طويلة فى دولة تعتبر أحد نطاقات الأمن المباشر للدولة المصرية الذى يشمل كافة الدول التى لها حوار مع مصر».
وأضاف «الحلبى»: الأهمية الاستراتيجية للسودان لا تقتصر فقط على كونه إحدى دول الجوار، لكنه أيضا إحدى دول حوض النيل، فضلا عن كونه إحدى الدول المتشاطئة على البحر الأحمر، لذا فإن عدم الاستقرار السودان يؤثر سلبا على جميع دول حوض النيل، وكذا دول البحر الأحمر، والسودان يعانى نتيجة هذا الصراع أوضاعًا إنسانية سيئة للغاية، ما ترتب عليه لجوء عدد كبير من الأشقاء السودانيين للجوء إلى مصر، باعتبارها واحة الأمن والأمان فى المنطقة لحين استقرار الأوضاع مرة أخرى بالسودان.
وأكد «الحلبى»، أن «السودان يعانى من ضعف عدة أبعاد رئيسة، أهمها البعدان الأمنى والاقتصادى وكذا البعد الإنسانى، وذلك نتيجة تعرض عدد كبير جدا من المدنيين للقتل والنزوح الداخلى والخارجى، كما أن جميع أشكال التعاون الاقتصادى والتجارى مع السودان تواجه العديد من الصعوبات فى ظل تلك ظروف الصراع القائم هناك، بالإضافة إلى أن نزوح السودانيين إلى مصر يضيف عبئًا على الاقتصاد المصرى، فى ظل وجود عدد كبير جدا من الضيوف من جنسيات مختلفة، أبرزها السودانيون والسوريون وغيرهم من الجنسيات الأخرى، خاصة أنهم ينخرطون فى المجتمع ولا يُعاملون كلاجئين تُخصص لهم أماكن ومخيّمات فى أطراف المدن كما يحدث فى عدد من دول المنطقة، هذا بجانب أن عددًا كبيرًا من المشروعات مع الجانب السودانى توقفت نظرا للتوترات التى يشهدها السودان، ما ينعكس سلبًا على الأمن القومى المصرى».
«الحلبى»، انتقل بعد ذلك للحديث عن الرؤية المصرية لـ«النزاع السودانى»، وقال: هذه الرؤية تتبلور فى عدة بنود أهمها الإيقاف الفورى للقتال، وذلك بالتعاون مع دول الرباعية (مصر، السعودية، الإمارات، والولايات المتحدة الأمريكية)، مع إيمان مصر الكامل بضرورة عدم تقديم مساعدة لطرف على حساب الآخر وذلك لآثاره السلبية التى تؤدى لاشتعال فتيل القتال مرة أخرى مع ضرورة عدم الحياد عن الحلول السلمية والمحافظة على مؤسسات الدولة، ومصر دائما ما تقف ضد فكرة الميليشيات المسلحة، لكن يجب أن تكون مؤسسات الدولة ومنها القوات المسلحة السودانية مؤسسات قوية وتتحمل مسئولياتها فى دعم واستقرار الدولة، كلٌّ فى ما يخصّه.
مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، لفت إلى أن «الدولة المصرية تتابع عن كثب ما ستؤول إليه الأزمة السودانية، مع اتخاذ كافة إجراءات التأمين الكامل للحدود المصرية بشكل عام والجنوبية منها بشكل خاص، فضلا عن تأمين مصالح الدولة المصرية فى البحر الأحمر من ثروات بترولية أو حتى ضمان سير الملاحة بشكل طبيعى.
كما تحدث عن السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة، وقال: السيناريو الأقرب هو استمرار الصراع بين طرفى الأزمة فى ظل عدم وجود نيات لإيقاف القتال على الرغم من الجهود المبذولة، والسيناريو الثانى هو توقف القتال مع استمرار الاحتقان والأزمة بين الطرفين دون حل، والسيناريو الثالث وقف القتال مع الاحتكام إلى الحلول السلمية وتغليب مصلحة السودان وشعبه فوق أى مصالح بهدف العودة فى الأخير إلى السودان الموحد، وهو سيناريو بعيد عن أرض الواقع فى ظل الأوضاع الحالية لكلا الطرفين.
ولفت إلى أنه لا بد أن يكون هناك دور لحكماء السودان من القبائل والأعراق المختلفة، فى تقريب وجهات النظر بين طرفى الصراع.