وفى عصر الثلاثاء، السابع عشر من نوفمبر 1987 كان هناك ممثل كبير يتأهب للتوجه إلى مسرح السلام لإجراء البروفات النهائية على مسرحية «خمس نجوم» من إنتاج القطاع العام مع التليفزيون المصرى، لكنه شعر على باب عمارته بتعب مفاجئ، فطلب من عامل الجراج مساعدته فى العودة واستدعاء الطبيب، وجاء طبيبه المعالج لينصحه بالتوجه فوراً إلى غرفة العناية المركزة بقصر العينى (وحدة د. شريف مختار) وبدلاً من أن يتوجه إلى مسرح السلام بشارع قصر العينى أبدل وجهته إلى المستشفى العتيق فى آخر الشارع ذاته، وفور وصوله إلى هناك لقى الرجل ربه عن عمر جاوز الثالثة والستين بقليل فى تمام التاسعة والنصف ليلاً، لم يكن هذا الرجل سوى الفنان القدير عبد المنعم إبراهيم.
وفى ظهر الخميس 19/11/1987 خرج موكب الجنازة من مقر المسرح القومى بميدان العتبة بناء على وصيته وفاء منه لذلك المكان الذى أفنى فيه عمره، وقدم على خشبته العريقة روائع مسرح الخمسينيات والستينيات، فكان بحق واحداً من ألمع نجوم المسرح القومى على مدى تاريخه، فضلا عن عطائه السينمائى الذى لا يستطيع أحد إنكاره.
ورغم هذا فإننى أرى أن عبد المنعم إبراهيم لم ينل ما يستحقه من الاهتمام النقدى والتقدير لحجم موهبته الجبار، فهذا الرجل هو قبل الأخير بين عظماء سنوات المجد الكوميدى فى السينما المصرية من أول نجيب الريحانى وستيفان روستى والنابلسى ومارى منيب وحتى فؤاد المهندس، ربما يكون قد أتى متأخرا من حيث ترتيبه الزمنى، لكنه أغزرهم إنتاجاً بعد إسماعيل ياسين، وقامته لا تقل طولاً عن أى واحد من هؤلاء، فقد استطاع أن يجد لنفسه شخصيته المميزة وسط هذه الكوكبة من أفذاذ الكوميديا، بل ويصيغها بلونه الخاص فى الأداء، وهذا ما أثبته مشواره الطويل على الشاشة، ثم أكدته سنوات غيابه التى اقتربت من أربعة عقود.
فلو كان عبد المنعم إبراهيم ممثلاً عادياً لانفض الناس من حوله بمجرد أن رأوه أسيراً لشخصية نمطية واحدة طيلة الجزء الأكبر من مشواره الفنى، لكن حضوره اللافت وقدرته الخاصة على الوصول إلى جمهور الشاشة جعلاه فى منأى عن إحساس المشاهد بالملل والرتابة، وحفظا له حالة الحب التى أحاط بها الجمهور هذا الفنان القدير، والغريب فى مشوار عبد المنعم إبراهيم أنه لم يختر الكوميديا طريقاً له، وإنما هى التى اختارته، ولم يختر دور صديق البطل الذى التصق به وصنع شهرته، وإنما اختاره المخرجون له وحبسوه داخله، فبات لزاماً عليه أن يثبت أولاً أنه كوميديان فى وجود عمالقة الكوميديا، ثم يبحث ثانياً عن أسلوب تعامله الخاص مع هذه الشخصية التى فرضت عليه، وقد نجح عبدالمنعم إبراهيم فى هذا التحدى أو ذاك بدليل ذلك الرصيد الضخم الذى تركه خلفه، وذلك الاحترام الكبير الذى يسبق اسمه.
ورغم أن أحداً من صناع أفلام عبد المنعم إبراهيم أو غيره لم يبذل أى جهد فى تعميق شخصية صديق البطل إلا أن الفنان الكبير كان له جهده الخاص فى إكسابها ذلك الطابع الإنسانى الذى يجعلها وثيقة الصلة بالناس غير معلقة فى الهواء أو مرتبطة بمصير بطل الفيلم، وربما هذا هو الذى دعا كاتباً كبيراً فى قيمة وقامة أحمد بهاء الدين أن يرثيه فى يومياته الشهيرة بالأهرام بتاريخ 20/11/1987 بعد ثلاثة أيام فقط من رحيله حيث قال:
«كان عبد المنعم إبراهيم من هذا النوع النادر من الممثلين الذى يقطر إنسانية.. الذى تتعاطف معه طيباً كان أو خبيثاً، فهو الخبث الإنسانى الطيب إذا جاز التعبير، كان من المستحيل أن تتصور أنه يمثل، إنه جزء حقيقى من كل إنسان منا، وكل إنسان فينا».
ومادام أحمد بهاء الدين غير المهتم عادة فى كتاباته بالحياة الفنية قد أشار إلى طابع عبد المنعم إبراهيم الإنسانى فى الأداء والذى نلمسه فى كل أدواره ولا سيما – مثلاً – فى فيلم «طريق الدموع» 1961 الذى نال عنه جائزة الدولة فى التمثيل، فتجدر الإشارة هنا إلى القول إنه تحول تماماً إلى هذا اللون من الأداء مع تقدم العمر، وتجاوزه مرحلة الشباب، وهذا ما نلحظه فى أدواره فى أفلام مثل: «الوفاء العظيم» و«الرصاصة لا تزال فى جيبى» 1974، «جفت الدموع» 1975، «حافية على جسر الذهب» 1977، وهى جميعها أفلام لم يتخل فيها عن شخصية صديق البطل أيضاً لكن مع علو نبرة الخط الإنسانى الذى استمر عليه بعد ذلك فى الثمانينيات بعيداً عن تلك الشخصية كأدواره فى أفلام: «البنات والمجهول» 1986 «بيت الكوامل» 1986، «عودة مواطن» 1986، «سكة سفر» 1987، و«الهانم بالنيابة عن مين» و«الكماشة» 1988.
وقد دعم هذا التوجه الإنسانى فى الشخصيات التى أداها عبدالمنعم إبراهيم طبيعة الأدوار التى قدمها للدراما التليفزيونية والتى كان أبرزها دور «عمّ صالح» فى زينب والعرش لفتحى غانم، و«عم درويش» فى الدنيا الجديدة أو زقاق المدق لنجيب محفوظ «ووالد زينب» فى الجزء الثانى من الشهد والدموع لأسامة أنور عكاشة، و«عم آدم» فى أولاد آدم لمحمد جلال عبدالقوى.
ويبقى التنويه أخيراً إلى تجربة عبد المنعم إبراهيم المحدودة فى أدوار البطولة، فرغم أنها واتته مبكراً بعد سنوات قليلة من عمله بالسينما، وفى أعوام متوالية: الأيام السعيدة لأحمد ضياء الدين سنة 1958، وسر طاقية الإخفاء لنيازى مصطفى عام 1959، وسكر هانم للسيد بدير سنة 1960، ورغم نجاحه الفنى كبطل لهذه الأفلام إلا أن التجربة لم تتكرر مرة أخرى بعد هذه الأفلام الثلاثة سوى فى فيلم رابع صادف حظاً عاثراً، وتأخر عرضه أكثر من أربع سنوات، ووصل إلى ساحة القضاء قبل أن يشاهده الجمهور عام 1971، الفيلم هو «لعبة كل يوم» الذى كان سابقاً بعنوان «نفر واحد» وفيه لعب عبدالمنعم إبراهيم دور «شبارة» منادى السيارات فى سوق إحدى القرى، وهو دور توارت فيه الكوميديا لصالح البعد الإنسانى دون إغفال جانب النقد الاجتماعى، أما بخلاف هذه المحاولات التى نجح فيها كبطل، فقد ظل عبدالمنعم إبراهيم أسير شخصية وصيف البطل، وكان له تفسيره الخاص لهذه المفارقة؛ حيث ردد باستمرار مقولة إنه ممثل وسيم ليس به أى ملمح غير طبيعى، وكتاب الدراما عندنا يتوهمون أن البطل الكوميدى لابد أن يكون ذا ملامح كاريكاتيرية، ولذلك لم يجد منْ يكتب له أدوار البطولة رغم أنه نجح فى اختبار شباك التذاكر بالأفلام التى تحمل مسئوليتها بمفرده، وهو - فى ظنى – تفسير صحيح لحالة هذا الممثل الموهوب الذى لم ينل حظه، وحالة أى ممثل كوميدى له مثل مواصفاته.. على أية حال فقد كان عبدالمنعم إبراهيم بطلاً فى دوره مهما كان حجمه، ومهما كان رنين الأسماء التى يقف بجوارها.