رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«القاهرة السينمائى» يدعم الإنسانية بـ«المسار الأزرق» البوستر الرسمى يعكس قيم السلام من أرض السلام


17-11-2025 | 17:37

.

طباعة
تقرير: سما الشافعى

يأتى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، فى دورته السادسة والأربعين، ليثبت مرة أخرى أنه أكثر من مجرد مناسبة فنية تحتشد خلالها الأضواء والكاميرات، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع المصرى، فمنذ أن تأسس المهرجان عام 1976 على يد الناقد الراحل كمال الملاخ، بات يشكل أحد أهم الجسور التى تربط القاهرة بالعالم السينمائى الأوسع، ومع مرور السنوات تمكن من ترسيخ مكانته كأحد المهرجانات المصنفة ضمن الفئة العالمية الأولى وفق الاتحاد الدولى للمنتجين؛ ليصبح بوابة تعبر من خلالها الأفكار والصور والرؤى من ثقافات بعيدة ومتقاربة على السواء.

 

يستعد المهرجان لإطلاق دورته الجديدة خلال الفترة من الثانى عشر إلى الحادى والعشرين من نوفمبر الجارى فى دار الأوبرا المصرية، محمولًا بما يشبه إعلانًا ثقافيًا يُعيد تأكيد أن دور السينما ليس غطاء ترفيهيا فحسب، بل رافعة للمعرفة ولغة للوجود ومجال لتشكيل الوعى العام فى زمن تتغير فيه وسائل التعبير بوتيرة سريعة.

تأتى الدورة السادسة والأربعون كحلقة جديدة فى سلسلة طويلة استطاعت خلالها القاهرة أن تحافظ على روح المهرجان وهوية رسالته، مع السعى الدائم إلى التجديد وإعادة قراءة موقع السينما فى عالم اليوم، لتتوزع أقسام المهرجان هذه السنة على المسابقة الدولية للأفلام الروائية الطويلة، ومساحة مخصصة لآفاق السينما العربية، بالإضافة إلى أسبوع النقاد الدولى ومسابقة الأفلام القصيرة والعروض الخاصة، فضلًا عن البانوراما العالمية التى تتيح للمشاهد الاطلاع على أحدث ما أنتجته السينما العالمية فى العام الأخير، وقسم خاص بالسينما الكلاسيكية التى شكلت جزءًا من تاريخ الحكاية السينمائية، إضافة إلى قسم الوسائط الجديدة الذى يحضر من خلاله فن الواقع الافتراضى وتجارب الشاشة متعددة الأبعاد.

انطلاقًا من دور المهرجان الثقافى والإنسانى كمنصة تعبّر عن السينما كضمير للعالم، قررت الإدارة إصدار بوستر رسمى جديد يعكس قيم السلام والنور والأمل فى مواجهة الحرب والدمار، حيث يظهر فى عمق الصورة، منفذٌ ضوئى ساطع يفتح الطريق أمام حمامة بيضاء تحلّق نحو الأفق، فى دلالة مباشرة على السلام والأمل والتحرر، ودور السينما كطريق للحرية والارتقاء الإنسانى، حيث يغمر المشهد درجات الذهب والبرونز، فى تدرجات ضوئية تتسلل من عمق الصورة نحو الأفق، وكأنها شروق جديد ينبثق من بين الظلال، بينما تنمو أغصان الزيتون على أطراف الكادر لتستعيد دورة الحياة، ويُطوّق المشهد شريطان سينمائيان يحوّلان القصة إلى ذاكرة قابلة للمشاركة على الشاشة، تحية للفن الذى ينهض من بين الركام، وصوت الإنسان الذى لا يموت فى ذاكرة السينما، فتتآلف العناصر فى معنى واحد يوجّه العين من الأنقاض إلى الفضاء المفتوح ومن الألم إلى الرجاء.

فيلم الافتتاح

الفيلم الروائى «المسار الأزرق».. سيكون الفيلم الرسمى لافتتاح دورته السادسة والأربعين، والذى يُعرض خارج المسابقة الرسمية، حيث يقدم الفيلم، للمخرج البرازيلى جابريل ماسكارو، رؤية إنسانية شاعرية من قلب الأمازون، من خلال قصة تيريزا، وهى امرأة تبلغ من العمر 77 عامًا تعيش فى بلدة صناعية صغيرة، وتتلقى قرارًا رسميًا بإعادة توطينها فى مستعمرة سكنية مخصصة لكبار السن، حيث يتم فصلهم عن محيطهم الطبيعى والاجتماعى لقضاء سنواتهم الأخيرة، إلا أن تيريزا ترفض هذا المصير، وتقرر الهروب عبر نهر الأمازون لتحقيق أمنية أخيرة قبل أن تُنتزع حريتها، فى رحلة تحمل الكثير من التأمل والتمرد والبحث عن الذات، والفيلم من إنتاج مشترك بين البرازيل والمكسيك وتشيلى وهولندا، ويشارك فى بطولته كل من: «دينيز وينبيرج، رودريغو سانتورو، ميريام سوكوراس، وآدانيلو».

وأكدت إدارة المهرجان أن المسابقات الرسمية تمثل العمود الفقرى للدورة، وتجمع بين الأفلام العالمية المرموقة والتجارب العربية الجديدة، لتقديم صورة شاملة عن المشهد السينمائى المعاصر، وإبراز الأصوات التى تستحق التقدير والاحتفاء.

الأفلام الروائية الطويلة

تُعد المسابقة الدولية أهم الأقسام الرسمية، حيث تمنح الهرم الذهبى لأفضل فيلم، وتستقطب أعمالًا تمثل التميز والإبداع على مستوى عالمى، ويخضع اختيار الأفلام لمعايير دقيقة تشمل البناء الدرامى، واللغة السينمائية، والقدرة على تقديم رؤية فكرية وإنسانية جديدة، مع الحرص على تنوع المدارس والأساليب الفنية.

وقد أعلنت الإدارة عن اختيار المخرج التركى نورى بيلغى جيلان رئيسًا للجنة التحكيم الدولية، حيث قال الفنان حسين فهمى، رئيس المهرجان: سينما «نورى بيلغى جيلان» تمثل معيارًا للتميز الفنى، واختياره يعكس التزام المهرجان بدعم الأعمال السينمائية الجريئة والمبتكرة، ويؤكد مكانة القاهرة كمركز ديناميكى لأصوات سينمائية عالمية.

وأضاف محمد طارق، المدير الفنى للمهرجان: أفلام جيلان تتعمق فى دراسة الشخصيات والمكان والزمن، وهى قيم أساسية فى منهجنا هذا العام. حضور جيلان سيخلق حوارًا غنيًا حول إمكانيات السينما وإبداعها.

وتضم لجنة التحكيم نخبة من صناع السينما، بينهم دانيس تانوفيتش، أحمد حافظ، أندريا بالارو، أنجيلا مولينا، عائشة بن أحمد، أنوشا سوويتشاكورن بونغ، وسيلفى بيالات، لتقييم الأعمال من منظور فنى متوازن ومتنوع، لتشمل الجوائز فى هذا القسم الهرم الذهبى لأفضل فيلم، الهرم الفضى لأفضل مخرج، الهرم البرونزى لأفضل عمل أول أو ثانٍ، جوائز الأداء التمثيلى، أفضل سيناريو، وأفضل إنجاز فنى.

الاحتفاء بالصوت العربى

تشكل مسابقة آفاق السينما العربية نافذة أساسية للأفلام العربية الحديثة، مع التركيز على الأعمال التى تحمل لغة مبتكرة أو معالجة جديدة للواقع العربى، وقال محمد نبيل، مدير المسابقة: التحضيرات لهذا العام استغرقت نحو عشرة أشهر من العمل المتواصل، وتنقل فريق المهرجان بين مهرجانات عالمية لاختيار أحدث وأفضل الإنتاجات السينمائية، ووجدنا تواجد السينما العربية القوى هذا العام يعكس حرص المهرجان على تقديم الفرصة للأصوات العربية لإبراز مواهبها والتواصل مع الجمهور العالمي.

وتمنح المسابقة جوائز تشمل أفضل فيلم عربى، جائزة لجنة التحكيم، وأفضل أداء تمثيلى، وهو ما يعكس التزام المهرجان بدعم التجارب التى تقدم رؤى جديدة ومؤثرة فى السينما العربية.

حكايات مركزة

وتولى إدارة المهرجان اهتمامًا خاصًا بمسابقة الأفلام القصيرة، لما تمثله من قوة فنية مضغوطة، حيث يمكن للقصة الجيدة والصورة المبدعة أن تُحدث تأثيرًا كبيرًا فى وقت محدود، وفى تصريح خاص حول الجوائز، قال رامى المتولى: جائزة أفضل فيلم وثائقى تأتى ضمن رؤية المهرجان لتسليط الضوء على السينما التسجيلية كأداة فنية وإنسانية توثّق الواقع، وتعكس القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية، كما أننا سندعم السينما الفلسطينية بقوة فى مهرجان القاهرة السينمائى هذا العام.

وتشمل الجوائز الهرم الذهبى لأفضل فيلم قصير، جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وفرصة الترشيح للأوسكار للفيلم القصير الفائز، مما يجعل هذه المسابقة منصة حقيقية لاكتشاف المواهب الجديدة.

البرامج الموازية

يستضيف المهرجان أيضًا أسبوع النقاد الدولى، المخصص للأفلام الأولى لمخرجيها، مع التركيز على الأعمال التى تتميز بالجرأة والإبداع فى السرد البصرى، وأكدت إدارة المهرجان أن الهدف من هذا البرنامج هو إتاحة الفرصة للتجارب الجديدة للظهور على منصة دولية، مع تنظيم ندوات وورش عمل تسمح للنقاد والجمهور بالتفاعل المباشر مع صناع الأفلام.

كما يقدم المهرجان أيام القاهرة لصناعة السينما، التى تتضمن ورشًا تدريبية، جلسات تطوير مشاريع، وعروض أفلام فى مراحل الإنتاج المختلفة، بهدف ربط صناع السينما العربية بشبكات إنتاج وتوزيع دولية، وتعزيز الدور المهنى للمهرجان كمنصة صناعية حقيقية.

خمس أيقونات فنية

كما يُكرم المهرجان خمس شخصيات فنية بارزة من مصر والعالم العربى والعالم، تقديراً لإسهاماتهم التى أثرت السينما وأغنت الشاشة الكبيرة، حيث جاءت جائزة الهرم الذهبى لإنجاز العمر لتكريم ثلاثة مبدعين تركوا بصمتهم فى تاريخ السينما، وهم  هيام عباس، الممثلة والمخرجة الفلسطينية، جسدت صوت المقاومة والذاكرة من خلال أعمالها العالمية مثل «الخلافة» و«شجرة الليمون»، والتى أكدت فى تصريحات صحفية، أن السينما ليست مجرد ترفيه بل هى ذاكرة ومقاومة وتوثيق للحياة الإنسانية فى أصعب الظروف، مضيفة أن رسالتها هى الاستمرار فى سرد حكايات شعبها لأن الفن أقوى سلاح فى وجه النسيان.

أما المخرج المصرى محمد عبد العزيز، فقد جاء تكريمه اعترافًا بمسيرته التى مزجت بين الكوميديا والواقع الاجتماعى، حيث تركت أفلامه أيقونية مثل «البعض يذهب للمأذون مرتين» و«خلى بالك من جيرانك» بصمة واضحة فى وجدان الجماهير، حيث عبر عن سعادته بهذا التكريم باعتباره اعترافًا لكل فريق العمل وللجمهور الذى جعل هذه الأعمال خالدة عبر الأجيال، مؤكدًا أن تقديم فن يمس هموم الناس بابتسامة كان دائماً هدفه الأول.

فى لفتة تقدير مستحقة لمسيرة تمتد لأكثر من خمسة عقود فى خدمة الصورة السينمائية المصرية، منح مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته السادسة والأربعين جائزة الهرم الذهبى لإنجاز العمر لمدير التصوير الكبير محمود عبد السميع، والذى يعد أحد أبرز الأسماء التى ساهمت فى تشكيل اللغة البصرية للسينما المصرية المعاصرة.

وجاء هذا التكريم فى أجواء احتفالية غلب عليها الشعور بالامتنان، حيث وقف عبد السميع أمام الجمهور وصناع السينما وهو يحمل تاريخًا طويلًا من الأعمال التى لم تُنحَت فى ذاكرة الشاشة فقط، بل فى ذاكرة الجمهور ذاته. فقد امتلك قدرة استثنائية على التعامل مع الضوء والظل وتوظيفهما فى التعبير عن المشهد والإنسان، مانحًا الصورة عمقها الدرامى والوجدانى، حيث يعتبر محمود عبد السميع من روّاد الصورة السينمائية الذين أسهموا فى تطوير الهوية البصرية للفيلم المصرى، ليس فقط من خلال عدسته، بل من خلال دوره الثقافى والنقابى أيضًا، بصفته رئيسًا سابقًا لجمعية الفيلم، حيث حمل دائمًا رسالة دعم الجودة والحفاظ على المهنة، واستطاع مزج البساطة بالجمال، والواقعية بالشاعرية، دون إفراط أو استعراض بصرى، بل بإحساس يضع الصورة فى خدمة القصة والإنسان،

وقال «عبد السميع» تعليقا على تكريمه: هذا التكريم يأسرنى من الداخل قبل أن يلمع على المنصة، والسينما هى عمرٌ كامل عشته بين الضوء والظلال، بل وتعلّمت أن الصورة ليست مجرد مشهد جميل، بل هى إحساس وحقيقة وموقف، وأهدى هذا التكريم لكل من عمل معى وشاركنى صناعة لقطة لا تُنسى.
كما أكد رئيس المهرجان حسين فهمى، أن «تكريم عبد السميع هو تكريم للعين التى رأت التفاصيل قبل أن يراها الجمهور»، مضيفًا أن «هناك نجوما يقفون أمام الكاميرا، وهناك نجوم يقفون خلفها ليصنعوا السحر، محمود عبد السميع واحد من هؤلاء الذين علّمونا كيف يمكن للصورة أن تنطق وحدها، ويمثل هذا التكريم اعترافًا ليس فقط بموهبة عبد السميع، بل بدور مديرى التصوير كركيزة أساسية فى صناعة الفيلم؛ إذ لا تكتمل الرواية دون الصورة التى تنبض وتتنفس وتحمل العاطفة إلى المتلقي».

ومنحت جائزة فاتن حمامة للتميز للنجم المصرى خالد النبوى، الذى أصبح جسر عبور السينما المصرية إلى العالمية من خلال أدواره المؤثرة وانتقائيته فى العمل مع كبار المخرجين مثل يوسف شاهين وريدلى سكوت، حيث عبّر عن شعوره قائلاً إن الوقوف فى حضرة اسم سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة هو تكريم ليس لشخصه بقدر ما هو اعتراف بأن الفنان يجب أن يحمل رسالة تتجاوز المحلية، وأن السينما بالنسبة له جسر ثقافى يعزز مسئوليته تجاه الفن والجمهور.

وأكد حسين فهمى، رئيس المهرجان، أن هذه التكريمات تمثل رؤية المهرجان فى ربط الأجيال الفنية من الرواد المؤسسين إلى النجوم الذين يحملون شعلة الإبداع بتميز نحو العالمية، مع تعزيز رسالة الفن كرافد للهوية والثقافة، ويعكس البوستر الجديد للمهرجان روح هذه الرسالة، حيث تتآلف الرموز السينمائية والضوئية والرمزية مع مسيرة المكرمين؛ لتجسّد كيف يمكن للفن أن يكون قوة للأمل والتحرر والارتقاء الإنساني.

الصناعة السينمائية

لم يعد مهرجان القاهرة مجرد مناسبة لعرض الأفلام والاحتفال بصُناعها، بل أصبح جزءًا من بنية داعمة للصناعة السينمائية، تعمل على توفير أدوات عملية لإنتاج الأفلام وتطويرها، فقد باتت أيام القاهرة لصناعة السينما، وملتقى الإنتاج المشترك، والورش التدريبية، والجلسات الحوارية التى تجمع منتجين وموزعين وممثلى المنصات الرقمية، ركنًا أساسيًا من بنية المهرجان.

 
 

أخبار الساعة