تمتلك مصر، واحدًا من أطول الشواطئ، البحر المتوسط شمالًا حتى البحر الأحمر جنوبًا، وبجانب هذه السواحل المصرية، هناك شبكة واسعة من البحيرات الطبيعية التى جرى تطويرها فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال العقد الأخير، مثل بحيرة البردويل والبرلس والمنزلة والتمساح والمرة وغيرها.
تُعد مصر أكبر دولة منتجة للأسماك فى إفريقيا، بينما عالميًا تحتل المركز الخامس فى الإنتاج السمكى، ما يعكس قدرة البلاد الكبيرة على المنافسة دوليًا، إذا ما استُثمرت مواردها البحرية بشكل استراتيجى ومنهجى.
هذه المؤشرات تجعل من السواحل المصرية والبحيرات المرتبطة بها مصدرًا حيويًا للثروات، وفرصة لا تُعوّض لتحويل مصر إلى مركز عالمى للاستثمار السمكى والمشروعات البحرية الكبرى.
بداية، أكد الدكتور صلاح حجاب، رئيس بحوث متفرغ بمعهد بحوث الصحة الحيوانية، وأحد أبرز الخبراء فى الزراعة السمكية، أن البحرين الأحمر والمتوسط لا يزالان مجالًا واعدًا للاستزراع فى الأقفاص البحرية، وقد أقر جهاز تنمية الثروة السمكية خلال السنوات الماضية نحو 21 موقعًا للاستزراع السمكى بالأقفاص؛ بواقع 12 موقعًا فى البحر المتوسط و9 مواقع فى الأحمر، تمت الموافقة عليها من الجهات المعنية.
«حجاب»، لفت إلى أن «المشكلة الأساسية تكمن فى أن الدراسات التفصيلية لهذه المواقع لم تُستكمل بعد، فالمستثمر يحتاج إلى معرفة دقيقة بطبيعة القاع، قوة التيارات، اتجاهات الرياح، نسب الملوحة والتلوث، وهى عوامل حاسمة تحدد نجاح المشروع أو فشله، وغياب هذه الدراسات يجعل الاستثمار مغامرة محفوفة بالمخاطر، بينما كان من المفترض أن تتكفل الدولة بتقديم هذه البيانات وجاهزيتها للمستثمر، ليبدأ مشروعه على أرضية علمية واضحة».
واستعرض «حجاب»، نموذج الزراعة السمكية التكاملى، الذى يعتمد على استغلال مياه الآبار ذات الملوحة البسيطة لتربية الأسماك، ثم إعادة استخدام مياه الصرف السمكى لتسميد الأراضى الصحراوية وزراعة محاصيل تتحمل الملوحة.
على صعيد الإنجازات، أشار «حجاب» إلى أن مصر تحتل المركز الأول عالميًا فى إنتاج البورى، والثالث عالميًا فى إنتاج البلطى، وهو ما يعكس قوة القطاع الخاص المدعوم بدور الدولة والخبرات المحلية التراكمية القادرة على المنافسة على المستوى الدولى، لكن تجربة الأقفاص البحرية لا تزال بحاجة لدراسة معمقة، فهى تختلف عن المزارع التقليدية، وتتطلب خبرات دقيقة فى اختيار المواقع وتجهيز البنية التحتية، بما فى ذلك مناطق خدمية لتخزين الأعلاف، إجراء الفحوصات، متابعة التربية، إضافة إلى موانئ صغيرة أو مراسٍ لخدمة المشروعات.
وفى سياق متصل، تحدث الدكتور صلاح مصيلحى، رئيس جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، عن واقع الثروة السمكية لدينا والخطط المستقبلية لتطوير هذا القطاع الحيوى، مع الإشارة إلى التحديات والفرص، موضحًا أن «القاهرة حققت مراكز متقدمة على المستويين الإفريقى والعالمى».
وأضاف: مصر تحتل المركز الأول إفريقيًا فى إنتاج الأسماك، والمركز الثامن عالميًا، كما أننا فى المركز الثالث عالميًا فى إنتاج البلطى، وهذه أرقام تعكس حجم الجهد الذى بذلناه خلال السنوات الأخيرة فى تطوير الاستزراع السمكى وتحسين جودة الإنتاج».
«د. صلاح» أكد أن نجاح مصر فى هذا المجال لم يأتِ مصادفة، بل جاء نتيجة مشروعات كبرى واستراتيجية متكاملة تشمل البحيرات والمزارع البحرية والمياه العذبة، مضيفًا أن «مشروعات مثل الفيروز وبركة غليون والبحيرات الشمالية ساهمت فى زيادة الإنتاج ورفع دخل الصيادين، كما فتحت المجال أمام الشباب للعمل فى المناطق الساحلية، ما أعطى دفعة كبيرة للاقتصاد المحلى».
وحول حجم الإنتاج والتصدير، قال «مصيلحى»: إن «إجمالى الإنتاج السمكى فى مصر بلغ نحو 2 مليون طن سنويًا، منها 1.6 مليون طن من الاستزراع السمكى، و419 ألف طن من المصايد الطبيعية. هذا الإنتاج يتيح لنا تغطية احتياجات المواطنين بحوالى 20 كجم سنويًا للفرد، وهو قريب جدًا من المعدل العالمى الذى يبلغ 20.7 كجم، ونحقق نسبة اكتفاء ذاتى تصل إلى 87 فى المائة».
ولفت «مصيلحى» إلى استراتيجية التنمية المستدامة لعام 2030، موضحًا أن الهدف الأساسى هو زيادة الإنتاجية، تفعيل التصدير، وتطوير مزارع المياه العذبة والبحرية، مع تقييم دورى للطلب على الأسماك لضمان الجودة ومواكبة الأسواق العالمية.
وأشار «مصيلحى» إلى أن تطوير الثروة السمكية يشمل عدة محاور رئيسية، هى: تنمية قطاع أسماك المياه العذبة، رفع إنتاجية الفدان، برامج التحسين الوراثى، تطوير الاستزراع فى الأقفاص، مع التركيز على الجودة والسلامة الغذائية.
ومحور آخر هو تنمية الاستزراع البحرى، وإنشاء مفرخات بحرية، وحدات تجهيز وتصنيع الأسماك للتصدير، بما يفتح أسواقًا جديدة ويعزز الربحية، بينما يتضمن ثالث المحاور تطوير البحيرات المصرية: تطهير البواغيز، إزالة النباتات المائية، إنشاء وحدات تجهيز الأسماك، مراكز تدريب للصيادين، ورفع كفاءة إدارة المخزون السمكى.
ورابع المحاور هو تنمية البحار والمياه الداخلية: تطبيق قوانين الصيد الحر، تدريب الصيادين، وحماية المخزون السمكى الطبيعى، ثم نأتى إلى محور البحث العلمى والتكنولوجيا الحيوية: تحسين التغذية، التفريخ، الهندسة الوراثية، وبرامج الوقاية من الأمراض، ما يدعم الإنتاج المستدام ويزيد من جودة الأسماك.
وسادس المحاور تطوير التسويق والأعلاف: دعم صغار المنتجين، إنشاء بورصات للأسماك، رفع كفاءة العلف وتحسين الجودة، وربط المنتجين بالأسواق المحلية والدولية، وأخيرًا مشروعات السواحل والأقفاص البحرية: تنفيذ 21 موقعًا للأقفاص البحرية، أبرزها مشروع الفيروز وبركة غليون، بما يعزز التصدير ويدعم القطاع الخاص ويوفر فرص عمل جديدة.
وأكد «مصيلحى» أن تطوير البحيرات لا يرفع الإنتاجية فحسب، بل يخلق فرص عمل، ويطور الموانئ، ويعزز الأمن الغذائى، وعلّق قائلًا: «بتوجيهات القيادة السياسية، نقوم بتطهير البحيرات الشمالية والداخلية، إزالة التعديات، وفتح قنوات جديدة لزيادة الإنتاجية، مع مراعاة البيئة والحياة البرية».