على مدار أقل من عامين، تحولت سواحل مصر على البحرين الأبيض والأحمر إلى قبلة استثمارية غير مسبوقة، بعدما جذبت تدفقات مالية ضخمة قاربت 85 مليار دولار، لتعكس هذه الطفرة ثقة المستثمرين العرب والأجانب فى الاقتصاد المصري، وتضع مصر فى موقع متقدم على خريطة السياحة والاستثمار العقارى العالمية، كما تمهد لمرحلة جديدة تتحول فيها السواحل المصرية من مجرد شواطئ جميلة إلى محاور اقتصادية عالمية، تربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، وتفتح مسارات جديدة للنمو المستدام.
الصفقات الاستثمارية المتتالية على شواطئ مصر كان آخرها صفقة علم الروم بنحو 29.7 مليار دولار وقبلها صفقة مشروع «مراسى البحر الأحمر»، الذى أطلقه رئيس الوزراء مصطفى مدبولى بالقرب من الغردقة، ويمتد على مساحة 10 ملايين متر مربع، وتصل استثماراته لنحو 20 مليار دولار، بالشراكة بين «إعمار» الإماراتية و«سيتى ستار» السعودية. يتضمن المشروع أكثر من 4 آلاف وحدة فندقية ومراسى لليخوت، مما يعزز موقع مصر فى سوق السياحة البحرية الفاخرة، ومن المتوقع أن يوفر نحو 150 ألف فرصة عمل أثناء التنفيذ، و25 ألف وظيفة دائمة بعد التشغيل.
هذه الصفقة سبقتها، على الضفة الأخرى من سواحل مصر، وتحديدًا فى الساحل الشمالي، صفقة تاريخية مع شركة «القابضة ADQ» الإماراتية لتطوير رأس الحكمة باستثمارات بلغت 35 مليار دولار، منها 24 مليار سيولة مباشرة، و11 مليارًا حُولت من ودائع سابقة إلى استثمارات فعلية. ويمتد المشروع على مساحة تقارب 171 مليون متر مربع، بهدف تحويل رأس الحكمة إلى مدينة سياحية ومالية متكاملة، مع احتفاظ الحكومة المصرية بنسبة 35 فى المائة وتوقع خبراء أن يجذب المشروع استثمارات إضافية تصل إلى 150 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بجانب ملايين من فرص العمل، أعقبها الإعلان الأخير عن الاستحواذ القطرى على نحو 5 آلاف فدان بمنطقة علم الروم بالساحل الشمالى ضمن استثمارات تصل لنحو 7 مليارات دولار.
وفى هذا السياق، أكد الدكتور على عبدالحكيم الطحاوي، الخبير الاقتصادي، أن «توقيع اتفاقية تنمية مشروع مراسى البحر الأحمر على مساحة 10 ملايين متر مربع باستثمارات تقدر بنحو 900 مليار جنيه، يمثل نقلة نوعية فى مسار الاستثمار السياحى والعقارى بمصر، ليس فقط من حيث الحجم الكبير للصفقة، وإنما أيضًا من حيث أهميتها الاستراتيجية للاقتصاد المصرى».
وأضاف: «نحن أمام مشروع يُعد الأكبر من نوعه فى منطقة البحر الأحمر، حيث يجمع بين السياحة الفندقية والخدمات الترفيهية والاستثمارات العقارية المتطورة، بما يعكس توجه الدولة لتعزيز مكانة مصر كوجهة عالمية للسياحة والاستثمار فى وقت واحد».
وأوضح أن «الصفقة تجسد ثقة رؤوس الأموال العربية فى البيئة الاستثمارية المصرية الحالية، خاصة مع دعم الرئيس عبدالفتاح السيسي، وفى ظل الإصلاحات الاقتصادية والبنية التحتية التى مهّدت لجذب مثل هذه المشروعات العملاقة، كما أنها تعكس تحالفًا اقتصاديًا مصريًا–عربيًا يضيف بُعدًا استراتيجيًا للتعاون الإقليمى».
وأكد أن ذلك يُعزز من قدرة مصر على الاستفادة من موقعها الجغرافى الفريد على البحر الأحمر، الذى يُعد من أهم المقاصد السياحية فى العالم من الناحية الاقتصادية، كما يوفر المشروع مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويدعم ميزان المدفوعات عبر جذب مزيد من التدفقات الدولارية من قطاع السياحة.
كما أكد أن أهمية الصفقة تكمن أيضًا فى رسالتها للخارج، وهى أن «مصر قادرة على استضافة استثمارات بهذا الحجم الضخم، وتملك القدرة المؤسسية والبشرية على إنجاحها، وبالتالى فهى ليست مجرد مشروع عقارى أو سياحي، ولكنها خطوة تعكس ثقة متبادلة وشراكة طويلة الأمد بين مصر وأكبر الكيانات الاستثمارية العربية، ما يرسخ موقع مصر كلاعب رئيسى فى خريطة الاستثمار الإقليمى والدولى».
من جانبه، أكد الدكتور أحمد سعيد، أستاذ الاقتصاد، أن «الصفقات المتتالية التى وقّعتها مصر، وآخرها صفقة مراسى البحر الأحمر، لها تأثير مباشر على الاقتصاد المصري، وهو ما ظهر بشكل سريع على سوق الصرف، حيث شاهدنا الانخفاض الملحوظ فى سعر صرف الدولار مؤخرًا، ليصل إلى ما دون 48 جنيهًا».
وأوضح أن هذا التحسن يرجع إلى مجموعة من العوامل الإيجابية التى عززت الثقة فى الاقتصاد المصري، وعلى رأسها الصفقات الاستثمارية الكبرى التى تم الإعلان عنها مؤخرًا.
وأضاف أن «الإعلان عن توقيع الحكومة لعقود شراكة مع شركتى (إعمار مصر) و(سيتى ستارز) لتدشين مشروع (مراسى البحر الأحمر) كان له تأثير مباشر وفورى على سعر الصرف، لما يمثله من تدفقات استثمارية ضخمة تزيد من الموارد الدولارية وتنوع مصادرها».
وأكد أن الصفقة تُثبت قوة وصلابة الاقتصاد المصرى وقدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية، وثقة المؤسسات الدولية فيه، مستشهدًا بتقرير جولدمان ساكس الذى توقع أن يصل سعر صرف الدولار إلى 36 جنيهًا بنهاية عام 2026، داعيًا إلى النظر إلى هذا التقرير «بحكمة وجدية، لأنه يؤكد صعود الاقتصاد المصرى وقدرته الكبيرة على امتصاص الصدمات والصمود أمام الأزمات الدولية، من خلال جذب الاستثمارات ذات الرسائل الواضحة، بأن مصر تسير فى طريقها الصحيح رغم ما يحيط بها من أزمات فى المنطقة».
وفى السياق ذاته، أوضح المهندس أحمد رجب، الخبير العقاري، أن السوق العقارى المصرى يمر حاليًا بمرحلة «إعادة ترتيب أولويات» وليس تباطؤًا، مؤكدًا أن هناك فرقًا بين الاستفسارات والقرارات الشرائية الفعلية، ولكن لا تزال هناك حركة بيع حقيقية بالفعل فى السوق العقارى. وأشار إلى أن «العقار يظل ملاذًا آمنًا للاستثمار، ومخزنًا للقيمة، وأداة التحوط الأولى ضد التضخم».
وأوضح أن حجم السوق العقارى المصرى يتجاوز 2 تريليون جنيه كقيمة سوقية، مما يجعله من أكبر القطاعات المؤثرة فى الاقتصاد المحلى وأكثرها جذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية، مشيرًا إلى أن هناك تحولًا هيكليًا فى نوعية الطلب خلال الفترة الأخيرة فى ضوء ارتفاع أسعار العقارات. رجب استشهد بمنطقة الساحل الشمالي، مشيرًا إلى أن «صفقة رأس الحكمة تُعد واحدة من أكبر الصفقات العقارية فى تاريخ مصر، بمساحة تتجاوز 170 مليون متر مربع، ما يفتح الباب أمام تصدير العقار، ويجذب استثمارات بمليارات الدولارات».
كذلك، أشار «رجب» إلى أن مصر تتحرك اليوم وفق استراتيجية «المثلث الذهبى العقارى» والتى تضم شرق القاهرة كمركز إدارى وخدمي، وغرب القاهرة كوجهة سكنية واستثمارية، والسواحل الشمالية والبحر الأحمر كمحرك للنمو السياحى والاستثمارى.
من جانبه قال الدكتور عز الدين حسنين، الخبير الاقتصادي، إن «إطلاق مشروع مراسى البحر الأحمر باستثمارات تبلغ 900 مليار جنيه، يعد مشروع الهدف منه زيادة لإقبال السياحى فى البحر الأحمر، كما هو موجود بالمشروعات العملاقة على البحر المتوسط، وهذه المشروعات تساعد على جذب العديد من السياح، كما أن البحر الأحمر يتميز بالعديد من المميزات، فهنا آن الأوان أن يتم وضع رؤية متكاملة لتحقيق أهداف وأرباح لهذا المشروع السياحى العملاق».
وأضاف: المشروع يسهم فى تعزيز استفادة مصر من موقعها الجغرافى الاستراتيجى على البحر الأحمر، أحد أبرز المقاصد السياحية عالميا، بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني، كما يوفر مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، كما أن هذا المشروع يعتبر دعما كبيرا من القيادة السياسية، فى ظل التحديات الاقتصادية التى يمر بها العالم، هذا فضلا عن أن ما يجرى فى القرى السياحية الجديدة مثل رأس الحكمة والعلمين والساحل الشمالى الغربي، يتجاوز فكرة إقامة المبانى فقط، بل يتعلق بإنشاء بنية تحتية متطورة وبنية رقمية متكاملة، مما يضع مصر فى موقع تنافسى قوى أمام وجهات عالمية أخرى فى الخليج أو على السواحل الأوروبية وشمال إفريقيا.
«حسنين»، أوضح أن السياحة لم تعد تقتصر على الجانب التاريخى فقط، بل أصبحت تشمل أنماطًا جديدة مثل السياحة العلاجية والتكنولوجية، وهو ما تتميز به مصر مقارنة بغيرها، مشيرا إلى أن التطوير الذى شهده الساحل الشمالى الغربى أسهم فى تنويع الإيرادات السياحية وفتح موسم الصيف بشكل نشط، بعدما كانت السياحة المصرية تعتمد بالأساس على موسم الشتاء فى مدينتى الغردقة وشرم الشيخ، لافتًا إلى أن المشروع الجديد يعكس ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى وقدرته على استيعاب استثمارات ضخمة بهذا الحجم، هذا فضلا عن اختيار موقع البحر الأحمر يعزز من تنافسية مصر فى سوق السياحة العالمية، خاصة فى ظل ما تتمتع به المنطقة من شواطئ خلابة ومناخ ملائم على مدار العام.
بدوره، قال محمد راشد، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة التطوير العقاري: الصفقات الاستثمارية الضخمة التى تعمل الحكومة على إبرامها مع الشركاء من الدول العربية تحديدا جعلت من السواحل المصرية ليست مجرد وجهة سياحية موسمية، بل تحولت إلى محور استراتيجى لإعادة رسم الخريطة العقارية فى مصر، بما تحمله من مشروعات عمرانية كبرى قادرة على تغيير معادلة التنمية العمرانية على المدى الطويل. «راشد»، أوضح أن الدولة المصرية وضعت رؤية جديدة للسواحل المصرية تقوم على تحويلها من شاطئ صيفى إلى مناطق متكاملة للعيش والعمل والاستثمار، من خلال مشروعات بنية تحتية قوية، ومدن جديدة مثل العلمين الجديدة، التى تعد نموذجا واضحا للدولة متعددة الأقطاب العمرانية، مشيرا الى أن هذا التوجه يفتح الباب أمام إعادة توزيع الكتلة السكانية، ويعزز من فرص الاستثمار العقارى محليا وإقليميا، خاصة مع دخول كيانات تطوير كبرى وضخ استثمارات بمليارات الجنيهات، ما يخلق سوقا عقاريا متنوعا يجمع بين السكن الدائم، والسياحة، والأنشطة الاقتصادية والخدمية.
وأضاف: الخريطة العقارية فى السواحل المصرية الآن تشهد إعادة تعريف كاملة لمفاهيم التصميم العمرانى والأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، حيث لم تعد المشروعات مقتصرة على الوحدات السياحية، بل شملت مجالات التعليم، الصحة، التجارة، والخدمات الذكية، وهو ما يعكس توجها جديدا نحو العمران الشامل، كما أن ما يحدث فى الساحل الشمالى لا ينفصل عن الاستراتيجية المصرية لإعادة التموضع إقليميًا، فالعمران الساحلى أصبح أداة من أدوات القوة الناعمة المصرية، حيث يجذب الاستثمارات، ويعيد تشكيل الخريطة السياحية، ويؤكد على قدرة الدولة على تقديم نموذج تنموى عصرى يضعها فى مصاف الدول الرائدة على ساحل المتوسط.
من جهته، قال السفير جمال بيومي، الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب، إن الساحل الشمالى ومشروعات المدن الساحلية الكبرى استحوذت على اهتمام صناديق الثروة الخليجية خلال السنوات الأخيرة، ضاربًا المثل بمشروع رأس الحكمة، الذى وُقّعت فيه اتفاقات ضخمة مع مستثمرين إماراتيين، ويُعتبر نموذجًا لما تطمح إليه القاهرة من مشاريع سياحية متكاملة بالاستعانة بالخبرات والتمويل الخليجيين.
وأضاف أن منطقة العين السخنة وخط الساحل على البحر الأحمر يبرزان كمراكز جذب للاستثمارات فى قطاع الخدمات اللوجستية والسياحة الفاخرة والأنشطة البحرية، خاصة مع التركيز على تطوير موانئ وبنى تحتية صناعية قريبة من قناة السويس، متوقعًا أن يتركز جزء من حزمة الاستثمارات القطرية الجديدة على مشروعات سياحية على سواحل البحر المتوسط، حيث تُجرى دراسات لإقامة منتجعات ومشروعات سياحية متوسطة إلى فاخرة هناك.
«بيومى» شدد على أن مثل هذه المشروعات لا تستهدف فقط خلق حركة سياحية، بل تسعى لتوليد قيمة مضافة عبر الاستثمارات فى الخدمات والتعليم الصحى والعقارى المرتبط بالسياحة، مشيرًا إلى أن الاستثمارات السعودية والإماراتية والكويتية لها حضور جغرافى واضح ومتكامل على خريطة مصر، خاصة أن السعودية ركزت على قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية، خاصة عبر صندوق الاستثمار العام وشركاته التى أُبلغت عن ضخ مبالغ مبدئية فى قطاعات استراتيجية.
وأضاف أن الإمارات دخلت بقوة فى مشروعات المدن الساحلية، وطورت مشاريع حضرية كبرى مثل رأس الحكمة، فضلًا عن مشاركات فى الطاقة والخدمات اللوجستية، أما الكويت فأعلنت عن خطط لتوسيع استثماراتها فى قطاعات متعددة تتضمن الصناعة والسياحة والعقارات، مع وجود توجه لتوقيع مذكرات تفاهم ومشروعات شراكة خلال الفترة المقبلة. فى حين أكد المهندس يوسف رشدان، عضو لجنة التطوير العقارى بجمعية رجال الأعمال، أن صفقة «مراسى البحر الأحمر» تعد خطوة استراتيجية تعزز الاقتصاد المصرى وقطاع السياحة، مشددًا على ضرورة دعم الدولة للقطاع الخاص للمساهمة فى النهضة العمرانية وتوفير فرص العمل والعملات الصعبة.
كذلك، أشار عضو لجنة التطوير العقارى بجمعية رجال الأعمال، إلى أن المشروع السياحى الجديد فى خليج أبو سوما بمحافظة البحر الأحمر، يمثل استثمارًا متكاملًا بقيمة نحو 900 مليار جنيه، موضحًا أن الصفقة ستوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة فى القطاعات السياحية والعقارية والخدمية، إضافة إلى دعم الاقتصاد المصرى بعملات أجنبية قوية.