بين أنقاض المبانى المحترقة والطرقات الخالية، تتجسد صورة حرب طويلة استنزفت البشر والحجر، حيث تقترب مدينة بوكروفسك الأوكرانية من لحظة حاسمة؛ إذ أصبحت على مشارف السقوط بعد أشهر من المعارك العنيفة والقصف المتواصل. مع تضييق القوات الروسية الخناق على المدينة الاستراتيجية الواقعة فى إقليم دونيتسك، يتزايد القلق من أن سقوطها قد يشكّل منعطفًا جديدًا فى الحرب، يمنح موسكو تقدمًا ميدانيًا مهمًا، ويضع كييف أمام تحديات عسكرية وسياسية متصاعدة.
يترقب العالم تطورات الميدان التى قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوكرانى من جديد، بعد تُركز القوات الروسية وقوتها النارية على مدينة بوكروفسك الصغيرة المُدمرة فى شرق أوكرانيا، ما يدفع قواتها على ما يبدو إلى الاستيلاء على المدينة التى أصبحت بوابة لأكثر مناطق الحرب تنافسًا على السلطة. ويُبلغ الجنود الأوكرانيون الذين يُدافعون عن المدينة عن قتال عنيف، فبعد أكثر من عام من القتال تحولت بوكروفسك، مركز السكك الحديدية فى منطقة دونيتسك، إلى أنقاض، وانخفض عدد سكانها الذى كان يبلغ 60 ألف نسمة قبل الحرب إلى أقل من 1300 نسمة. ولكن بعيدًا عن ساحات القتال فى شرق أوكرانيا، تُعد بوكروفسك أيضًا محورية فى صراع دبلوماسى، حيث تحاول كل من روسيا وأوكرانيا إقناع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأن لهما اليد العليا فى القتال، وأن الطرف الآخر أضعف.
دخلت القوات الروسية بوكروفسك الشهر الماضى، مستغلة ثغرات فى الدفاعات الأوكرانية للتسلل عبر خطوط الدفاع، ويبدو أنها على أهبة الاستعداد للسيطرة عليها بالكامل فى الأسابيع أو الأشهر المقبلة، وفقًا للخبراء. ويعترف القادة الأوكرانيون على الأرض بأن التوقعات قاتمة.
تجاهل الرئيس الروسى بوتين دعوات نظيره الأمريكى دونالد ترامب لوقف إطلاق النار، بينما مضى الكرملين قدمًا فى حربه وحشد عشرات الآلاف من جنوده فى المنطقة، وأن مئات منهم تسللوا إلى المدينة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وسيطروا تدريجيًا على المبانى والشوارع، واجتاحوا المواقع الأوكرانية، ولكن نفت هيئة الأركان العامة فى كييف تطويق قواتها فى المدينة ومحيطها، وأكدت أنها لا تزال تشارك فى «مقاومة نشطة»، وتمنع القوات الروسية.
فى حين أن الموقف الرسمى لأوكرانيا هو أنها صامدة فى وجه روسيا، قال عسكريون نقلًا عن مراسل حربى لموقع «هرومادسكي» الأوكرانى إن القوات الأوكرانية أقل عددًا، وأن أكثر من ألف جندى معرضون لخطر الحصار. من جانبها قالت روسيا إنها تواصل تقدمها شمالًا وتحبط محاولات أوكرانيا لفك الحصار عن قواتها.
أثارت التطورات فى بوكروفسك قلق العواصم الغربية؛ إذ يرى محللون أن سقوط المدينة سيشكل ضربة جديدة للمجهود الحربى الأوكرانى، ويزيد الضغط على الحكومة فى كييف. فى المقابل تؤكد روسيا أن السيطرة على المدينة تأتى ضمن «عملية تحرير دونباس»، معتبرة إياها خطوة مهمة نحو «تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة». وبين الروايتين تتواصل الحرب الإعلامية والسياسية، كما تتواصل المعارك على الأرض بلا هوادة.
رغم أن بوكروفسك لا تُعد من المدن الكبرى فى أوكرانيا، لكن موقعها يمنحها قيمة استراتيجية عالية؛ إذ تمثل نقطة مواصلات حيوية تربط جبهات القتال فى دونيتسك بالمدن الغربية. كما أنها آخر خط دفاع رئيسى قبل الوصول إلى مدينتى سلوفيانسك وكراماتورسك، اللتين تعتبرهما كييف خط الدفاع الأخير فى الشرق، وهما المدينتان الكبيرتان الوحيدتان اللتان لا تزالان تحت السيطرة الأوكرانية فى دونيتسك، وهى منطقة لطالما رغب الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى السيطرة عليها. ولهذا فإن السيطرة عليها ستمنح موسكو ميزة عسكرية ومعنوية كبيرة، وتفتح الطريق أمام تقدم أوسع فى دونباس.
ستكون بوكروفسك أكبر مدينة تسقط فى أوكرانيا منذ سقوط باخموت فى مايو 2023. قد يُعزز الاستيلاء على بوكروفسك رواية الكرملين بأن روسيا تتقدم فى ساحة المعركة، وأن الحرب ستزداد سوءًا بالنسبة لأوكرانيا، إذا لم تستجب لمطالب موسكو المُرهقة بإنهاء الصراع.

فى هذا السياق، أوضح الدكتور أديب السيد، الخبير فى الشئون الروسية والدولية، أن بوكروفسك سقطت فى يد القوات الروسية، ورغم تضارب المعلومات القادمة حول المعارك الضارية حولها التى سميت سابقا «كراسنوارمييسك» تيمنًا بالجيش الأحمر السوفييتى، فإن آخر المعلومات تقول بوضوح إن القوات الروسية دخلت مركز المدينة، وإن بقايا القوات الأوكرانية التى كانت تدافع عن المدينة انسحبت إلى مواقع جديدة فى مدينة «ديمتروف». وتبين كذلك أن القوات المظلية الأوكرانية التى حاولت تقديم العون للمحاصرين فى بوكروفسك؛ واجهت مقاومة عنيفة من القوات الروسية التى لا تزال تطبق الحصار حول خمسة آلاف وخمسمائة عسكرى أوكرانى فى المنطقة.
وتابع الدكتور أديب: كانت هناك فرصة أمام المحاصرين للانسحاب من المدينة بناء على عرض قدمه الجانب الروسى، إلا أن القيادة الأوكرانية رفضت هذا العرض وأصرت على مواصلة القتال. تمكنت القوات الروسية من إفشال عدة محاولات، قامت بها مجموعات صغيرة من القوات الأوكرانية المحاصرة للخروج من هناك. وتكتسب سيطرة القوات الروسية على «بوكروفسك» أهمية كبيرة، نظرا لأن هذه المدينة كانت تشكل طريق إمدادات للقوات الأوكرانية التى ترابط فى غرب إقليم «دونيتسك». ولذلك، فإن بسط سيطرة الروس على هذه المدينة يتيح لهم إمكانية الانطلاق نحو الحدود الغربية للإقليم المذكور ومواصلة الهجوم الكبير فى إقليم «زابوريجيا» المجاور. ووفقا لتقارير عسكرية مختلفة، فإن أوكرانيا حشدت قوات كبيرة فى بوكروفسك، وقامت بتحصين المدينة من جميع الجهات بهدف حماية خطوط دفاعها الغربية جبهة القتال الممتدة من «زابوريجيا» التى تمر عبر «فوليانسك» حتى «بافلوغراد». وبالتالى، فإن سقوط مدينة «بوكروفسك» يسمح للقوات الروسية بأن تهاجم القوات الأوكرانية فى هذا المحور والتقدم نحو مدينة «أوربخوفا» و«ميرنوغراد».
هناك أهمية سياسية واستراتيجية لسقوط «بوكروفسك» فى يد القوات الروسية؛ فهى تظهر أولا أن القيادة الروسية عاقدة العزم على حسم المعركة فى كامل إقليم دونيتسك بالقوة، وأن قواتها التى تملك اليد العليا فى جبهات القتال لا ترى مبررًا أو سببًا يدفعها للقبول بوقف لإطلاق النار أو هدنة مهما كانت المبررات، وهو أمر تصر عليه واشنطن وحلف الناتو. ثانيًا: يشكل سقوط بوكروفسك إحراجًا للرئيس الأوكرانى زيلينسكى الذى طالما حاول إقناع نظيره الأمريكى بأن القوات الأوكرانية قادرة على تحقيق نصر فى الميدان إذا حصلت على أسلحة متطورة. ثالثا: وهو الأمر الأهم أن هزائم القوات الأوكرانية فى جبهات القتال يمكن أن تدفع الرئيس ترامب لرفض تزويد أوكرانيا بمنظومات صاروخية من طراز «توم هوك» وهو أمر طالما راهنت عليه الدول الأوروبية وأوكرانيا. وأخيرا، فإن بوتين سيذهب إلى القمة المرتقبة مع نظيره الأمريكى ترامب حاملا أوراقا رابحة جديدة تتمثل فى تقدم القوات الروسية فى جميع محاور العمليات العسكرية، وأن القوات الروسية فى طريقها للسيطرة على معاقل محصنة للقوات الأوكرانية.