أسابيع قضيتها فى الولايات المتحدة الأمريكية فى انتظار زيارة المدينة الأهم، واشنطن العاصمة. أول ما لفت نظرى فى المطار لافتة كُتب عليها: «مرحبًا بك فى بيتك». على الفور انتابنى شعور غريب بأهمية المدينة التى وطأت قدماى أرضها للتو. فحين يسكن ترامب، تسكن معها القرارات المفاجئة والصادمة التى يترقبها العالم كله، حتى الشعب الأمريكى نفسه.
فى شوارع العاصمة، حيث تنتشر مقار الوزارات ومكاتب الكونجرس، كان القلق واضحًا على وجوه الموظفين بسبب الإغلاق الحكومى؛ إذ لم نتمكن من زيارة العديد من الأماكن، من ضمنها مبنى البنتاجون، نظرًا لتقييدات الأمن والإغلاق. وكان الحديث يدور حول تأجيل الرواتب، وإغلاق المتاحف والحدائق، وتأثير ذلك على حياة المواطنين اليومية. مع ذلك، بقيت المدينة مليئة بالحياة؛ إذ يستيقظ السكان باكرًا، يذهبون إلى العمل، ويواصلون روتينهم اليومى رغم الأزمات المحيطة.
يُعد الإغلاق الحكومى الحالى ثانى أكبر إغلاق فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ فى الأول من أكتوبر 2025 بعد فشل الكونجرس فى إقرار قرار استمرارى أو مشاريع قوانين اعتمادات كاملة لتمويل الإنفاق التقديرى للسنة المالية 2026. يكمن جوهر المأزق فى مجلس النواب الذى يسيطر عليه الجمهوريون، الذين قدموا مشاريع قوانين تمويلية تستثنى أو تخفض بشكل حاد الإعانات الرئيسية بموجب قانون الرعاية الصحية الميسرة، فى حين رفض الديمقراطيون فى مجلس الشيوخ الموافقة على أى قرار استمرارى لا يشمل هذه الحماية. نتيجة لذلك، اضطرت العديد من الوكالات الفيدرالية إلى تسريح العمال غير الأساسيين، وإجبار آخرين على العمل دون أجر، وتجميد برامج تقديرية متعددة.
خلال إقامتى فى واشنطن، زرت عددًا من المؤسسات الفكرية والإعلامية المؤثرة، ففى مؤسسة «هيريتدج» اليمينية ومركز «كاتو» الليبرالى بدت الانقسامات الفكرية فى أوضح صورها. كما زرتُ كبرى غرف التحرير فى واشنطن، بما فى ذلك «واشنطن بوست»، «سى بى إس نيوز»، «بوليتيكو»، «بيو ريسيرش»، «سى أن إن»، و«بروبوبليكا». فى كل مكان، شاهدتُ عن كثب كيفية إدارة غرف الأخبار للأزمات، وكيفية التعامل مع سيل المعلومات والتصريحات المتضاربة، وكيف يوازن الصحفيون بين السرعة والدقة، خاصة مع وجود رئيس مثل ترامب، الذى يطلق تصريحات جديدة كل عدة دقائق.
وكانت القضية الأكثر إثارة للجدل داخل المؤسسات الإعلامية الأمريكية تطبيق سياسة جديدة للبنتاجون بشأن الإعلام، حيث أصبح على الصحفيين التوقيع على تعهد بعدم السعى للحصول على معلومات غير مصرح بها، وتحديدًا عند دخول بعض المناطق الحساسة، مع إمكانية فقدان تصاريحهم الصحفية فى حال مخالفة القواعد. وقد رفضت العديد من المؤسسات الإعلامية الكبرى التى قمت بزيارتها التوقيع على هذا التعهد.
من واشنطن العاصمة إلى نيويورك، المدينة التى لا تنام، شعرت بالانتقال من قلب السياسة إلى قلب الحركة والصخب. عند وصولى، لفت انتباهى ارتفاع المبانى الشاهقة التى تكسو أفق المدينة، كأنها تعكس طموحات سكانها السريعة والمستمرة. الشوارع مليئة بالناس الذين يتحركون بوتيرة سريعة، كلٌّ مشغول بأمره، لكنها تمنحك شعورًا بالحياة والفرص. على الزوايا، تقف عربات الطعام الحلال، وتتناثر روائح الأطعمة التى تشبه إلى حد كبير أجواء شوارع القاهرة، بينما تتخلل أحيانًا أصوات الأغانى المصرية القادمة من عربات الأكل فى «تايمز سكوير»، ما أضفى لمسة مألوفة وسط صخب المدينة.
خلال الأسبوع فى نيويورك، تنقلت بين مكاتب أهم المؤسسات الإعلامية فى نيويورك، بدءًا من زيارة «بروبوبليكا»، حيث تعرفت على أساليب الصحافة الاستقصائية الرقمية، ثم الانتقال إلى مقر الأمم المتحدة؛ إذ التقيت بالمتحدثين واطلعت على آليات العمل الإعلامى فى منظمة دولية. بعد ذلك، قضيت وقتًا فى «لينكدإن نيوز»، «إن بى سى يونيفرسال»، «نيويورك تايمز»، و«وول ستريت جورنال»، حيث شاهدت غرف الأخبار عن كثب وتابعت كيفية إدارة الفرق الإعلامية للمحتوى والأزمات واستخدام التقنيات الحديثة فى نقل الأخبار. ولم يقتصر الأسبوع على الصحافة التقليدية فحسب، بل شمل أيضًا لقاءات مع «دوكيومنتيد»، «دان أبرامز ميديا»، «إذاعة نيويورك العامة»، و»أسوشيتد برس»، وصولًا إلى جولة ثقافية غنية فى «هارلمرينيسانس». كانت هذه التجربة فرصة فريدة لأرى كيف توازن المدينة بين سرعة الحياة وإبداعها، بين صخب شوارعها وروح الإعلام المتطورة التى تتخلل كل زاوية من زواياها.
وعلى الرغم من أن الحديث فى واشنطن كان يهيمن عليه الإغلاق الحكومى، فإن النقاش فى نيويورك تركز على مرشح منصب العمدة زهران ممدانى، الذى أحدث مفاجأة بفوزه فى الانتخابات التمهيدية. يشتهر «ممدانى» بمواقفه التقدمية، بما فى ذلك دعم سياسات للضرائب الأعلى على الأغنياء، وتشغيل خدمات أساسية من قِبل المدينة، وتقليل التعاون مع تطبيق قوانين الهجرة الفيدرالية. وقد أثار ذلك غضب ترامب، الذى وصفه بأنه «شيوعى مجنون» وهدد بوقف التمويل الفيدرالى عن المدينة إذا تم انتخابه، معتبرًا أن سياساته تهدد مستقبل نيويورك وتقلل من دور الجمهوريين فى إدارة المدينة.
بين شوارع واشنطن ودهاليز القوة السياسية، وأفق نيويورك الصاخب وناطحات سحابها الشاهقة، شعرت بمدى تنوع الحياة، وكيف يمكن للمدن أن تشكل منظور الإنسان للأخبار والسياسة والثقافة. كل تجربة، من متابعة إدارة غرف الأخبار فى ظل الإغلاق الحكومى، إلى التعرف على طرق عمل الأمم المتحدة، أعطتنى تقديرًا أعمق لصوت الصحافة وأهميتها فى نقل الحقيقة. وفى خضم هذا الصخب، لم أستطِع إلا أن أفكر بالقاهرة، فى أزقتها وألوانها وروائحها وأصواتها التى أشتاق إليها، حيث الحياة أبسط، والوجوه مألوفة، والقصص أقرب إلى القلب.