الأسبوع الماضى اختارت اللجنة الاستشارية العليا لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، فى دورته السابعة والخمسين، المقرر إقامتها فى يناير المقبل بمركز مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية بالتجمع الخامس، تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى، اسم الأديب العالمى نجيب محفوظ ليكون شخصية معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، وذلك بمناسبة مرور عشرين عاما على رحيله، تقديرًا لإسهاماته الفريدة فى إثراء الأدب العربى والعالمي، وإعلاء قيم الإنسان والحرية والهوية المصرية فى أعماله التى ترجمت إلى عشرات اللغات.
ويأتى هذا الاختيار ليؤكد استمرار تأثير نجيب محفوظ كأحد أبرز رموز الإبداع فى التاريخ الثقافى المصري، وصاحب المشروع الأدبى الأهم فى توثيق التحولات الاجتماعية والسياسية لمصر فى القرن العشرين، فقد نجح محفوظ فى بناء عالم متكامل من الشخصيات التى عبّرت بصدق عن ملامح الإنسان المصري، ليصبح أول أديب عربى يحصل على جائزة نوبل فى الأدب عام 1988، وليظل اسمه علامة مضيئة فى تاريخ السرد العربى الحديث.
كما قررت اللجنة اختيار الفنان الكبير محيى الدين اللباد ليكون شخصية معرض كتاب الطفل، تقديرًا لدوره الرائد فى إثراء عالم الطفولة برسومه وإبداعاته التى شكّلت وجدان أجيال متعاقبة من الأطفال، و»اللباد» أحد أبرز الفنانين التشكيليين والمصممين فى العالم العربي، إذ أسس مدرسة فنية متميزة فى فن الرسم الصحفى وتصميم الكتب والمجلات، وارتبط اسمه بسلسلة من الإصدارات الموجهة للطفل، التى جمعت بين الجمال والمعرفة والبساطة.
وقدم وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو الشكر لأعضاء اللجنة الاستشارية العليا، تقديرا لإسهاماتهم المتميزة وما طرحوه من أفكار ورؤى بناءة خلال اجتماعات اللجنة، مؤكدًا أن اقتراحاتهم حول تطوير البرامج الثقافية والفنية واختيار الشخصيات المكرمة، تسهم بشكل مباشر فى خروج المعرض بصورة مشرفة تليق بمكانة مصر الثقافية والحضارية، وتعكس دورها التاريخى كمنارة للمعرفة والإبداع فى العالم العربي.
هذا الاختيار دفع عددا من المثقفين والمعنيين بالشأن الثقافى لطرح وجهة نظر والتعبير عن اختلافهم مع اللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولى للكتاب بسبب ما وصفوه بـ»اللجوء إلى الحل الأسهل» فى اختيارها للأديب العالمى نجيب محفوظ شخصيةً للمعرض، ويرى هؤلاء أن اللجنة فضلت الابتعاد عن طرح أسماء مختلفة، رغم أن مصر تزخر عبر تاريخها الطويل بعشرات المبدعين الكبار فى شتى مجالات الفكر والفن والأدب.
ويشير أصحاب هذا الرأى إلى أن نجيب محفوظ حاضر دائما فى الوجدان المصرى والعربي، فهو الأكثر قراءة ومبيعا على امتداد العقود الماضية، وتقام باسمه الندوات والجوائز والفعاليات الثقافية بشكل مستمر، مما يجعل فى رأيهم تكريمه كشخصية المعرض أمرا غير مبرر، لأنه ليس فى حاجة إلى مناسبة جديدة ليحتفى به.
فى المقابل، يرى آخرون أن نجيب محفوظ ظلم فى السابق، لعدم اختياره من قبل شخصيةً للمعرض، رغم مكانته الفريدة فى الأدب العربي، فبعد فوزه بجائزة نوبل عام 1988، عقدت له ندوة خاصة فى معرض 1989، وفى عام 2009 نظمت ندوة عنه وعن الدكتورة سهير القلماوي، فحينها لم يكن هناك ما يعرف بفكرة «شخصية معرض الكتاب»، وهى فكرة لم تظهر إلا عام 2014 حين أطلقها الدكتور أحمد مجاهد، وكانت البداية مع عميد الأدب العربى طه حسين ومحمد عبده باعتباره من كبار التنويرين والمجددين فى العصر الحديث.
يقول الدكتور حسين حمودة، عضو اللجنة، إن اختيار اسم نجيب محفوظ شخصية معرض القاهرة الدولي، اختيار موفق، يستحق التحية، لأسباب كثيرة جدا، أولها الدور العظيم الذى قام به نجيب محفوظ فى الرواية العربية، على مستوى التأسيس لحضورها الكبير فى الأدب العربي، وعلى مستوى الانتقال بها نقلات عديدة جدا على المستوى الفني، وعلى مستوى استكشاف وتمهيد أرض جديدة لها، لم تكن ممهدة، وعلى مستوى ربطها بمسيرة الأدب الإنسانى كله.
إضافة إلى إنجاز نجيب محفوظ الكبير فى السينما، حيث تحول عدد كبير من أعماله الروائية والقصصية إلى أفلام مهمة، بعضها يدخل ضمن أفضل الأفلام العربية، ويتصل بهذا إسهامه الكبير أيضا فى كتابة عدد من السيناريوهات لأفلام كبيرة القيمة.
وأيضا ما ترتب على الاهتمام العالمى بتجربة نجيب محفوظ بعد فوزه بنوبل، التى كان مستحقا لها قبل أن ينالها بزمن طويل، والتى حصل عليها حتى قبل أن يترجم أهم عمل له وهو روايته «الحرافيش»، إلى اللغات التى يعتد بها القائمون على هذه الجائزة، وهذا الاهتمام يجعل حضور نجيب محفوظ (فى دوائر عديدة للتلقي، خلال لغات كثيرة ترجمت أعماله إليها قبل نوبل وبعدها)حضورا «جاذبا « لعدد كبير من زوار المعرض القادمين من بلدان عدة، بالإضافة لكل من قرأوا أعمال نجيب محفوظ بالعربية، أو حتى شاهدوا بعض الأفلام التى شارك فيها.
وعن الاختيار من الناحية العملية كما يرى الدكتور حسين حمودة، أنه اختيار موفق ومناسب لما تمنحه أعمال نجيب محفوظ وما يحيط بها من مواد متنوعة يمكن أن تثرى أنشطة المعرض، وفى هذه الوجهة هناك عدد كبير من الأفلام التسجيلية عنه، وبعضها حوارات تستحق الاستعادة والمشاهدة، وعدد كبير من الدراسات العديدة عن أعماله، ومجموعة من المعارض التشكيلية التى به وبأعماله، وعدد كبير أيضا من الأفلام السينمائية الروائية التى ارتبطت به أو ارتبط بها، وعدد كبير من القضايا التى تطرحها أعماله وتستحق النقاش.
وعن تأخر اختيار اسم نجيب محفوظ شخصية لمعرض الكتابة، أوضح أن الإجابة على هذا التساؤل يمكن أن تتصل بالعبارة الشائعة الحكيمة، القديمة المتجددة: أن يتحقق إنجاز ما، متأخرا، أفضل من ألا يتحقق، حيث كانت هناك احتفاءات محدودة به من قبل، والكتاب الكبار فى نفس مستواه الأدبى والإبداعى فى أوروبا يحتفون بهم بدون مناسبات وفى كل وقت، وتتكرر هذا الاحتفاءات بما لا نهاية، وهو ليس أقل منهم.