الحديث عن هذا الاقتصاد المستدام، الذى يحقق التنمية فعليًا، يجعلنا نقول «عمار يا مصر»، كونها تمتلك مقومات ليس لها مثيل فى العالم كله، واستطاعت أن تستغل شواطئ العلمين ورأس الحكمة ومشروعات الساحل الغربى، لتقدم نموذجًا اقتصاديًا تشاركيًا، يتميز بالمرونة والجمال الباهر، الأمر الذى يجعلنا نقول إن الاقتصاد الأزرق «مغناطيس استثمار هذا العصر».
ويتضح جليًا أن كثيرًا من دول العالم بدأت فى إيجاد مسارات جديدة للاعتماد على هياكلها الاقتصادية، خصوصًا مع تقلبات الأزمات العالمية، ومع ظواهر التغيرات المناخية وما تُحدثه فى العالم من خسائر وتهديد للوضع البيئى والمالى، وهنا، بدأ العالم يتحدث مجددًا، بعد أن هبطت همته من قبل عن «الاقتصاد الأزرق» مقارنة بحديثه عن نظيره «الأخضر»، لتحقيق أهم مكسب للعالم أو ضمان الاستدامة للأمن الغذائى العالمى، من خلال هذه المرة، استغلال الثروات الطبيعية من الأسماك والبحار والمحيطات، إلى جانب الشحن والتعدين، كما يعتبر النقل البحرى من أهم قطاعات الاقتصاد الأزرق، خصوصًا بمنطقة البحر المتوسط.
لقد استمعنا إلى حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى فى العاصمة الكينية نيروبي، عن الاقتصاد الأزرق الذى يمثل لقارة إفريقيا أمرًا مهمًا، فهو الاقتصاد الأمثل من حيث الاستدامة على المدى الطويل، ويتوقف فى كل دوله على طول السواحل على أراضيها، فضلًا عما يوفره من فرص عمل.
هذا الاقتصاد يمر بعدة مراحل تبدأ من مرحلة الحوكمة البحرية والغذاء المستدام والسياحة والنقل البحري، وصولًا إلى التكيف مع التغير المناخى وتنمية المهارات الزرقاء، إلى الوصول لتحديد احتياحات كل دولة، بما فى ذلك الرقمية ودمج الاقتصاد الدائرى واستخدام التمويل المستدام.
وتحدثت الأمم المتحدة للبيئة عن الاقتصاد الأزرق بأنه انتقال عالمى يجب أن ينفق عليه الجميع، فلن يكون هناك كفاءة فى استخدام الموارد ما لم يكن ممكنًا أن تكون البحار والمحيطات جزءًا أساسيًا من هذه التحولات، التى تشتد الحاجة إليها، خصوصًا انعكاس ذلك على قطاع السياحة والنقل البحرى، وفى قمة «محيط واحد» اتفق الجميع على وضع آليه لحوكمة عملية استخدام البحار والمحيطات.
كل هذا يدفعنا إلى الحديث عن الاقتصاد الأزرق وآلياته وجدواه الاقتصادية وأهميته لدول العالم وبالتأكيد لمصر ذات السواحل التى تبلغ 4000 كم2.
والاقتصاد الأزرق، هو الإدارة الجيدة للموارد المائية والاعتماد على البحار والمحيطات فى التنمية المستدامة والقضاء على الفقر وتحقيق الاكتفاء الذاتى، وذلك بغية النمو الاقتصادى وتحسين سبل العيش وخلق فرص عمل مع ضمان احترام البيئة والتنوع البيولوجى.
لقد أدى ظهور الاقتصاد الأزرق، فى ظل التحديات التى تواجه الدول من اختلال النظم الايكولوجية وعدم الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، وبالفعل أعطت العديد من الدول والمنظمات الدولية أهمية كبرى لهذا الموضوع، من أجل تجسيد «مشروع الاقتصاد الأزرق» فى إطار تحقيق التنمية المستدامة.
فالاقتصاد الأزرق محفز لتطوير السياسات والاستثمار والابتكار فى دعم الأمن الغذائى والحد من الفقر والإدارة المستدامة للموارد المائية وتعزيز السياسات المائية لاستزراع السمك والنباتات البحرية بصورة دائمة.
أما فن إدارة المحيطات والبحار والشواطئ والسواحل، فهذه الإدارة أمر مهم بالغ الأهمية لتحقيق التنمية المستدامة، لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية.. وهنا وقفت الدولة المصرية التى أصبحت مغناطيس الاستثمار فى المنطقة بهذه النوعية من الاستثمار.
مصر، بالطبع قد نقلت البوصلة إلى البحر الأحمر وسواحله الفريدة، من خلال مشروع مراسى ريد، واستثمارات تقدر بحوالى 18 مليار دولار لتحويل واجهة سياحية بالبحر الأحمر إلى اقتصاد أزرق، كما تم فى سواحل المتوسط باستثمارات إماراتية بلغت 35 مليارًا.
وأبرمت القاهرة عقد شراكة سعودى إماراتى فى مشروع «مراسى ريد»، وفيه ركزت الدولة المصرية على وجود الاقتصاد الأزرق بالمنطقة الشرقية بخصائص الموائل الساحلية والشعاب المرجانية وأنواع الأراضى الرطبة، وهناك الشواطئ الساحلية وتخزين الكربون، وهناك ما يسمى بالأحياء البحرية التى تساوى 99 فى المائة من أشكال الحياة على كوكب الأرض، ويتبقى 1 فى المائة على اليابسة.
ونستعرض هنا، جدوى البحار والمحيطات، فهما يمتصان نحو 50 فى المائة من الانبعاثات الضارة التى تخرج من اليابسة، وكان الهدف رقم 14 من استراتيجية التنمية المستدامة الأممية، يدعو إلى الحفاظ على الحياة تحت سطح البحر، هذا الهدف يسعى إلى الحيلولة دون حدوث التلوث البحرى والحد منه ودعم الحماية المستدامة للنظم البحرية الساحلية والتعامل مع آثار «تحمض المحيطات»، وتنظيم عملية صيد الأسماك وإنهاء عمليات الصيد الجائر والصيد غير القانونى، أو ممارسة أى نوع من أنواع الصيد المدمر.
ورغم كل ما قيل، لا بد من معرفة المنافع والفوائد التى تعود علينا وعلى العالم من هذا الاقتصاد الأزرق، لعل أولها، توفير العوائد الاجتماعية والاقتصادية للأجيال القادمة والحالية فى تحقيق الأمن الغذائى والقضاء على الفقر.
رقميًا، يستطيع هذا الاقتصاد توليد ما يزيد على 83 مليار دولار سنويًا للاقتصاد العالمى، وهذا الرقم قابل للزيادة إذا تم الاهتمام بالاقتصاد الأزرق عالميًا، بجانب أن هناك 3 مليارات شخص حول العالم يعتمدون على الحياة الزرقاء.
ولكن الأفضلية لمن؟.. فمصر الأولى عالميًا من حيث الموقع الجغرافى لأنها تمتلك 4 آلاف كيلومتر شواطئ بحرية سواء على البحر الأحمر أو المتوسط، ولديها أهم ممر ملاحى هو قناة السويس، بجانب أيضًا نهر النيل العظيم وتسع بحيرات، بالإضافة إلى عدد كبير من الموانئ البحرية اللوجستية متخصصة، وبالتالى كل هذه الثروة المائية يتعين علينا استغلالها بشكل أمثل، فالاقتصاد الأزرق يترسخ مفهومه يومًا بعد يوم.
وأطلقت منظمة الفاو للأغذية التابعة للامم المتحدة ما يُعرف بمبادرة النمو الأزرق، وسعت ولا تزال من أجل دعم التحول إلى هذا النهج الجديد ومساعدة الحكومات والدول فى وضع وتنفيذ سياسات تعزز مفهوم هذا الاقتصاد، حيث يتطلع الأخير إلى تسخير إمكانات المحيطات والبحار والسواحل من أجل إلغاء الصيد الجائر وإنهاء الصيد غير المشروع، وتحسين وبناء مصائد الأسماك المستدامة.
ماذا عن إمكانيات وفرص الاقتصاد الأزرق فى البحر الأحمر، فالأخير يحتوى على ثروات وموانئ وقدرة على التواصل، حيث تزداد أهميته وثقله السياسى فى رسم معالم المرحلة المقبلة وصياغة علاقات الدول الاقتصادية والسياسية ومصالحها فى الأمد المتوسط والبعيد، وهناك مؤشرات تظهر أهمية إقليم البحر الأحمر، لتزايد ترابطه بالملاحية الدولية، ناهيك عن قدرة المنطقة الكبير فى توفير موارد الطاقة.
فالبحر الأحمر يعد ممرًا للطاقة بنحو 3.3 مليون برميل من النفط يوميًا، وتسعى الدول وعلى رأسها مصر فى الدفاع عن هذه المصادر وتأمين الوصول إليها، لذلك استخدمت المصالح الاقتصادية تارة للترغيب والأدوات العسكرية، وتارة أخرى للترهيب، إضافة إلى الأهمية الاقتصادية بعد اكتشاف النفط والذهب والغاز الطبيعى، الأمر الذى جعل تأمين الممرات المائية فى تلك المنطقة أمرًا حيويًا لحماية حركة التجارة الدولية، هذا بالإضافة إلى المساحة البرية التى تمثل هى الأخرى نقطة الانطلاق من المياه الدافئة إلى البر، وصولًا إلى قلب إفريقيا، وبالتالى تحقيق الترابط بين البر والبحر معًا.
واهتمت مصر بتعزيز تنامى البحر الأحمر كبوابة لإفريقيا وممر استراتيجى ملاحى دولى، ولذلك تم تعزيز البنية التحتية، حيث إن النقل البحرى إحدى ركائز التنمية المستدامة، والبحر الأحمر ينقل حوالى 90 فى المائة من حجم التجارة العالمية، وبالتالى دفع حركة التطور الاقتصادى فيه والنظام اللوجستى العالمى يساعد فى زيادة حجم التبادل التجارى وفتح قنوات تصديرية بما يزيد الطلب على توفير وسائل النقل والاستثمار فيها، وهو ما فعلته القاهرة بشكل مباشر، حيث يأتى ترتيب الدولة المصرية فى المركز الأول بشأن تلقى استثمارات البحر الأحمر.
وتتمثل الفرص الاقتصادية للبحر الأحمر فى إقامة تجمع اقتصادى عربى، كـ«رهان» على الاستثمار السياحى، ويتخذ من الاقتصاد الأزرق أساسًا ومنطقًا فى نطاق أهداف التنمية المستدامة 2030، كما أن «الأزرق» يفتح آفاقًا جديدة لجذب رؤوس الأموال نحو مكاسب اقتصادية تدفع نحو التنمية، ومن هنا برزت سواحلنا فى البحرين المتوسط والأحمر، ليكونا نقطتين محوريتين لاستخدام الاقتصاد الأزرق لدعم الجنيه المصرى وزيادة الاحتياطى النقدى وزيادة فرص التشغيل لإعادة هيكلة الخريطة الاستثمارية بما يعود بالنفع على الاقتصاد القومى، كذلك يلفت النظر إلى كيفية استغلال المقومات والثروات الطبيعية وإقامة مشروعات لليخوت العالمية وجذب مئات العلامات التجارية العالمية فى المطاعم، بالإضافة إلى قطاع السياحة العلاجية وسياحة المعارض.
وتمتلك المنطقة إمكانات هائلة من مقومات، وبالتالى مناخ مناسب لعملية التنمية المستدامة، ويمكن استكمال هذا التجمع بمشروع تنموى يخدم أهداف هذا الاقتصاد، ففى مصر حيث محافظة البحر الأحمر، التى تمتلك فرصًا واعدة استثمارية مهمة فى عدد من المجالات تخدم كلها الاقتصاد الأزرق.
وتعد الثروة السمكية كقطاع اقتصادى من الناحية التقليدية، مجالاً «مدراً» للثروة، ومن المتوقع استمرار هذا القطاع فى التطوير لتلبية الاحتياجات من الثروة السمكية مع تنامى عدد السكان، كما ينظر أيضًا إلى هذا القطاع لتعزيز القدرة التنافسية واستدامة أنشطة تربية الأحياء المائية والبحرية وخلق قيمة مضافة عالمية للطحالب والتقنيات الحيوية.
ويمثل هذا القطاع الحيوى نحو 30 فى المائة من التدفقات السياحية العالمية واستضافة الوجهات السياحية الرائدة فى العالم، ويمكن تحقيق مزيد من التطوير فى هذا القطاع عن طريق تعزيز وجهات مبتكرة سياحية مستدامة آمنة وقدرة أكبر على تطوير البنية التحتية للسياحة الخضراء وتقليل الآثار الموسمية للسياحة الجماعية واستيعاب الرقمية لضمان تنوع السوق والخدمات السياحية.
هذه المنحة الربانية التى تجعلنا نقول «عمار يا مصر»، فهذا الاقتصاد الأزرق وراوفده، هو القطاع المحرك الأساسى للنمو العالمى مع حركة التجارة العالمية لتغطية 80 فى المائة، وهو عنصر مهم لخلق فرص العمل عبر البحرين المتوسط والأحمر، ويتسع مشروع مراسى ريد، لنحو 3 ملايين سائح، ما يعزز ويسهم فى تحسين الاقتصاد الوطنى بإضافة 175 ألف فرصة عمل، فى ظل ما شهدته البلاد من تحسين بيئة الأعمال ومناخ الاستثمار ومحفزات تستهدف فى النهاية تأمين وتحسين حياة البشر، فى ظل استغلال مثالى لقواعد التعامل مع الميزات التنافسية والتمكينية والتفاضلية للطبيعة المصرية الربانية.
ويجب القول إن الاقتصاد الأزرق يتطلب من العالم ضمان مستوى عالٍ من السلامة والأمن والأمان، حتى يكون اقتصادًا أزرق مستدامًا، كما أنه يحتاج إلى الحماية العسكرية بوظائف خفر السواحل التى عُرفت قديمًا.
وتحتاج قطاعات الاقتصاد الأزرق إلى تطوير أنشطة التدريب وتبادل المعلومات وتحسين السلامة البحرية وفقًا للاتفاقيات الدولية للملاحة البحرية، وزيادة القدرة على تفادى الكوارث الطبيعية، أو التى من صنع الإنسان والتصدى لها.
وهنا وقياسًا على ما سبق، فمصر بمقوماتها الجيوسياسية وتفهمها لعبقرية المكان والشخصية التاريخية لأرض الكنانة، وإصرارها على تحقيق التنمية المستدامة فى نفس الوقت، آلت الدولة المصرية على نفسها بتحويل شواطئها إلى موانئ لوجستية نموذجية خضراء، ووضعت استراتيجية التغيرات المناخية 2050، لتتفق مع «صفر - كربون»، بتدعيم الاقتصاد النوعى، وإطلاق بيئة أكثر ملائمة للاستثمار الأزرق، لتعظيم سلاسل القيمة المضافة للبحار والسواحل المصرية.