رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الدقم العُمانية منصة استراتيجية لمستقبل الطاقة النظيفة


12-11-2025 | 10:31

أحمد تركي ... خبير الشؤون العربية

طباعة
بقلم : احمد تركي

تشهد المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم نمواً متسارعاً في بنية قطاع الطاقة والصناعة؛ حيث تحتضن المنطقة مشاريع كبرى تجمع بين الكفاءة التشغيلية، والالتزام البيئي، والتحول الرقمي، لتُرسم من خلالها ملامح نموذج وطني جديد للاستدامة الصناعية في سلطنة عُمان.

تتزامن منجزات هذه المنطقة الواعدة مع حلول بشائر الإحتفال باليوم الوطني المجيد في 20 نوفمبر، بعدما تفضل السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، بإعلان هذا اليوم مناسبة وطنية سنوية، ليكون اليوم الوطني العُماني الأعرق في المنطقة العربية.

تقود منطقة الدقم رحلة التحول التي تتبناها سلطنة عُمان نحو اقتصاد منخفض الكربون، الذي يُعيد تعريف مفهوم الصناعة من منظور بيئي وتقني متكامل؛ حيث تقوم شركات الطاقة بدورها في ترجمة مستهدفات «رؤية عُمان 2040» واستراتيجية الحياد الصفري 2050.

ثلاثة أركان للاستدامة

في قلب هذا التحول تبرز ثلاثة أركان تشكّل منظومة الاستدامة بالمنطقة، فـمصفاة الدقم (OQ8) تُقدّم نموذجًا للصناعة النظيفة التي توازن بين الكفاءة التشغيلية والمسؤولية البيئية والمجتمعية، بينما تعمل الشركة العمانية للصهاريج (OTTCO) على بناء بنية تحتية ذكية لتخزين ونقل الطاقة تعتمد على التحول الرقمي وخفض الانبعاثات، وتُرسّخ شركة مرافق (Marafiq) مفهوم الاقتصاد الدائري من خلال حلول متقدمة لإدارة المياه والطاقة وتوليد الكهرباء بكفاءة عالية وانبعاثات منخفضة.

الركن الأول في منظومة الاستدامة في منطقة الدقم، أن مصفاة الدقم تمكنت من تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والمسؤولية البيئية والمجتمعية، فمنذ بدء تشغيلها الكامل مطلع عام 2024، فقد بلغت طاقتها الإنتاجية القصوى 255 ألف برميل يوميًا، مستفيدةً من كفاءتها التشغيلية العالية وقدرتها على تعظيم الاستفادة من الأصول دون الحاجة إلى توسعات رأسمالية جديدة.

وصدّرت المصفاة منذ بدء التشغيل أكثر من 560 شحنة من المنتجات البترولية إلى الأسواق العالمية دون تسجيل أي حوادث تشغيلية، وهو ما يعكس مستوى الجاهزية التقنية والتشغيل الآمن، وفي أغسطس الماضي بلغ معدل الصادرات نحو 295 ألف برميل يوميًا، وهو أعلى معدل تصدير شهري منذ التشغيل الكامل، ما يؤكد استقرار العمليات وثقة الأسواق الدولية في جودة المنتجات العُمانية.

 

وعلى الصعيد الفني، اجتازت المصفاة اختبار الموثوقية من المقرضين من المحاولة الأولى خلال عشرة أشهر فقط، وهو إنجاز استثنائي على مستوى مشاريع التكرير العالمية، وتعتمد تصميماتها على أحدث وحدات التكرير المتطورة التي تمكّنها من إنتاج مزيج متنوع من المنتجات ذات القيمة العالية مثل الديزل، والنافثا، ووقود الطائرات، وغاز البترول المسال، في حين تشكّل المقطرات الوسطى أكثر من نصف الصادرات بفضل تركيزها على الوقود النظيف ومنخفض الكبريت.

وفي جانب الاستدامة البيئية، تبنت الدقم منظومة متكاملة تشمل الطاقة الشمسية وإدارة المياه والنفايات؛ حيث تم تركيب منظومة شمسية على مساحة 47 ألف متر مربع تولّد 6.2 جيجاواط في الساعة سنويًا من الكهرباء النظيفة، وتسهم في خفض الانبعاثات الكربونية، كما تمكنت المصفاة من إعادة استخدام أكثر من 3.4 مليون متر مكعب من المياه خلال عام واحد، وتحويل 85% من النفايات الخطرة إلى طاقة ضمن نهج الاقتصاد الدائري.

وبشأن الأثر الاقتصادي على السوق المحلي، بلغ إجمالي الإنفاق على المشتريات المحلية 412.4 مليون دولار أمريكي خلال عام 2024، منها 38.9 مليون دولار للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما نفّذت أكثر من 30 مبادرة مجتمعية في مجالات التعليم والبيئة وريادة الأعمال، واستفاد منها أكثر من 31 ألف مستفيد مباشر، وارتفعت نسبة التعمين إلى 67.5 بالمائة، وبلغت ساعات التدريب 22 ألف ساعة خلال عام واحد.

وأصبحت المصفاة اليوم نموذجًا للتميّز الصناعي والتشغيل المستدام لتعيد تعريف مفهوم الصناعة نحو مسؤولية أكبر تجاه الإنسان والمجتمع والبيئة، وتعد أحد أكبر مشاريع التكرير الحديثة في الشرق الأوسط حيث تمثل اليوم رمزًا للتحول من الصناعة التقليدية إلى الصناعة المستدامة، وتتكامل فيها التقنيات المتقدمة مع منظومة متكاملة لإدارة الموارد، لتجعل من الدقم منصة استراتيجية لمستقبل الطاقة النظيفة.

الركن الثاني في منظومة استدامة الطاقة المتكاملة، تمثل الشركة العُمانية للصهاريج "أوتكو" الذراع اللوجستية الذكية لقطاع التخزين والنقل في الدقم، ومكوّنا أساسيًا في بنية الطاقة الوطنية الحديثة. فمنذ بدء تشغيل مشروع التخزين في رأس مركز وتشغيل الرصيف النفطي بميناء الدقم قبل أكثر من ثلاث سنوات، استطاعت الشركة أن ترسّخ مكانتها كأحد أنجح نماذج الإدارة المستدامة للبنية الأساسية النفطية في المنطقة.

إذ تولي الشركة العمانية للصهاريج، الاستدامة أولوية رئيسية في جميع مراحل تطوير وتشغيل مشاريعها، والتجربة التشغيلية أثبتت كفاءة المشروع وقدرته على المواءمة مع المعايير البيئية والتقنية. ذلك أن التطور السريع في قطاع التخزين والنقل يتطلب مواءمة مستمرة للتقنيات والمفاهيم الحديثة لضمان جاهزية البنية التحتية المستقبلية، وأن الشركة تعمل على استقطاب استثمارات نوعية وشراكات تقنية تدعم استدامة مشاريعها على المدى الطويل.

وقد أصبح التحول الرقمي ركيزة أساسية في استراتيجية "أوتكو" التشغيلية، حيث يتم تطبيق أنظمة التحكم والمراقبة المتقدمة المرتبطة بجميع الوحدات التشغيلية وذلك في منظومة مركزية تتيح إدارة العمليات لحظياً وتحليل البيانات التشغيلية بدقة عالية، الذي بدوره يعزز كفاءة اتخاذ القرار وسرعة الاستجابة لأي متغيرات تشغيلية، كما تعتمد الشركة على أنظمة الصيانة التنبؤية التي تمكن من رصد أداء المعدات والتنبؤ بالأعطال المحتملة ومعالجتها استباقياً، الأمر الذي يرفع من موثوقية الأصول ويقلل فترات التوقف ويخفض الانبعاثات التشغيلية.

وتتبنى "أوتكو" حلولًا متطورة مثل المراقبة الذكية وتحليل البيانات المتقدمة، ضمن ثقافة التحسين المستمر التي تُعد من أبرز سمات بيئة العمل في القطاع، وبشأن الشراكات الدولية، وقعت "أوتكو" اتفاقية استراتيجية مع شركة "فوباك" الهولندية في مجال تخزين ونقل الهيدروجين الأخضر والمحروقات، والتي تمثل خطوة متقدمة نحو تبادل الخبرات وتطبيق أفضل الممارسات العالمية لتمهيد الطريق نحو تطوير مشاريع مستقبلية في مجال الطاقة النظيفة وتخزين الهيدروجين في الدقم.

إذ تعمل "أوتكو" حاليًا على خارطة طريق شاملة لتوسيع مشاريعها واستيعاب المشاريع الاستراتيجية المستقبلية، من خلال الاستخدام الأمثل للبنية التحتية القائمة في ميناء الدقم والاستفادة القصوى من التقنيات الحديثة لتقليل التكاليف التشغيلية وضمان جاهزية المرافق لتلبية احتياجات المرحلة القادمة.

ويمكن القول أن رؤية الشركة المسقبلية تتكامل وتنسجم مع توجه سلطنة عمان نحو التحول الطاقي والحياد الكربوني بحلول عام 2050 ، باعتبار أن التكنولوجيا والتحول الرقمي هما المسار الأنجح لبناء صناعة نفطية نظيفة ومرنة، وأن التكامل بين الكفاءة التشغيلية وحماية البيئة هو ما سيصنع التميز في المرحلة القادمة.

أما الركن الثالث في مثلث الاستدامة بالدقم، وتمثله شركة "مرافق" من خلال إدارتها الذكية للبنية التحتية للطاقة والمياه، وحرصها على تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري لضمان الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، إذ تقوم استراتيجيتها على تعزيز استدامة الموارد الطبيعية من خلال توظيف تقنيات خافضة للانبعاثات الكربونية في التوربينات الغازية والبخارية لإنتاج الطاقة الكهربائية، إلى جانب تطوير حلول متقدمة لمعالجة مياه البحر وتحويلها إلى مياه صناعية عالية الجودة تستخدم في عمليات التصنيع البتروكيماوي والتحويلي بالدقم.

وتبنت "مرافق" منذ المراحل الأولى للمشروع سياسة الاقتصاد الدائري في معالجة مياه البحر؛ لضمان استدامة الموارد البحرية وحماية السواحل، وصُممت وحدات التحلية لإعادة استخدام المياه عدة مرات داخل النظام الصناعي، مع تطبيق فلترة دقيقة لمياه التصريف وتحويلها إلى مخلفات صديقة للبيئة، كما تعتمد هذه الوحدات على توربينات عالية الكفاءة تستخدم الهواء بدل المياه في عملية تكثيف البخار وإعادة استخدامه، وهي تقنية متقدمة تسهم في ترشيد استهلاك المياه وتعزيز الكفاءة الحرارية للمحطات.

تأتي هذه الجهود ضمن رؤية "مرافق" الرامية إلى تحويل عمليات الطاقة والمياه إلى منظومة مغلقة عالية الكفاءة، تحقق الاستدامة التشغيلية وتخفض الانبعاثات في الوقت نفسه، وبشأن الخطط المستقبلية، تعمل "مرافق" على تعظيم الاستفادة من البنية الأساسية القائمة لمواكبة النمو الصناعي السريع في الدقم، مع تنويع مصادر الطاقة بين الوقود الأحفوري والمصادر المتجددة؛ لضمان أن تظل كلفة الطاقة والمياه تنافسية وفي متناول المستثمرين.

إجمالاً يمكن القول أن المشروع العُماني الجديد في منطقة الدقم، يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز المكتسبات الواسعة التي حققتها سلطنة عُمان في مسارها نحو الاستدامة في مختلف القطاعات، منذ بدء تنفيذ "رؤية عُمان 2040"، وخاصة في مجال التحول نحو الحياد الكربوني الصفري عام 2050، وتعزيز الطاقة الخضراء والمتجددة، وفقاً لمبدأ التكامل بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية البيئية، والتنمية الصناعية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة