تكتب مصر فصلًا جديدًا فى حكاية الحضارة الإنسانية بافتتاح المتحف المصرى الكبير، هذا الصرح الفريد الذى يجمع بين عبق التاريخ وروح العصر؛ ليؤكد أن مصر قادرة دائمًا على تحويل تراثها إلى طاقة بناء ونهضة، فالمتحف ليس مجرد مشروع أثرى أو سياحي، بل هو أحد أهم المشروعات الوطنية التى تجسد رؤية الدولة المصرية الحديثة فى استعادة مكانة حضارتها العريقة وتقديمها للعالم فى ثوب يليق بتاريخها وإنسانها.
لقد أصبح المتحف المصرى الكبير رمزًا لمرحلة جديدة من البناء الوطني، تتكامل فيها مشروعات البنية التحتية مع المشروعات الثقافية والبيئية، ليبقى الإنسان المصرى فى قلب عملية التنمية، ومنذ انطلاق العمل فى المشروع، كان التنسيق بين الوزارات والهيئات مثالًا يُحتذى فى الإدارة الرشيدة والتكامل المؤسسى، ما جعل منه نموذجًا للتخطيط الدقيق والتنفيذ المتقن.
ويمثل هذا الصرح الحضارى نقطة انطلاق تنموية جديدة؛ إذ لا يقتصر أثره على السياحة والثقافة فحسب، بل يمتد إلى تطوير المنطقة المحيطة، وخلق فرص عمل جديدة، وتنشيط الصناعات التراثية والخدمات المحلية. وبهذا يصبح المتحف نموذجًا لتكامل التنمية المكانية مع التنمية الثقافية، بما يحقق مردودًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا للمجتمع المحلي.
وإيمانًا بأن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن الحفاظ على البيئة، حرصت الدولة على أن يكون المتحف المصرى الكبير متحفًا أخضر صديقًا للبيئة ومحايدًا كربونيًا، ليكون الأول من نوعه فى الشرق الأوسط الذى يطبق معايير الاستدامة البيئية الكاملة، وقد تولت وزارة البيئة، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائى (UNDP) ومرفق البيئة العالمى (GEF)، تنفيذ خطة شاملة للتحول الأخضر بالمتحف.
وتشمل هذه الخطة منظومة عمل متكاملة تركز على الاعتماد على الطاقة الشمسية كمصدر رئيسى للكهرباء، بما يساهم فى خفض البصمة الكربونية، ويحوّل المتحف إلى نموذج للاكتفاء الذاتى من الطاقة النظيفة، كما تتضمن تطبيق نظم ذكية لترشيد استهلاك المياه والطاقة، وإدارة المخلفات وإعادة التدوير وفق المواصفات العالمية، إلى جانب إعداد تقييم شامل للبصمة الكربونية وتنفيذ مشروعات تعويض الانبعاثات، مثل التشجير والطاقة المتجددة، تحقيقًا للحياد الكربونى الكامل.
ولا يقتصر التميز البيئى للمتحف على بنيته التحتية، بل يمتد إلى رسالته التوعوية، حيث يحمل للزائرين من مختلف دول العالم دعوة صادقة للتأمل فى العلاقة بين الإنسان والبيئة، وبينما يتجول الزائر بين أروقة التاريخ المصرى القديم، سيجد عناصر تعريفية توعوية تبرز جهود الدولة المصرية فى الحفاظ على الموارد الطبيعية ومواجهة التغيرات المناخية، تأكيدًا على أن الحفاظ على التراث لا ينفصل عن حماية كوكب الأرض.
إن هذا المشروع العملاق يجسد رؤية مصر 2030 التى تجعل من الاستدامة محورًا أساسيًا لكل خطط التنمية، ويرسخ مفهوم أن الاستثمار فى الوعى والهوية لا يقل أهمية عن الاستثمار فى المشروعات المادية. فمصر التى شيدت الأهرامات، هى نفسها التى تبنى اليوم المتحف المصرى الكبير؛ لتقول للعالم إن الحضارة ليست ذكرى جامدة، بل مسيرة مستمرة من الإبداع والإنجاز، يقودها شعب يعرف قيمة ما ورثه ويصنع من تاريخه طاقة لمستقبله.
وفى وزارة التنمية المحلية، ننظر إلى هذا الصرح باعتباره نموذجًا للإدارة المحلية الواعية التى تضع المواطن فى قلب التنمية، وتربط بين الماضى والمستقبل فى إطار من العمل والعزيمة.
وختامًا، فإن المتحف المصرى الكبير لا يمثل فقط أعظم صرح أثرى فى العالم، بل أيقونة خضراء وشهادة على أن الحفاظ على التراث الإنسانى يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع حماية البيئة، إنه رسالة مصر الجديدة إلى العالم: أن التنمية والأصالة يمكن أن تلتقيا فى نقطة ضوء واحدة.. اسمها المتحف المصرى الكبير.