ها هى مصر، أمّ الدنيا ومهد الحضارة، تفتح للعالم نافذةً جديدة على مجدها الخالد، مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، ذاك الصرح الذى سيقف شاهدًا على عظمة أمةٍ علّمت الدنيا كيف يكون الإبداع، وكيف تُسطّر الحضارة بالحجر والروح والفكر.
فى هذه اللحظة المهيبة من تاريخ الوطن، يفيض القلب فخرًا واعتزازًا، وتعلو فى الذاكرة كلمات شاعر النيل حافظ إبراهيم، حين جعل مصر تقول:
"وقف الخلق ينظرون جميعًا ** كيف أبنى قواعد المجد وحدى"
وها هى اليوم تُعيد بناء المجد مرة أخرى، لا فى معبدٍ أو قصرٍ أو جيشٍ منتصر، بل فى متحفٍ يجمع ماضيها وحاضرها، يروى للأجيال قصة الإنسان الذى واجه الزمان بالإرادة والذكاء والجمال.
المتحف المصرى الكبير ليس مجرد بناء من حجرٍ وزجاجٍ وضياء، بل هو وعدٌ جديد من مصر لنفسها وللعالم. وعدٌ بأن تبقى قبلةً للحضارة، وسطرًا خالدًا فى كتاب الإنسانية. كل قطعة أثرية فيه ليست مجرد أثرٍ من الماضى، بل شاهدٌ على أن المصرى لم يكن يومًا عابرًا فى التاريخ، بل هو صانع التاريخ نفسه.
مَن يتأمل هذا الصرح يُدرك أن مصر لا تنظر إلى الوراء لتتغنى بمجدٍ مضى، بل لتُعيد اكتشاف ذاتها. فهنا، على ضفاف الأهرام، حيث نُحتت أولى معانى الخلود، تتجدد الروح المصرية فى أبهى صورها، لتقول كما قال الشاعر:
"أنا تاجُ العلاءِ فى مفرقِ الشرقِ ** ودُرّتُهُ فَرائد عِقدى"
إنها مصر التى ما زالت تتصدر الشرق عزةً وجمالاً، تجمع بين أصالة الماضى ونبض المستقبل.
المتحف المصرى الكبير هو تحية للأجداد الذين حفروا فى الصخر أسماءهم، وبنوا بأيديهم حضارةً لا تُمحى، وهو أيضًا عهدٌ للأحفاد أن يسيروا على الدرب ذاته، حاملين مشعل النور والمعرفة.
فكل قاعة فيه تحكى قصة، وكل تمثالٍ يروى سرًّا من أسرار الروح المصرية التى لا تعرف إلا البقاء والعظمة.
ومع الافتتاح، لا يسع القلب إلا أن يزداد فخرًا وامتنانًا. فها هى مصر — التى وقفت يومًا تقول للعالم: "إن مجدى فى الأولين عظيمٌ *أى فضلٍ لغيرى فى الخَلْقِ يُهدى؟"
تُجدد اليوم عهدها مع المجد ذاته، وتستعد لتُبهر العالم من جديد.
إن افتتاح المتحف المصرى الكبير ميلاد جديد لروحٍ قديمة لا تموت، وإعلان بأن مصر بكل ما فيها من تاريخٍ وكرامةٍ وعطاء ما زالت حيةً نابضة، قادرةً على أن تجمع بين الأمس والغد فى لحظةٍ من الجمال الأبدى.
سلامٌ على مصر، فى ماضيها العظيم وحاضرها الواعد ومستقبلها المشرق.
وسلامٌ على كل يدٍ تبني، وكل قلبٍ يؤمن أن هذه الأرض لم تعرف إلا العظمة، ولن تعرف سواها.