رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

شاهد على عبقرية المصرى عبر العصور


6-11-2025 | 10:30

.

طباعة
بقلم: د. محمد داود.. خبير المياه الدولى

فى لحظة تاريخية تعانقت فيها الأصالة بالحضارة، والفخر بالمجد، احتفلنا فى الأول من نوفمبر 2025 بافتتاح المتحف المصرى الكبير، هذا الصرح الفريد الذى يجسد روح مصر الخالدة ويُعيد إلى العالم ذاكرة حضارة إنسانية لا يوجد لها مثيل، والتى سُطرت على ضفاف نهر النيل.

إنه ليس مجرد متحف، بل هو رسالة من أرض الكنانة إلى كل شعوب الأرض، تؤكد أن مصر كانت وما زالت منارة للحضارة ومهدًا للعلم والإبداع والإرادة الإنسانية.

إن افتتاح هذا المتحف ليس مجرد حدث ثقافى أو سياحى، بل هو تجسيد لرؤية مصر الحديثة التى تسعى إلى ربط حاضرها بماضيها العريق، وإلى تقديم تاريخها للعالم فى أبهى صورة.

فالمتحف المصرى الكبير يُعد أكبر متحف أثرى فى العالم مخصص لحضارة واحدة، يضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية تمثل مسيرة آلاف السنين من الإبداع الإنساني، بدءًا من عصور ما قبل التاريخ حتى نهاية العصر الفرعونى. وقد أُنشئ ليكون منصة عالمية للحوار الثقافى والتبادل الحضارى، تعيد تعريف دور مصر كقلب نابض للحضارة الإنسانية.

على ضفاف النيل شريان الحياه، ولدت أعظم حضارة عرفتها البشرية. هناك، فى طمى النهر الطيب، تعلّم المصرى القديم أن الماء حياة، وأن الزراعة بقاء. فغرس البذور بيدٍ تؤمن بالعطاء، وشق الترع بذكاءٍ وإصرارٍ يليقان بملحمة الخلود. كان النيل هو المعلم الأول، والمزارع المصرى هو التلميذ الذى فَهِم دروس الطبيعة فحوّلها إلى نظام حياة، وإلى حضارة ازدهرت بالعمل والابتكار والتنظيم.

لقد كانت الزراعة والمياه فى قلب الحضارة المصرية القديمة، فالنيل العظيم لم يكن مجرد نهرٍ يروى الأرض، بل كان شريان الحياة الذى صنع من الصحراء جنة خضراء، ومن المصرى القديم فلاحًا مبدعًا استطاع أن يحوّل فيضانه إلى نعمة تدفع عجلة البناء لواحدة من أعظم الحضارات الإنسانية الباقية حتى الآن.

على ضفتيه نشأت القرى والمدن، وتكوّن نظام اجتماعى واقتصادى متكامل، فكان المصرى القديم أول من ابتكر نظم الرى والسدود، وأول من نظم التقويم الزراعى الذى يحدد مواسم البذر والحصاد بدقة مدهشة. ومن رحم هذا الإبداع الزراعى وُلدت مفاهيم العدالة والإدارة والتنظيم، التى أصبحت أساس الدولة المصرية القديمة خلال عصور ثلاثين أسرة منذ العام 3200 قبل الميلاد. ويعكس المتحف المصرى الكبير أهمية الزراعة والمياه فى تشكيل هوية مصر القديمة، حيث يحتضن بين جدرانه قطعًا أثرية نادرة تُبرز علاقة المصرى بالنيل والأرض، من أدوات الحرث والريّ، إلى النقوش التى تخلّد مواسم الفيضان والحصاد. كما تُبرز القاعات المهيبة كيف ارتبطت الزراعة بالدين والفن والعمران، وهو ما يعكس تقدير المصريين القدماء لقيمة الماء كمصدر للحياة والخصب والنماء.

ومن هنا، فإننى كمصرى أولًا وباحث ومحب لدراسة الحضارات القديمة أشعر بالفخر الشديد وأنا أرى حلم أجيال من العلماء والمهندسين والأثريين يتحقق فى هذا الصرح العظيم والمبهر، الذى يقف شاهدًا على عبقرية المصرى عبر العصور.

فكما أبدع أجدادنا فى الهندسة والفلك فبنوا المعابد والأهرامات التى ما زالت تحتفظ بالكثير من أسرارها التى لم تكتشف حتى الآن، يبدع اليوم أبناء مصر فى تشييد متحف يجمع بين التراث والتكنولوجيا الحديثة، ويُظهر للعالم أن مصر قادرة على صون ماضيها وبناء مستقبلها بثقة وإبداع.

وسوف يبقى حدث افتتاح المتحف المصرى الكبير علامة مضيئة فى تاريخ الوطن، ورسالة أمل إلى الإنسانية بأن مصر، أرض النيل والزراعة والماء، ما زالت تنبض بالحياة والعطاء، وتواصل دورها الريادى فى بناء الحضارة وإلهام العالم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة