رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حضارة كتبت التاريخ


5-11-2025 | 15:54

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

المتحف المصرى الكبير ليس مجرد متحف وأهميته لسيت لأنه أكبر متحف فى العالم من حيث عدد الآثار المعروضة، ولكنه دليل على استمرارية الحضارة المصرية الممتدة منذ آلاف السنين ومستمرة حتى يومنا؛ فالمتحف المصرى الكبير هو دليل على الشخصية المصرية المستمرة، والتى لم تنته عند حضارة المصريين القدماء التى مازالت حتى يومنا لم نستطع أن نكتشفها بالكامل، ولكننا استطعنا على مر آلاف السنين من الحفاظ عليها والاهتمام بها، رغم كل محاولات الاحتلال المتعاقبة على محو الهوية المصرية والقضاء على الشخصية المصرية الممتدة عبر آلاف السنين، فمصر عرفت الرسم والفنون والموسيقى والكتابة والطب والزراعة والتجارة والهندسة والبناء وأول من عرفت الذهب والمعادن وغيرها قبل التاريخ، وهذا المتحف المصرى الكبير أكبر دليل على أن مصر كتبت التاريخ للعالم، وكانت حضارتها أول حضارة يعرفها العالم وليس ذلك فقط، ولكنها حضارة استمرت آلاف السنين رغم وجود حضارات جاءت بعدها ولكن أغلبها اندثر.

تصميم المتحف المصرى الكبير دليل قوى على استمرار الحضارة المصرية القديمة، وأن الشعب المصرى يحمل جينات الآباء والأجداد، وأن المصرى قادر على الاستمرار فى إبهار العالم مهما حدث من فترات تراجع للدولة، ولكنها لا تموت أو تندثر وأنها مستمرة فى دورها الرائد بالمنطقة، بل وللعالم أجمع.

حدث افتتاح المتحف المصرى الكبير التى استحوذ على اهتمام كل وسائل الإعلام العالمية، وبحضور كل هذا الكم من القادة والزعماء والرؤساء والمهتمين هو دليل قوى وواضح على أهمية مصر وأهمية الحضارة المصرية، وهنا أحب أن أوضح نقطة أشرت لها فى مقال سابق، وهى أن هناك أجيالا جديدة فى المجتمع لا تعى أهمية تلك الآثار، نظرا لكثرتها فى مصر فلا تعرف قيمتها ولا تقدرها، كما يعرفها العالم ويقدرها فبعض أبناء الجيل الجديد من أبناء السوشيال ميديا ينظرون إليها كحجارة بدون وعى حقيقى بما تمثله من حضارة، ولكن أعتقد أن بعد الاهتمام العالمى بهذا الحدث الكبير علينا أن نعمل على تغيير ذلك المفهوم عند الجيل الجديد..

المتحف ليس صرحًا حضاريًا وثقافيًا وترفيهيًا عالميًا متكاملا فقط، ولكنه الوجهة الأولى لكل من يهتم بالتراث المصرى القديم، كأكبر متحف فى العالم يروى قصة تاريخ الحضارة المصرية القديمة، حيث يحتوى على عدد كبير من القطع الأثرية المميزة والفريدة من بينها كنوز الملك الذهبى توت عنخ آمون، والتى تعرض لأول مرة كاملة منذ اكتشاف مقبرته فى نوفمبر 1922، بالإضافة إلى مجموعة الملكة حتب حرس أم الملك خوفو مشيد الهرم الأكبر بالجيزة، وكذلك متحف مراكب الملك خوفو، فضلا عن المقتنيات الأثرية المختلفة منذ عصر ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليونانى والرومانى.

الأعمال الفنية والآثار لا تقدر بثمن وهى دليل على حضارة الشعوب وتاريخهم ووسيلة قوية تسهم فى تشكيل وتوثيق الهوية الثقافية للأمم والشعوب ونقلها إلى الأجيال المتعاقبة، لذا كانت كل محاولات أى مستعمر على مدار التاريخ أن يمحو آثار البلد المحتل أو فنونه أو ثقافته ولغته لضمان استمرار أطول فترة زمنية كمستعمر، وهذه حقيقة فهناك العديد من النماذج لدول نالت استقلالها، ولكنها فقدت هويتها الوطنية ومازالت تتحدث بلغة دولة الاستعمار وبثقافته ولا يمكن أن ننسى ما فعله هتلر خلال الحرب العالمية الثانية بنهب كل التحف والآثار والأعمال الفنية..

فى كل بلد يحتلها ليمحو الهوية وتاريخ تلك الدول، ولكن دول التحالف انتبهت إلى تلك الخطة وتأكدت أن النصر فى المعركة الحربية لن يكون له معنى يذكر إذا ضاعت الكنوز الفنية للحضارة الغربية، وأن هذه الآثار والأعمال الفنية هى ملك للبشرية، وهى تشكل تاريخ وهوية أجيال من المبدعين ولابد من الحفاظ عليها..

واستطاعت دول التحالف أن تخوض معركة أخرى لاسترداد كنوز الحضارة الغربية، حيث استعادت كميات هائلة من الأعمال الفنية أكثر من 5 ملايين عمل، والعديد من العناصر الأخرى ذات الأهمية الثقافية أبرزها ثمانية أعمال من لوحة «عبادة الحمل» للفنان جان فان إيك، والتى تعتبر واحدة من روائع الفن الأوروبى فى القرن الخامس عشر.. وفى إحدى لوحات المذبح، تجلس مريم العذراء، وهى ترتدى تاجًا من الزهور، تقرأ كتابًا وغيرها من الأعمال النادرة..

هذا مجرد نموذج فقط، ولكن فى مصر رغم الاحتلال التى شهدته لسنوات كثيرة على مر التاريخ لم تتأثر بالحضارات المختلفة وظلت اللغة العربية المصرية والثقافة والفنون والعادات والتقاليد كما هى، فالهوية أو الشخصية المصرية كانت أقوى من أى محتل بل على العكس كانت الشخصية المصرية هى التى تطغى على المحتل وكأن آثار المصريين القدماء تبث الجينات للأجيال المتعاقبة تحمل الهوية والشخصية المصرية الأصيلة..

المشهد البديع الذى شاهده العالم أجمع فى افتتاح المتحف المصرى الكبير هو شهادة عالمية بأن الحضارة المصرية ممتدة عبر آلاف السنين، ومازالت مستمرة، وكمواطن مصرى أشعر بالفخر بهذا الحدث العالمى ومدى روعة التنظيم والإعداد له، والذى أسهم فيه الجميع، فلا نستطيع أن ننسب الفضل لاسم شخص، ولكن الفضل هنا يجب أن ينسب لاسم مصر والمصريين؛ فالافتتاح ليس مجرد حفل تابعه العالم، ولكنه مجهود سنوات من العمل ومجهود متكامل بين كل الوزارات والهيئات وحتى الشعب لاستقبال كل هذا الكم الهائل من الضيوف من مختلف أنحاء العالم للمشاركة فى هذا الحدث العالمى.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة