وعبّر المثقفون والفنانون والكتاب عن مشاعر فخر غامرة، مؤكدين أن المتحف ليس فقط بيتًا للآثار، بل رمزٌ لقدرة المصريين على صناعة المعجزات فى زمن يموج بالتحديات. رأى فيه البعض «وثيقة حبٍّ لمصر القديمة»، واعتبره آخرون «جسرًا يربط الماضى بالحاضر، ويُمهّد لمستقبل تُصبح فيه الثقافة قاطرة التنمية».
ومنذ الإعلان عن موعد الافتتاح، تحوّل الحديث عن المتحف إلى ما يشبه المهرجان الوطنى فى الأوساط الثقافية، حيث تصدّرت الصور والمقالات والتدوينات منصات المثقفين، الذين رأوا فى الحدث انتصارًا لسنوات من العمل الصامت والإخلاص لمشروع يُعيد الاعتبار للهوية المصرية أمام العالم.
وكان احتفاء المثقفين بالمتحف احتفاءً بالذات المصرية ذاتها؛ تلك التى خطّت على جدران التاريخ أولى الحروف، ونحتت فى وجدان الإنسانية معنى الجمال والخلود، ومن قلب هذا الافتتاح، عاد الحديث بقوة عن أهمية الثقافة كقوة ناعمة توازى فى تأثيرها أعظم الإنجازات السياسية والاقتصادية، لتؤكد مصر — من جديد - أنها ما زالت قادرة على أن تكون منارة للفكر والفن والحضارة.
وفى خضم هذا الزخم التاريخى والاحتفال العالمى، تنوعت رؤى المثقفين المصريين الذين عبّروا عن فخرهم وسعادتهم بالافتتاح، كلٌّ بطريقته الخاصة. فالبعض رأى فى المتحف رسالة للعالم تؤكد أن الحضارة المصرية لا تزال نابضة بالحياة، وأنها قادرة على تجديد نفسها جيلاً بعد جيل، فيما اعتبر آخرون أن الافتتاح يمثل لحظة فارقة فى تاريخ الثقافة المصرية المعاصرة، تُعيد إلى المشهد العام روح الإبداع والانتماء فقد وجدوا فى هذا الصرح مصدر إلهام جديد يربط بين الماضى المجيد والحاضر المتطلع للمستقبل، مؤكدين أن مصر، بتاريخها وثقافتها، كانت وستظل قبلة للفكر والجمال.
الكاتب عبدالرحيم كمال عبر عن سعادته بهذا الافتتاح العظيم، إذ قال «أنا شخصيا فى قمة سعادتى، بهذا الحدث الهام جدا والمبهر جدا نحن كنا بحاجة إلى جرعة من الثقة بوعينا وهويتنا ودورنا ليس فقط فى المنطقة بل فى العالم أجمع، ومصر شجرةٌ عتيقةُ الجذور، تمتد أصولها فى عمق الأرض منذ فجر التاريخ، وتعلو فروعها نحو السماء».
«كمال» لفت إلى أن «المتحف من شأنه تنشيط السياحة فى مصر، كما تجدد إحساس الإنسان المصرى بقيمته وتاريخه»، مشددا أن هذا الحدث العظيم سوف يعود بالفائدة الاقتصادية والسياسية وحتى الإنسانية والنفسية.
وأضاف أن «اللحظات التى نعيشها الآن هى خطوة من خطوات مصر التاريخية، وبالتأكيد هذا يزيد فخرنا بعمق تاريخنا المصرى الذى ما زلنا حتى الآن نستكشف أسرارا جديدة فيه»، وأوضح، أن «أهمية المتحف المصرى الكبير تكمن فى كونه ليس مجرد صرح معمارى مهيب أو مشروع حضارى ضخم، بل خزانة فريدة لذاكرة الإنسانية، تضم بين جدرانها كنوزًا لا مثيل لها فى أى مكان آخر من العالم فكل قطعة أثرية داخله تحكى قصة مختلفة من قصص الحضارة المصرية، وتكشف جانبًا من عبقرية الإنسان المصرى القديم الذى شيّد أعظم حضارة عرفتها البشرية، يضم المتحف مجموعات نادرة لم تُعرض من قبل، يأتى فى مقدمتها كنوز الملك توت عنخ آمون كاملةً لأول مرة، إلى جانب مئات القطع التى ظلّت حبيسة المخازن لعقود طويلة، تنتظر لحظة ميلادها الجديد أمام عيون العالم».
وذكر: لعل ما يميّز هذا المتحف عن غيره أنه لا يكتفى بعرض التاريخ، بل يُعيد تقديمه برؤية معاصرة تُبرز عظمة الماضى وتستشرف المستقبل، ليصبح شاهدًا على أن مصر — بجذورها الضاربة فى أعماق الأرض وفروعها الممتدة نحو السماء — ما زالت قادرة على أن تُدهش العالم بما تمتلكه من حضارة متجددة وروح لا تنطفئ.
كما أشاد «عبدالرحيم» بجهود الدولة المصرية لخروج الافتتاح فى أبهى صورة له، إذ قال إن «هذه جهود تليق بمكانة الدولة المصرية مثلما برع أجدادنا فى صنع هذه العظمة».
وأوضحت الكاتبة فريدة الشوباشى، أن «افتتاح المتحف المصرى الكبير يعد فخرا عظيما للمصريين، ويؤكد ويوثق عمق وعظمة الحضارة المصرية القديمة والعبقرية المصرية»، مضيفة أن كلمات الشاعر العظيم حافظ إبراهيم حين قال «وَبُناةُ الأَهرامِ فى سالِفِ الدَهرِ كَفَونى الكَلامَ عِندَ التَحَدّي» ليست مجرد بيت من الشعر، بل هى صرخة فخر خالدة تختصر تاريخ أمة بأكملها، كلمات ستظل تعيش فى وجدان كل مصرى لأنها تُجسّد روح الحضارة المصرية التى سبقت الزمان وتحدّت المكان، فمصر التى شيدت الأهرامات قبل آلاف السنين، وقدّمت للعالم أول ملامح العلم والفكر والفن، لا تحتاج إلى أن تتحدث عن عظمتها، فآثارها تشهد، وتاريخها يتكلم عنها فى كل لحظة، إن هذه الكلمات الخالدة باقية ما بقيت الإنسانية، لأنها تعبّر عن حضارة لم تعرف الانكسار، وشعب لا يعرف المستحيل.
وأضافت: ليس فى العالم أمة تملك من التاريخ والمجد والإنجازات ما تملكه مصر؛ فهى منارة العلم، ومهد الحضارة، وأم الدنيا التى علمت البشرية معنى البناء والتحدى، لذلك سيظل اسم مصر محفورًا فى ذاكرة الزمن، وستبقى كلمات حافظ إبراهيم رمزًا للفخر والاعتزاز بجذورنا الممتدة فى أعماق التاريخ، وفروعنا التى تمتد نحو المستقبل بكل قوة وإصرار.
وروت «الشوباشي» قائلة: عندما كنت فى باريس، شاهدت العديد من الأفلام الوثائقية التى تناولت حيرة العلماء والباحثين حتى يومنا هذا فى كيفية بناء الأهرامات. وبرغم كل ما حققته البشرية من تقدم علمى وتكنولوجى مذهل، ورغم دخولنا عصر الذكاء الاصطناعى (AI) الذى غيّر ملامح العالم، فإن سرّ بناء الأهرامات ما زال لغزًا محيّرًا لم يتمكن أحد من فك شفرته. لقد وقفت أمام تلك الوثائقيات مندهشة وأنا أتابع اعتراف كبار العلماء بأنهم رغم امتلاكهم أحدث التقنيات والآلات العملاقة، لم يستطيعوا حتى الآن تفسير الكيفية التى استطاع بها المصرى القديم رفع تلك الأحجار الجرانيتية الهائلة إلى هذا الارتفاع المذهل، بدقة هندسية وإبداع معمارى يبهر العقول.
وذكرت أن «هذه الدهشة العالمية ليست مجرد إعجاب بإنجاز هندسى، بل هى شهادة خالدة على عبقرية المصرى القديم الذى سبق عصره بآلاف السنين. فالأهرامات ليست فقط قبورًا ملكية، بل هى تجسيد لقدرة الإنسان المصرى على تحويل الحلم إلى واقع، والإيمان إلى عمل، والعلم إلى بناء خالد يقف شامخًا متحديًا الزمن».
وأكدت أن ما يشهده العالم من انبهار متجدد بالأهرامات هو دليل على أن حضارتنا لا تزال حية تنبض فى ضمير الإنسانية، وأن المصريين المعاصرين يحملون فى جيناتهم ذات العبقرية التى شيّدت تلك المعجزة قبل سبعة آلاف عام، «لقد شعرتُ حينها – وأنا أشاهد تلك الأفلام – أننى أنتمى لشعبٍ عظيم لا يعرف المستحيل، وأن تراب مصر ما زال يروى حكاية المجد من جيل إلى جيل».
الروائية هالة البدرى قالت إن «عظمة الحضارة المصرية تكمن فى كونها طبقات متراكمة من التنوع الحضارى والإنسانى، إذ امتزج فيها المصرى القديم باليونانى الرومانى، ثم القبطى والإسلامى، لتتشكّل منها لوحة فريدة من الثقافات التى تعاقبت على أرض واحدة. وأوضحت أن هذا التنوع الثقافى الخلّاق نابع من تفاعل مصر الدائم مع شعوب البحر المتوسط، مما كوَّن هوية مصرية مميزة قادرة على استيعاب كل ما هو إنسانى، وإعادة تقديمه بروحها الخاصة».
وأضافت هذه الهوية المصرية الفريدة بطبيعتها يجب أن تقدم نفسها دائمًا فى أبهى صورة، ليس بوصف ذلك تفضّلًا أو مجاملة، بل لأنه واجب وطنى وثقافى نابع من عمق التاريخ ومسئولية الحاضر، وأشارت إلى أن فكرة إنشاء هذا الصرح الثقافى العظيم، التى طرحها الوزير الأسبق فاروق حسنى منذ سنوات، تعبّر عن إيمان الدولة المصرية بضرورة تقديم حضارتها للعالم بالصورة التى تليق بعظمتها وعمقها.
وقالت إن «مصر تمتلك من المواهب والقدرات الإبداعية والأيدى الخبيرة فى شتى المجالات ما يمكّنها من إنتاج أعمال مبهرة تُجسّد هذا التراث العظيم»، مؤكدة أن كل حجر أثرى وكل قطعة فنية قادرة على أن تروى للعالم حكاية جديدة من حكايات المجد المصرى.
من جهته، عبّر الكاتب والروائى فتحى سليمان عن فرحته بافتتاح المتحف المصرى الكبير، موضحًا أن مشاعره تشبه فرحة الحفيد الذى يرى عائلته أخيرًا مجتمعة تحت سقف واحد بعد سنوات طويلة من الغياب. فالمتحف – كما وصفه – ليس مجرد مبنى أثرى أو مشروع ثقافى، بل بيت للعائلة المصرية الممتدة عبر آلاف السنين، يجمع بين أحضان جدرانه تاريخ الأجداد وحكايات الحضارة التى أبهرت العالم.
وقال: «رغم كل ما واجهناه من صعوبات، لم نحِد عن الطريق الذى بدأناه، كقطار يعرف وجهته جيدًا. فعندما نضع فكرة فى أذهاننا نحن المصريين، لا نتراجع عنها حتى تتحقق على أرض الواقع».
وأشار «سليمان» إلى أن مصر تمتلك مئات القطع الأثرية الفريدة التى كانت حبيسة المخازن لعقود طويلة، وكان لابد أن تخرج إلى النور ليشاهدها العالم فى مكان يليق بعظمتها، مضيفًا أن «المتحف الكبير ليس فقط مشروعًا أثريًا، بل رسالة تقول للعالم إن المصريين، رغم ما يمرون به من أزمات ومشكلات، ما زالوا قادرين على البناء والإبداع، تمامًا كما كان أجدادهم بناة الأهرام».
وأكد أن المتحف الكبير سيكون شاهدًا جديدًا على أن المصريين لا يزالون أوفياء لتاريخهم، وأنهم – مثل أجدادهم – يعرفون طريقهم جيدًا نحو العظمة، حتى وإن تأخر الزمن، لأنهم ببساطة شعب يضع الحلم أمام عينيه ولا يتوقف حتى يحققه.