لا شك أن أمة بلا تاريخ هى إنسان فاقد الذاكرة، إنسان بلا هوية، وهنا جاءت مصر ثم جاء التاريخ، ومن خلال السكون العميق جاء حدث استثنائى مهيب يخاطب العالم بالمحبة والسلام من خلال رحلة فى الزمن، فما زالت مصر تكتب التاريخ برسالة وطنية للأجيال القادمة بالسفر عبر التاريخ ضمن الواقع الافتراضى للربط بين عراقة الماضى وانطلاقة المستقبل وعبور التكنولوجيا كجزء من تاريخ الحضارة، بالحفاظ على الآثار والتوثيق الرقمى لرؤية الحداثة بروح الفراعنة.
إنها ليست آثارًا، بل شهادة على قدرة مصر على التحدى والبناء، من خلال تعاظم الرؤية البصرية، وفى إطار تحويل التاريخ إلى قوة رافعة اقتصادية، ولعل الحدث الأبرز هو كيف استطاعت مصر توظيف التاريخ والجغرافيا وتطويع التاريخ والقدرات على بساط الجغرافيا ورسم هندسة جديدة لمسار الاقتصاد الوطنى بقوة العوامل الدافعة لواحد من أهم مواردها الدولارية؛ ألا وهو ملف السياحية. ولعل السؤال العالق: كيف نستخدم حالة الزخم القوى لهذا المحفز الاقتصادى بمتحف الحضارة المصرى؟ فهو ليس متحفا عاديا، وإنما حالة من الترابط نحو آمال وطموحات التنمية المستدامة، والحدث يفرض نفسه والصورة تتكلم، فقد تكلف هذا الصرح الشامخ 1,2 مليار دولار على مساحة 490 ألف متر مربع.
استثمار التاريخ
عندما يتم اختبار القدرات لتعزيز مستوى التنافسية وامتلاك مصر كل العوامل التمكينية والتفاضلية للتصنيف النوعى للسياحة العالمية للمتاحف الخضراء التى حازت على خمس شهادات من الأيزو وهو فى فترة الاختبارات، كذلك شهادة فرساى من منظمة اليونسكو كمتحف عالمى؛ زاد من الوزن النسبى للمسارات الجديدة لمحركات التنمية من بنية تحتية متطورة ووجود آلية خدمية مما يقفز بأعداد السائحين القادمين، طبقا لتقدير وكالة فيتش للتصنيف إلى 20,65 مليون سائح بحلول عام 2029، بعدما زار المتحف خلال الافتتاح التجريبى 800 ألف سائح، وتوقع 5 ملايين سائح بحلول عام 2026 زيادة على أعداد السائحين، كما تشير التوقعات إلى زيادة نسب الإشغال الفندقى إلى 100 فى المائة.
ويميز متحف الحضارات أن الزائر جزء من العرض المتحفى، أى أنه جزء من التجربة، ولقد أثبتت الدراسات أن هناك 116 مليار جنيه استثمارات جديدة بحلول عام 2026.
ويعد قطاع السياحة أهم رافد من روافد التنمية والعوائد الدولارية، والمتوقع أن يسهم قطاع السياحة والمتحف فى الناتج المحلى بنسبة 15 فى المائة بحلول عام 2027.
أما على مستوى التوظيف كقضية وطنية، فالمتحف يوفر 35 ألف وظيفة مباشرة و100 ألف وظيفة غير مباشرة، بالإضافة إلى عملية الترويج الجماعى لملف السياحة كله، بحضور رؤساء الدول والحكومات، ليعطى دلالة قطعية على التعافى الاقتصادى لواحد من أهم الملفات التى تدر دخلا دولاريا، رغم كل الرياح المعاكسة والتوترات الجيوسياسية.
ارتفاع نبض الاستثمار السياحى والثقافة السياحية أسهم فى إعادة تشكيل المشهد الاقتصادى بمصر، وأعطى قوة كامنة وميزة نسبية لروح الحضارة المصرية التى تجلب الأمن والسلام المحبة.
إن وجود مركز للأبحاث الخاصة بالآثار كوجهة ثقافية لدراسة العصور يعطى نوعا من الزخم القوى للقصد الاقتصادى وترتيب قواعد اللعبة فى خريطة السياحة العالمية التى وضعت المتحف على جداول الأعمال السياحية فى العالم كله، بالإضافة إلى الترجمة على أرض الواقع للصناعات الإبداعية الخلاقة ودعم صناعة المحتوى السياحى والثقافة، كذلك فرص التعليم السياحى للأجيال القادمة، فهو يحتوى على كنوز الابن البطل توت عنخ آمون ونحو 100 ألف قطعة أثرية؛ جعلت الجميع يذهب ليرى هذه المنظومة المتكاملة، التى تعود على الفنادق والمطاعم وكل الأجهزة الخدمية المرتبطة بالمتحف، بوجود عوائد تمثل قوة مركزية للنشاط الاقتصادى.
الولوج إلى عالم المتاحف
لا شك أننا قد دخلنا عالم سوق المتاحف الذى يصل حجم السوق فيها 100,5 مليار دولار سنويا بحلول عام 2032 بواقع زيادة ونمو 6 فى المائة سنويا، والأهم هو صناعة السياحة كموروث ثقافى باحتراف من خلال دمج المتاحف بين العراقة والحداثة وهو ما يفعله المتحف المصرى الكبير، فهو يجذب مع كل الأعمار خبراء تقييم الآثار وكل المنشغلين بعلوم الآثار، لقد ارتفع عدد المتاحف عالميا، وهناك متاحف سيتم فتحها هذا العام فى أمريكا وإنجلترا والصين فى كل العلوم حتى الفضاء، ولكن المتحف المصرى الكبير له طابع مختلف فى الأهداف الحيوية، ومنها الاقتصادى والثقافى والفنى والتعليمى، لتمثل المتاحف حول العالم 95 ألف متحف متنوع، استطاعت أن تربط المدن الموجودة بها بكل الجغرافيا المحيطة، لذلك نقول إن المتحف الكبير باعث الأمل والإلهام الجديد لمرحلة استثنائية تفتح الباب أمام العالم ليرى مصر كيف تهندس الثقافة السياحية، فهو فرصة عظيمة لسياحة المؤتمرات وسياحة الأحداث بعد حالة التوافق العالمى على حالة المتحف المصرى الكبير وامتلاك الدولة المصرية أدوات صياغة المستقبل وعبور التكنولوجيا إلى عمق وسكون التاريخ والارتحال بها إلى العالمية، خصوصًا بالموقع الإلكترونى الذى يفصل العرض المتحفى ليكون رسالة ثقافية إلى العالم وهدية مصر الحقيقية إلى العالم أجمع، ليرى الجميع عظمة وقدرة المصرى فى الحاضر والماضى والتحدى الأكبر فى نقل عشرات الأطنان على الدرج فى الأدوار العليا، لتكون شاهدة على قدرة المصرى الذى بنى الهرم قديما. وحاليا ينقل 100 ألف قطعة، وخصوصا ولدنا العظيم، توت عنخ آمون، مفخرة المتاحف عالميا، فى حالة من الترابط بين الأجيال القادمة والماضية، ويظل الخلود لمصر المحروسة، ولو استعرضنا جزءا من حديث «الجارديان» أن مصر لديها روح استكشافية إلى الآن، وأن المتحف يعد الفرصة الذهبية لإحياء قطاع السياحة وعودة مورد اقتصادى من موارد النقد الأجنبى لمصر ليرتقى إلى المكانة التى يستحقها، وتفاعلت «النيويورك تايمز» فى التاريخ المصرى الذى لا ينضب أبدا، وأن المتحف ينافس المتاحف العالمية كلها من حيث الجاهزية والتنافسية، وأنه يقدم رسالة ثقافية للعالم للدراسة والبحث العلمى والاستكشافى لعلوم الآثار والبرديات وكل ما يتعلق بالموروث الفرعونى وكيفية ربط الحاضر والمستقبل والماضى، فما زالت مصر تكتب التاريخ، وكما قال الله تعالى فى كتابه الكريم: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ».