يوماً وراء يوم تثبت الوقائع، وتكشف التطورات، وتؤكد الأحداث أن رؤية الدولة المصرية هى الأصوب، ونظرتها للأمور هى الأبعد، وخبرتها فى المنطقة هى الأعمق، لأنها صاحبة مبادئ راسخة، تقوم على العدل والحق، وتلتزم الصدق فى القول والعمل، وتتحلى بالنزاهة والشرف فى كل المواقف، وجميع الظروف، فلا تنشغل بالشو الإعلامى لتضخيم دورها فهى كبيرة بحكم التاريخ وتأثير الجغرافيا، ولا تبحث عن مصالح خاصة فهى غنية النفس وطيبة الروح، ولا تفتش عن مآرب ذاتية فهى لا تتدخل فى الشئون الداخلية للدول، بل إنها حريصة على شد أزر دولة المؤسسات الوطنية فى كل بقاع العالم، حفاظًا على تماسك بنيان البلدان، وحماية مقدرات الشعوب لتظل آمنة فى أوطانها لا يكدر معيشتها أى منغص داخلى أو خارجى، وبالطبع الأمن القومى المصرى خط أحمر على كل الجبهات كافة، والاتجاهات جمعاء، وقد أدرك الجميع غربًا وشرقًا تلك الثوابت المصرية التى لا تتبدل ولا تتغير فى الجمهورية الجديدة، ويتوالى التقدير الإقليمى والعالمى لها، فالحق أحق أن يُتبع.
نجاح القمة «الأوروبية -المصرية» الأولى فى العاصمة البلجيكية بروكسل مؤخرًا يحمل دلالات متعددة على التقدير الغربى عمومًا والأوروبى خصوصًا لمكانة القاهرة، ودورها المحورى فى الشرق الأوسط، لأن الاتحاد الأوروبىتابع مسيرة بناء الجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ 2014، وتأكد عن قناعة، وتيقن عن علم أن مصر ماضية بقوة، وعزيمة لا تلين فى طريق التنمية الشاملة من أجل تحسين معيشة المصريين مع اللحاق بركب التطور، ووضع المحروسة فى المكان اللائق بها بين الأمم، وفى نفس الوقت تتمسك بالثوابت الوطنية بفخر، والتحصن بالمبادئ القومية باعتزاز، فلا إفراط ولا تفريط للحصول على مكاسب اقتصادية ولا تنازل رغبة فى نيل رضاء دولة معينة أو تكتل محدد، بل الانفتاح على الجميع وفقًا للمصالح المصرية وليس أى معيار آخر، مع إفساح المجال لحل جميع الصراعات على مائدة المفاوضات، والتخلى عن لغة القوة والغطرسة لأنها تزيد المشكلات اشتعالاً، وتدفع الأمور خارج السيطرة.
وقد تتابعت مشاهد الاعتراف بانتصار المبادئ المصرية خلال هذه القمة الفارقة بين مرحلتين فى التعاون «المصرى -الأوروبى»، بداية من الاستقبال الحافل والحضور المهيب من أعضاء الاتحاد الأوروبى للرئيس السيسى، والوقوف احتراما وإجلالا له مع التصفيق الحار خلال دخوله لإلقاء كلمته فى مقر الاتحاد الأوروبى ببروكسل، إلى جانب ترحيب بالغ من رئيس المجلس الأوروبى ورئيسة المفوضية الأوروبية، وهو ما ظل «تريند» لرواد «السوشيال ميديا» على مدى عدة أيام، توالت فيها التعليقات والمشاركات لفيديوهات الترحيب بالرئيس، تأكيدًا على دوره كرئيس مصرى وزعيم عربى، وقائد إقليمى له بصمات واضحة فى المنطقة، ويقود دفة الأمور فيها إلى السلام العادل كما حدث فى قمة شرم الشيخ للسلام التى أنهت مأساة حرب غزة الغاشمة بعد عامين من الإبادة والجرائم الإسرائيلية الوحشية، ومن المؤكد أن تلك القمة الناجحة ستفتح آفاقًا رحبة للتعاون بين مصر والاتحاد الأوروبىعلى كافة الأصعدة، وجميع المجالات.
واستمرت حفاوة الترحيب خلال استقبال رئيسة البرلمان الأوروبى روبرتا ميتسولا، للرئيس السيسى بمقر البرلمان، مع عزف السلام الوطنى لجمهورية مصر العربية، والسلام الخاص للبرلمان، وتناول اللقاء جهود مصر فى تسوية الأزمات الإقليمية بما يحفظ سيادة الدول واستقرارها ووحدة وسلامة أراضيها، ويصون مقدرات شعوبها، وهنا وجهت ميتسولا الشكر على جهود مصر فى التوصل لاتفاق وقف الحرب فى قطاع غزة، وأنه لولا جهود الرئيس فى هذا الصدد ما كان من الممكن التوصل إلى الاتفاق، وتقديرها الكبير للدور المحورى الذى تضطلع به مصر فى المنطقة، فى ظل سياساتها الحكيمة والمتزنة، كركيزة أساسية للاستقرار فى الشرق الأوسط وجنوب المتوسط.
وهنا أجدنى مدفوعًا إلى إنعاش الذاكرة حول مواقف البرلمان الأوروبى التى تغيرت جذريًا من الدولة المصرية بشكل إيجابى خلال العامين الأخيرين نتيجة لسياسة القاهرة القائمة على الاتزان الاستراتيجى، ودورها كقوة رشيدة فى المنطقة، وصوت العقل فى التعامل مع كل الأزمات، وتبنى مبدأ التفاوض لحل جميع النزاعات، مع عدم المساس بأمنها القومى تحت أى ظرف، إلى جانب وضع الجمهورية الجديدة منظومة متكاملة لحماية حقوق الإنسان من المسكن الكريم كما حدث فى تطوير العشوائيات ومبادرة حياة كريمة لتغيير شكل الريف المصرى، مرورًا بملف الصحة من خلال المبادرات الرئاسية لرفع كفاءة الخدمات الطبية وتحسين البنية التحتية والبشرية على غرار مشروع التأمين الصحى الشامل، وصولاً إلى الطفرة فى مجال التعليم، بعيدًا عن أى إملاءات خارجية أو تدخلات من أى منظمة، لكن بعض أعضاء البرلمان الأوروبىكانوا أسرى التقارير المضللة من الأذرع الإعلامية للتنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية، فضلاً عن بعض المنظمات الحقوقية المشبوهة التى تحقد على أجواء الأمان والاستقرار فى ربوع مصر.
والأمر المؤكد أن القمة الأوروبية المصرية حققت نجاحًا على عدة أبعاد من السياسة إلى الاقتصاد، فقد رسخت للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة والاتحاد الأوروبى، وفتحت أبواب تدفق الاستثمارات من عدة عواصم إلى شرايين الاقتصاد الوطنى مما يترجم إلى فرص عمل، وزيادة الناتج القومى، مع الحسم بأن الدور المصرى محورى فى صياغة توازنات المنطقة والعالم.
ثوابت الدولة المصرية أيضًا كانت حاضرة بقوة، متجسدة بعمق فى كلمة الرئيس السيسى الموجزة فى احتفالية «وطن السلام» بمدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة، فى إطار الذكرى الثانية والخمسين لانتصارات السادس من أكتوبر المجيدة، فقد توجت جهود القاهرة الجبارة على مدى عامين من حرب غزة، بتوفيق الله أن تستضيف مدينة شرم الشيخ قمة السلام، وفى شهر النصر المبين مع دعم شعبى كامل للقيادة السياسية للثبات على موقفها الصلب ضد مخطط التهجير، لأن النصر كما أشار الرئيس لم يأتِ بقوة الجيش فقط بل أولاً بقوة الشعب، والشعب الذى يرفض الهزيمة يعينه الله على النصر، وهذا النجاح المصرى فى حماية القضية الفلسطينية، والتصدى لمؤامرة تصفيتها رغم شدة الضغوط، وكثرة التحديات من أجل محاولة دفع القاهرة على القبول بالتهجير، والتخلى عن خطوطها الحمراء خصوصًا أنها كانت تقف وحدها فى هذا الاختبار الصعب، لكن العزيمة المصرية سحقت كل المخططات، وأفسدت جميع المكائد، وأوقفت الحرب، وتستعد لإعادة الإعمار بالأفعال وليس الأقوال، من خلال تدبير الحكومة مبلغًا معتبرًا يليق بمحبة وتقدير الأشقاء الفلسطينيين تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية، مع تبرعات التحالف الوطنى والمجتمع الأهلى، وهذا هو المعهود من كبيرة العرب التى دائمًا تتخذ القرار بمسئولية، وتحرص على عدالة قضيتها مهما واجهت من صعوبات، وجيشها العظيم يبنى ويصون، ويحمى ولا يعتدى، وأمننا القومى محروس برًا وبحرًا وجوًا على جميع الاتجاهات وكل الجبهات.
وهذه الاحتفالية الوطنية رسالة واضحة للجميع أن مصر خيرها على دول المنطقة جميعًا، فهى تساند وقت الحاجة، وتدعم وقت الضرورة، وتحمى وقت الخطر، بلا أى أغراض خاصة أو مآرب غامضة، وشعبها على قلب رجل واحد يشد بعضه بعضًا كالبنيان المرصوص من الدلتا إلى الصعيد، ومن سيناء إلى مطروح، الوعى سلاحهم، والبناء عقيدتهم، والتنمية مسيرتهم، كما أن القوى الناعمة المصرية هى الأصل فى كل المجالات وجميع الفنون، ولن ينال من مكانتها أحد، ولن يستطيع سحب البساط من تحت أقدامها جهة، فالمبدعون المصريون ماركة مسجلة غير قابلة للتقليد، وغنية عن التطويع.
وتتابع الأمجاد فى الجمهورية الجديدة مما يؤكد بالصوت والصورة، ويجسد على أرض الواقع بالمشروعات العملاقة أن التجربة المصرية فى التنمية والتعمير غير مسبوقة، وتستحق الإشادة والإعجاب من القاصى والدانى، لأن الدولة تحركت بتوجيهات رئاسية فى كل القطاعات، وأنجزت فى جميع المجالات، فلم تتجاهل ملفًا على حساب الآخر، ولم تنشغل بقضية لصالح أخرى، ولم تتعلل بوجود التحديات، ولم تبرر بنقص الإمكانات، بل إنها تغلبت حتى على أعتى المهددات وهى الحرب على الإرهاب، فكانت يد تبنى ويد تحارب حتى أنعم الله علينا بالقضاء على تلك الجماعات الضالة، والتنظيمات المتطرفة التى خرجت من عباءة جماعة الإخوان الإرهابية، ثم روضت الدولة المصرية جائحة كورونا التى «ضربت لخمة» خلال سنواتها الكئيبة دول عديدة، وعواصم شتى، وقبل أن تنتهى الجائحة دخلنا فى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وما أخطرها، وصولاً إلى توابع حرب غزة، وما تكبدهالاقتصاد الوطنى من أعباء ضخمة، لكن التخطيط الجيد والمتابعة الرئاسية المتواصلة عبرت بنا إلى بر الأمان.
وها نحن على بعد خطوات من احتفالية افتتاح المتحف المصرى الكبير، هدية مصر للعالم، لتعود لإبهار الدنيا بحضارتها العريقة وآثارها القديمة من جديد كما حدث فى حفل المومياوات الملكية وموكبها المهيب، ولدى قناعة تامة أن هذه الاحتفالية ستكون هى الأكبر، وتأثيرها هو الأعظم لصالح المكانة المصرية، وتاريخنا العظيم، فضلاً عن مكاسبها للسياحة الوطنية، لأن المتحف الكبير ليس مجرد صرح أثرى بل هو رمز لقوة الجمهورية الجديدة على صون الماضى العريق، وبناء المستقبل الواعد.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء