القطن ليس مجرد نبات زراعي أو ألياف نسيجية تُصنع منها ملابسنا؛ فالقطن في جوهره هو ثقافة، وأسلوب حياة، وتقليد ضارب بجذوره في عمق الحضارة الإنسانية، يلامس القطن تفاصيل حياتنا اليومية باعتباره أكثر الأقمشة شيوعاً وراحة، لكنه في الوقت ذاته يمثل شريان الحياة لشبكة واسعة من البشر، إنه المصدر الرئيسي لعيش الملايين من أصحاب الحيازات الصغيرة والعمال البسطاء، وبخاصة النساء وأسرهن في مختلف أرجاء العالم النامي، ومع المساهمة الاقتصادية الكبيرة التي يقدمها للدول النامية، بات القطن يُشكّل بمثابة "شبكة أمان مجتمعية واقتصادية" تعزز الاستقرار وتحارب الفقر.
قال أ.د مصطفي عطية عمارة، المتحدث الرسمي لمركز البحوث الزراعية، تعود فكرة اليوم العالمي للقطن إلى عام 2019، عندما تقدمت أربع دول أفريقية نامية تقع في قلب القارة السمراء وتُعرف باسم "مجموعة البلدان الأربعة المنتجة للقطن" (Cotton-4: بنين، بوركينا فاسو، تشاد، ومالي) باقتراح رسمي إلى منظمة التجارة العالمية (WTO)، استهدف الاقتراح تخصيص يوم عالمي للقطن يُحتفل به في السابع من أكتوبر من كل عام، وكان الغرض الرئيسي من هذه المبادرة إتاحة منصة دولية لتبادل المعارف، وعرض الأنشطة المتعلقة بسلاسل القيمة، ولفت أنظار العالم نحو مئات الملايين من البشر الذين يعتمد دخلهم اليومي على هذا المحصول، ومنذ ذلك الحين، اعتمدت الأمم المتحدة هذا اليوم لإذكاء الوعي بالدور الحاسم لقطاع القطن في التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية، التخفيف من حدة الفقر وإتاحة فرص العمل اللائقة والمنتجة للجميع، والترويج للنمو الاقتصادي الشامل والمستدام دون ترك أي أحد متخلفاً عن الركب.
وأضاف المتحدث الرسمي لمركز البحوث الزراعية،أنه تنعقد فعاليات اليوم العالمي للقطن هذا العام في مدينة طشقند عاصمة أوزبكستان، ممتدة حتى 8 أكتوبر، تتضمن الفعاليات جولة فنية وتقنية تنظمها الحكومة الأوزبكية لتسليط الضوء على التراث الثقافي والصناعي للقطن والمنسوجات، ويشارك في تنظيم واستضافة هذه اللقاءات رفيعة المستوى حشد من المنظمات والجهات الدولية الإقليمية، في مقدمتها، اللجنة الاستشارية الدولية للقطن (ICAC)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، ومركز التجارة الدولي (ITC)، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)، ومن أبرز ملفات النقاش في قمة طشقند، تعزيز الشفافية والتتبع في سلاسل القيمة العالمية للقطن، أسواق الكربون والتمويل المناخي الموجه لصغار المزارعين لمواجهة الجفاف والتقلبات الجوية، الابتكارات التكنولوجية في استنباط التقاوي وإنتاج الأصناف عالية الجودة، دعم التجارة المستدامة وتسهيل وصول منتجات الدول النامية للأسواق العالمية.
وأوضح أ. د «مصطفي عمارة» أنه تكشف الأرقام والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية عن الحجم الهائل لقطاع القطن وأثره التنموي، وتتمثل في 32 مليون مزارع: إجمالي عدد المزارعين المنتجين للقطن حول العالم، وتشكل النساء حوالي نصف هذا العدد (50%)، مما يجعله محركاً رئيسياً لتمكين المرأة وتوظيف الشباب، 100 مليون أسرِة: تستفيد بشكل مباشر وغير مباشر من صناعة القطن في 80 دولة توجد عبر 5 قارات، 2.1% فقط: هي المساحة التي تشغلها زراعة القطن من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، مما يعكس كفاءته العالية في استغلال المساحات الزراعية، 27%: نسبة مساهمة القطن في تلبيات احتياجات الألياف والمنسوجات على مستوى العالم، 5 أفراد: عدد فرص العمل السنوية التي يوفرها إنتاج طن واحد فقط من القطن في المناطق الأكثر فقراً، وبالنسبة لتوزيع استخدامات القطن في الصناعات العالمية، 80% موجهة لصناعة الملابس، 15% موجهة لصناعة المفروشات المنزلية، 5% موجهة للمنتجات غير النسيجية (كالزيوت والأعلاف والمستلزمات الطبية).
وأكد على أن القطن يُعد ركيزة في التجارة الدولية، وحصناً للنقد الأجنبي بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل لمساعدتها على سداد فواتير استيراد الغذاء 50 مليار دولار: قيمة الإنتاج العالمي الخام للقطن، 770 مليار دولار: القيمة الإجمالية لتجارة النسيج عالمياً وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، عمالقة الإنتاج الخمسة: تحتكر خمس دول أكثر من ثلاثة أرباع (75%) الإنتاج العالمي، وهي: الصين، الهند، الولايات المتحدة الأمريكية، البرازيل، وباكستان.
وأكمل حديثه أن هناك عقبات على الطريق، وتحديات تواجه عرش القطن، رغم الأهمية الاستراتيجية للقطن، يواجه القطاع حزمة من التحديات الجسيمة التي تهدد استدامته، التقلبات الحادة في أسعار الأسواق العالمية وتأثير الأزمات والتباطؤ الاقتصادي والحروب، التغيرات المناخية والآفات والأمراض التي تؤثر على إنتاجية الفدان، قصور الاستثمارات الموجهة للتصنيع المحلي وتطوير المنتجات الثانوية بدلاً من اكتفاء بعض الدول بتصدير المادة الخام، الممارسات والتحايل في تجارة القطن والدعم غير المتكافئ، مما يقتضي تقليص الممارسات السلبية وضمان منافسة عادلة للبلدان النامية.
ويواصل القطن المصري، ولا سيما طويل التيلة، استعادة مكانته المتميزة في الأسواق العالمية، بفضل ما يتمتع به من صفات غزلية وتكنولوجية فريدة، أبرزها طول التيلة ومتانتها ونعومتها وتجانسها، ما يجعله من الأقطان المفضلة لدى كبرى بيوت الأزياء العالمية، وفي إطار خطة الدولة للنهوض بالقطاع، بلغت المساحة المنزرعة بالقطن هذا العام نحو 202 ألف فدان، منها 191 ألفًا و716 فدانًا بالوجه البحري و10 آلاف و284 فدانًا بالوجه القبلي، مع توقعات بوصول الإنتاج إلى نحو 1.2 مليون قنطار، فيما تتركز زراعته في محافظات كفر الشيخ والبحيرة والشرقية والدقهلية والغربية والفيوم، وتواكب ذلك جهود بحثية لاستنباط أصناف حديثة تتميز بارتفاع الإنتاجية وقِصر فترة بقائها في التربة وتوفير نحو 30% من مياه الري، إلى جانب الاستعداد لإطلاق صنف جديد باسم «إكسترا جيزة 99»، يتميز بطول التيلة والنعومة والتبكير في النضج وارتفاع المحصول، كما دعمت الدولة منظومة تسويق وتداول القطن، التي بدأ تطبيقها منذ عام 2019، من خلال تنظيم عمليات التجميع والفرز والتتبع، وإجراء المزادات العلنية وفقًا للأسعار العالمية، فضلًا عن توجيه الأقطان إلى المحالج الحديثة ومنع الخلط والشوائب، بالتوازي مع تطوير صناعة الغزل والنسيج لتعظيم القيمة المضافة للقطن المصري بدلًا من تصديره في صورته الخام.
وأكد المتحدث الرسمي لمركز البحوث الزراعية أن القطن المصري لا يمثل مجرد محصول زراعي، وإنما يعد جزءًا مهمًا من منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة، تمتد من المزارع إلى الأسواق العالمية، وأوضح أن مستقبل هذا القطاع يرتبط بمواصلة دعم المزارعين، وتعزيز استدامة زراعة القطن، والتوسع في التصنيع المحلي وإضافة القيمة إلى المنتج، بما يسهم في تعظيم العائد الاقتصادي من القطن المصري، وتعزيز قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية، وفتح آفاق جديدة أمام هذا القطاع الحيوي.