رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«عطايا بالحب.. وخدمة للوطن».. البابا تواضروس يدشن عهداً جديداً لـ«الأوقاف القبطية»


17-9-2026 | 23:44

.

طباعة
تقرير: سارة حامد

«ليست مجرد أراض وعقارات تدار، إنما «عطايا بالحب» تحولت على مدار 66 عاما إلى أمانة ومسئولية وخدمة».. من هذا المنطلق تحدث البابا تواضروس الثانى خلال افتتاح المبنى الجديد لهيئة الأوقاف القبطية بأرض الأنبا رويس، بعد تطويره وتوسعته، فى خطوة وصفها بأنها «نقلة حضارية» تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل، حيث تقف الهيئة التى تدير أوقاف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم أمام معادلة تتجاوز الحفاظ على الأصول إلى تنميتها واستثمارها بما يحقق الغرض الذى أُوقفت من أجله.

 

بين تاريخ طويل من إدارة الأراضى والعقارات، ومنظومة قانونية ومحاسبية تحكم عملها، يطرح التطوير الجديد رؤية أوسع للمستقبل، دعا خلالها البابا إلى تحديث آليات العمل، ووضع مشروعات استثمارية جديدة، والتوسع فى مجالى التعليم والصحة، حتى لا تبقى عوائد الوقف مجرد أرقام فى الحسابات، وإنما تتحول إلى خدمات ومشروعات تمتد آثارها إلى الكنيسة والمجتمع والوطن.

ولفهم طبيعة هيئة الأوقاف القبطية ومسئوليتها عن إدارة الأصول التى تحدث عنها البابا تواضروس، يقول الباحث فى الشأن القبطى كمال زاخر إن بدايتها تعود إلى عام 1960، فى أعقاب قوانين التأميم حين أُنشئت الهيئة وفقًا للقرار الجمهورى رقم 1433 لسنة 1960، لتتولى حصر الأوقاف القبطية وتنظيم إدارتها.

ويضيف كمال زاخر أن مسيرة الهيئة شهدت لاحقًا عددًا من التطورات التنظيمية، كان أبرزها صدور القرار الجمهورى رقم 2326 لسنة 1967 بشأن تشكيل لجنة لإدارة الأوقاف القبطية، ونص القرار على تولى البطريرك الشؤون المالية للكنائس والمعاهد الدينية، مع إمكانية تفويض المطارنة والأساقفة فى حدود اختصاصاتهم، أو من يراه مناسبًا لذلك.

وبحسب زاخر، صدر عقب ذلك قرار من وزير الداخلية بتشكيل اللجنة، وتولت إدارة الأوقاف واستغلال ريعها فى المشروعات الكنسية المختلفة، لتتطور منظومة إدارة الأوقاف القبطية تدريجيًا، وصولًا إلى شكلها الحالى، كما صدر فى وقت لاحق القرار الجمهورى رقم 198 لسنة 2019، بإعادة تشكيل مجلس إدارة هيئة الأوقاف القبطية الأرثوذكسية برئاسة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، استنادًا إلى القانون رقم 264 لسنة 1960 بشأن استبدال الأراضى الزراعية الموقوفة على جهات البر العامة للأقباط الأرثوذكس.

وضم تشكيل مجلس الإدارة عددًا من المطارنة والأساقفة، إلى جانب شخصيات قانونية وهندسية ومحاسبية، بما يعكس تعدد الخبرات المطلوبة لإدارة هذا النوع من الأصول التى تشمل أراضى زراعية وعقارات، وما يرتبط بها من أعمال قانونية وفنية ومالية وإدارية.

ويشير زاخر إلى أن هيئة الأوقاف القبطية تخضع لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات، فيما تُوثق إيراداتها ومصروفاتها فى دفاتر محاسبية معتمدة، وتقدم تقاريرها إلى الجهاز، بما يضع نشاط الهيئة وأموال الأوقاف تحت منظومة من التوثيق والمراجعة والرقابة، موضحا أن الإيرادات الأساسية للهيئة تتمثل فى ريع الأوقاف التى تتولى إدارتها، مؤكدًا أن الأوقاف القبطية تتمثل فى أراضٍ زراعية وعقارات، وأن بياناتها موثقة فى دفاتر معتمدة، فضلًا عن وجود البيانات لدى الهيئة والجهاز المركزى للمحاسبات، بما يتيح تتبع الأصول والإيرادات والمصروفات وفق الأطر المحاسبية والرقابية المقررة.

كما تحصل الكنيسة على نسبة تتراوح بين 1.5 إلى 2 فى المائة من إيرادات الهيئة للإنفاق على إدارة تلك الأوقاف، بينما تظل الأصول نفسها وإيراداتها خاضعة للنظام القانونى والمحاسبى والرقابى المنظم لعمل الهيئة، مشيرا إلى أن رئاسة البابا البطريرك لهيئة الأوقاف القبطية تأتى بنص قرار تشكيلها، وهو ما يوضح الإطار المؤسسى الذى تُدار من خلاله هذه الأصول، ويضع مسئولية إدارتها فى سياق قانونى ورسمى واضح.

وهذا ما أكد عليه البابا تواضروس الثانى خلال افتتاح المبنى الجديد، حين شدد على أن الأصول التى تتولى الهيئة إدارتها ليست مجرد أراضٍ وعقارات، وإنما أموال نشأت فى جانب منها من عشور وتبرعات قدمها أصحابها بدافع المحبة ولأجل الله، وهو ما يجعل الحفاظ عليها وتنميتها وإدارتها بأقصى درجات الأمانة مسئولية تتجاوز الحسابات المالية، لتصبح جزءًا من أمانة الحفاظ على عطايا أصحابها وتحويل عوائدها إلى خدمة حقيقية للإنسان والكنيسة والوطن.

ويضيف الباحث فى الشأن القبطى مينا جورج أن هيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس تمثل مؤسسة قانونية وإدارية معنية بإدارة واستثمار الأصول والممتلكات الموقوفة لصالح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بما يشمل الأراضى والعقارات وغيرها من الأعيان التى خصصها أصحابها لأوجه البر والخدمة الكنسية، وتتنوع مصادر أموال الهيئة، فى مقدمتها العوائد الناتجة عن العقارات والأراضى المملوكة للوقف، سواء من خلال الإيجارات أو استغلال الأراضى الزراعية والأراضى الفضاء، إلى جانب الأوقاف الخيرية التى يخصصها أفراد أو عائلات لصالح الكنائس والأديرة وأعمال البر والخدمة العامة، كما تشمل مواردها عوائد استثمار الأصول وتنمية ممتلكات الوقف، وما يرتبط بذلك من مشروعات استثمارية وتنمية عقارية، فضلًا عن التبرعات والهبات والوصايا التى يقدمها الأفراد لدعم أوجه الخدمة والأنشطة الكنسية والخيرية.

ولا تتوقف مسئولية الهيئة عند إدارة الأصول والحفاظ عليها، وإنما تمتد إلى توجيه عوائدها إلى أوجه الإنفاق والخدمة التى تتفق مع طبيعة الوقف وشروط الواقفين، حيث يمكن أن تسهم فى دعم الخدمات الاجتماعية والصحية، ومنها المستشفيات والمستوصفات، إلى جانب رعاية دور الأيتام والمسنين والخدمات الموجهة للفئات الأكثر احتياجًا.

ويمتد الإنفاق كذلك إلى المجال التعليمى والثقافى، من خلال دعم المدارس والمؤسسات التعليمية والمعاهد اللاهوتية والمراكز الثقافية والدراسات القبطية، فضلًا عن صور الرعاية الاجتماعية التى تستهدف الفقراء والأرامل والطلاب غير القادرين والأسر المتعثرة، بما يجعل عائد الوقف وسيلة مستمرة لتحويل ما تركه الواقف إلى خدمة تمتد إلى أجيال لاحقة.

ويشير الباحث إلى أن جزءا من موارد الوقف يوجه أيضا إلى الحفاظ على الأصول نفسها، من خلال أعمال الصيانة والترميم والتطوير للعقارات والأعيان، إلى جانب تغطية المصروفات الإدارية والتشغيلية اللازمة لإدارة هذه الممتلكات وتنميتها، بما يضمن استمرار قدرتها على تحقيق العائد الذى خُصصت من أجله.

وفيما يتعلق بالكنائس والأديرة، يوضح جورج أن الهيئة يمكن أن تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة فى أعمال الصيانة والتطوير والترميم، خاصة بالنسبة إلى الكنائس والأديرة التاريخية والأثرية، فضلًا عن توفير الموارد اللازمة لبعض التجهيزات والخدمات المرتبطة بها، وذلك فى حدود شروط الوقف وأوجه الصرف التى تسمح بها القواعد المنظمة له.

أما عن الرقابة على أموال الهيئة، فيؤكد جورج أن خضوعها للرقابة المالية لا يعنى غياب استقلاليتها فى إدارة أصولها، إذ توجد منظومة رقابية تستهدف التأكد من سلامة الإجراءات والحسابات والتزامها بالقوانين المنظمة، ويأتى الجهاز المركزى للمحاسبات فى مقدمة الجهات الرقابية على أعمال الهيئة وحساباتها، إلى جانب خضوع القرارات الإدارية والمالية للأطر القانونية والقضائية المعمول بها فى الدولة.

ويشير جورج كذلك إلى أن هيئة الأوقاف القبطية تتمتع بإطار قانونى مستقل عن منظومة إدارة الأوقاف التابعة لوزارة الأوقاف المصرية، باعتبار أن الأخيرة تختص قانونا بإدارة الأوقاف الإسلامية، بينما تخضع أوقاف الكنائس للأنظمة والقوانين المنظمة لها، مع بقاء أعمالها وأموالها فى نطاق الرقابة المالية والقانونية التى تكفل سلامة الإدارة والحفاظ على المال الوقفى.

وفى قلب هذه المنظومة تقف هيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس باعتبارها جهة ذات شخصية اعتبارية، بحسب دياكون مرقس خادم مطرانية دشنا للأقباط الأرثوذكس، الذى أرجع إنشاءها لتنظيم وإدارة الأوقاف التابعة للأقباط الأرثوذكس فى مصر، وضمان الحفاظ على أصولها وحسن إدارتها وتنميتها، بما يتفق مع الأغراض التى حددها أصحابها عند إنشاء الوقف.

ويضيف أنه لا يمكن النظر إلى الهيئة باعتبارها صندوقًا عامًا لأموال الكنيسة، أو اعتبار أموال الوقف أموالًا حرة يمكن التصرف فيها دون قيود فطبيعة الوقف تفرض التزامًا بالغرض الذى خُصص له، وتتمثل المهمة الأساسية للهيئة فى الإشراف على إدارة الأطيان والعقارات الموقوفة، وحصر ممتلكاتها، ومراجعة أعمال القائمين على إدارتها، وضبط حساباتها، والعمل على استغلال أصولها وتنميتها بما يحافظ على قيمتها ويحقق الغرض الذى أُنشئ الوقف من أجله.

ويمتد دور الهيئة إلى إعداد الميزانية السنوية لإيرادات الأوقاف ومصروفاتها، وتنظيم توزيع ريع الأعيان الموقوفة على الجهات والمصارف التى حددها الواقف، وفقًا للقواعد المنظمة لكل وقف، بما يضمن عدم انفصال العائد عن الغرض الأصلى الذى خُصصت له الأموال منذ البداية.

وتأتى الأوقاف ذاتها فى مقدمة مصادر أموال الهيئة، إذ تشمل الأراضى الزراعية والعقارات وغيرها من الأعيان التى أوقفها أصحابها لصالح جهات البر والخدمة القبطية الأرثوذكسية، إلى جانب الإيرادات والريوع الناتجة عن استغلال هذه الأصول، سواء من خلال الإيجارات أو الأنشطة المرتبطة بها، بحسب طبيعة كل وقف وشروطه.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين أموال الوقف وبين التبرعات أو الأموال المخصصة للإنفاق على الأنشطة الجارية للكنائس، فالوقف له كيان وغرض محددان تحكمهما مستندات الوقفية، وبالتالى فإن وجود عقار أو أرض تحت إدارة الهيئة لا يعنى تلقائيًا أن كامل الإيرادات الناتجة عنها تصبح جزءًا من ميزانية الكنيسة البطريركية أو أموالا متاحة للإنفاق العام.

ويضيف مرقس أن ريع الأوقاف لا يدخل فى ميزانية الكنيسة، وإنما تحصل الكنيسة على رسم إشراف محدود لتغطية نفقات الإدارة، تتراوح نسبته وفقًا له، بين 0.5 فى المائة و2 فى المائة وتكتسب هذه الطبيعة الخاصة لأموال الوقف دلالة أكبر فى ضوء ما قاله البابا تواضروس الثانى خلال افتتاح مبنى الهيئة فى سبتمبر الجارى، حين أكد أن أصول الأوقاف فى أصلها عطايا قدمها أصحابها بمحبة ولأجل الله، وهى عبارة تختصر فلسفة التعامل مع هذه الممتلكات، فالأمر لا يتعلق فقط بإدارة أصول وتحقيق عائد، وإنما بالحفاظ على أمانة تركها أصحابها وحددوا لها غايات بعينها.

أما فيما يتعلق بتمويل بناء الكنائس والأديرة، أشار خادم مطرانية دشنا أن المسألة تحتاج إلى قدر من الدقة، إذ لا يعنى وجود أموال داخل الهيئة أن بإمكانها توجيهها بصورة مطلقة إلى إنشاء أى كنيسة أو دير، فالقاعدة الأساسية التى تحكم ريع الوقف هى الالتزام بشرط الواقف، فإذا كان الوقف مخصصًا لكنيسة أو دير أو جهة كنسية بعينها، فإن ريعه يوجه إلى الغرض الذى حددته الوقفية، وقد يشمل ذلك أعمال الصيانة أو التطوير أو دعم الخدمات المرتبطة بها، بحسب نص الوقف.

وبالمثل، فإن إنشاء كنيسة جديدة من أموال وقف لم ينص صاحبه على تخصيصه لهذا الغرض لا يمكن اعتباره استخدامًا تلقائيًا ومتاحًا لريع الوقف، لأن المال الوقفى يظل مرتبطًا بالغرض الذى حدده الواقف، ولا يتحول بمجرد إدارته من جانب الهيئة إلى مال حر التصرف.

ويضيف دياكون مرقس، أنه لشروط كل وقفية، تتعدد أوجه الاستفادة من عوائد الأوقاف القبطية، لتشمل خدمة الكنائس والأديرة، والتعليم، والرعاية الصحية، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، والرعاية الاجتماعية، وغيرها من أوجه البر التى نصت عليها حجج الأوقاف، ومن ثم تختلف أوجه الإنفاق من وقف إلى آخر، وفقًا للغرض الذى أنشئ من أجله، وليس وفقًا لرغبة طارئة أو قرار منفصل عن شرط الواقف.

وبذلك تبدو هيئة الأوقاف القبطية فى صورتها الأدق جهة قانونية ومؤسسية تتولى إدارة أموال الوقف القبطى وحماية أصوله وتنميتها، ثم توجيه عوائدها إلى مستحقيها وفقًا لشروط الواقفين، فى منظومة تتقاطع فيها الإدارة الكنسية مع الإطار القانونى والرقابة المالية للدولة، بينما تظل الأمانة فى الحفاظ على الأصل وتنمية العائد هى جوهر المسئولية التى تحملتها الهيئة على مدار عقود.

واستكمل: أن ما سبق يرتبط بجوهر الرسالة التى طرحها البابا تواضروس الثانى خلال افتتاح المبنى الجديد: أن قيمة الوقف لا تكمن فقط فيما يملكه من أراضٍ وعقارات، وإنما فيما يمكن أن يتحول إليه هذا الأصل حين يُدار بأمانة وكفاءة من عائد مالى إلى خدمة، ومن عطية تركها أصحابها إلى أثر ممتد فى حياة الإنسان والمجتمع.

كما لم يتعامل البابا تواضروس الثانى مع التجديد باعتباره مجرد تطوير لمقر إدارى، وإنما رآه بداية لمرحلة جديدة فى طريقة التفكير والعمل داخل هيئة الأوقاف القبطية، واصفا ما جرى بأنه «نقلة حضارية»، خاصة أن الهيئة، منذ تأسيسها قبل 66 عامًا، لم تحظ بتطوير بهذا المستوى.

وأكد البابا أن التطوير الحقيقى لا يتوقف عند المكان، فالكنيسة، بحسب تعبيره، ليست كيانا قديمًا، وإنما كيان متجدد باستمرار، فبينما تظل العقيدة ثابتة وراسخة عبر عشرين قرنا، يظل الإنسان والمكان وآليات العمل فى حاجة دائمة إلى التطوير والإبداع والتحديث.

ومن هذا المنطلق، شدد على أهمية تجديد الأذهان ودورة العمل داخل الهيئة، ووضع رؤية واضحة للمستقبل، لا تكتفى بإدارة الأصول القائمة، وإنما تمتد إلى تنمية الاستثمارات واستحداث مشروعات جديدة يمكن أن تحمل عوائدها إلى مجالات أكثر احتياجا.

وطرح البابا أمام الهيئة تصورا يتجاوز إدارة العقارات والأراضى إلى توظيف إمكاناتها فى خدمة الإنسان، متمنيا أن يأتى اليوم الذى تنشئ فيه الهيئة مبانى ومشروعات متعددة فى مجالى التعليم والصحة، باعتبارهما من الاحتياجات الملحة لخدمة الكنيسة، وفى الوقت نفسه مجالات ذات أهمية للمجتمع والوطن.

الاكثر قراءة