رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«سير البيعة المقدسة».. نص قبطى فى قلب التاريخ المصرى


12-9-2026 | 15:01

.

طباعة
بقلـم: د. عمرو عبد العزيز منير

تحتفظ بعض الكتب بحياة أطول من زمن تأليفها، لأن صفحاتها تتحول مع القرون إلى خزان لذاكرة جماعة ومجتمع، ومن هذا النوع يأتى «سير البيعة المقدسة»، المعروف حديثًا باسم «تاريخ البطاركة»، وهو من أهم المصادر التى حفظت ذاكرة الكنيسة القبطية، وفتحت نافذة على تاريخ مصر فى العصور الوسطى. فالسير التى تتبع بطاركة الكرسى السكندرى تمتد إلى أخبار المدن والأقاليم والأديرة والكنائس والأراخنة والرهبان وأصحاب المناصب، وإلى علاقات الكنيسة بالسلطة والكنائس الشرقية، كما تتصل بأنطاكية والحبشة والنوبة، وما شهدته هذه الروابط من تحولات وأزمات عبر قرون طويلة.

 

وقد أعادت نشرة 2023 هذا النص إلى الواجهة من خلال كتاب «موهوب بن منصور بن مفرج الإسكندراني: سير البيعة المقدسة (سير الآباء البطاركة)»، دراسة وتحقيق شريف رمزي، الصادر عن لوجوس للنشر والخدمات الإعلامية، واختيار اسم موهوب فى العنوان يعكس تحولًا فى دراسة هذا المصدر، بعد أن اتجه البحث إلى مراجعة تاريخ تكوينه ونسبته، والنظر إليه بوصفه مدونة تراكمية شاركت أجيال فى بنائها.

وتظهر القيمة التاريخية للمصدر حين نقرأ البطريرك مدخلًا إلى المجتمع المحيط به، فاختياره وأزماته ورحلاته وعلاقته بالحكام تستدعى أخبارًا عن الإدارة والضرائب والأعيان والموظفين والأسواق والاضطرابات والأوبئة والمجاعات والأديرة والأقاليم، ويتجاور فى السرد الحاكم مع الأسقف، والموظف مع الراهب، والعاصمة مع القرية والدير، ومن هذا التشابك يخرج المؤرخ بمادة غنية عن بنية المجتمع ومواقع جماعاته وحركة السلطة والمؤسسات المختلفة داخله.

وتزداد أهمية الروايات لأنها خرجت من داخل الذاكرة القبطية المصرية، فهى تكشف الطريقة التى فهمت بها الجماعة ما جرى حولها، والأحداث التى اختارت تسجيلها، والشخصيات التى منحتها حضورًا خاصًا، واللغة التى وصفت بها الأزمات والتغيرات. ولهذا يفيد «سير البيعة» فى دراسة الذهنيات والذاكرة الجماعية وإعادة بناء التسلسل التاريخي، ووضعه إلى جوار كتب المؤرخين المسلمين والوثائق والنقوش والآثار يوسع المقارنة، ويتيح قراءة تاريخ مصر من زوايا اجتماعية ودينية وثقافية مختلفة.

وتكشف حياة النص اللاحقة عن مكانته فى الثقافة التاريخية المصرية، فقد استفاد منه أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود، وظهرت مادته لدى أبى شاكر بطرس بن الراهب والمكين جرجس بن العميد، وانتقلت أخباره إلى مؤرخين آخرين، وامتد أثره إلى السنكسار ومؤلفات حديثة تناولت تاريخ الكنيسة القبطية، وهذا التداول الطويل يجعل الكتاب جزءًا من تاريخ صناعة المعرفة بالماضى واستمرارها فى تشكيل صورة أحداث بعيدة.

وتقودنا النشرة الجديدة إلى السؤال الأكثر إثارة فى تاريخ المدونة: من صنع هذا النص؟ ارتبط «تاريخ البطاركة» طويلًا باسم الأنبا ساويرس بن المقفع، أسقف الأشمونين، ثم دفعت الدراسات النصية والمخطوطية إلى إعادة فحص هذه النسبة. ومع تراكم الأبحاث، أصبح الشماس والأرخن السكندرى موهوب بن منصور بن مفرج شخصية مركزية فى فهم مرحلة جمع المادة القديمة وترجمتها وتحريرها بالعربية وتنظيمها أيضًا.

وتظهر هنا إحدى أهم إضافات الكتاب إلى تاريخ الثقافة القبطية، فـ«سير البيعة» نتاج طبقات زمنية ولغوية متعاقبة. نشأت أجزاء من مادته فى تقليد قبطي، ثم دخلت مرحلة الترجمة إلى العربية، وشارك موهوب وعدد من معاونيه فى جمع السير وترجمتها وتنظيمها، ومنهم الشماس ميخائيل بن بدير الدمنهوري، واستمرت المدونة مع كتّاب أضاف كل منهم أخبار مرحلته، بما يتيح دراسة التحول اللغوى وانتقال العربية إلى موقع أساسى فى تدوين الذاكرة التاريخية والكنسية.

ومن هذه الزاوية، يتحول الكتاب إلى وثيقة عن المجتمع الذى حفظه، يبدأ السرد بتاريخ البطريرك، ثم تتراكم تفاصيل عن أماكن وأشخاص ومؤسسات وأزمات. ومع انتقال النص من القبطية إلى العربية، ثم من مخطوط إلى آخر، يصبح الكتاب جزءًا من موضوعه، ويستطيع الباحث أن يقرأ الحدث الذى ترويه السيرة، والطريقة التى حُفظ بها ونُقل وأعيد تحريره.

وتفرض هذه الطبيعة التراكمية تحديات دقيقة أمام المحقق. فاختلاف النسخ، وضياع أوراق من بعض المخطوطات، والتصحيف، والتدخلات اللاحقة، وتعدد صيغ الأسماء والمصطلحات، تجعل بناء النص محتاجًا إلى مقابلة بين الشواهد. وقد اتخذت نشرة 2023 من المخطوطات القديمة أساسًا للعمل، مع شواهد محفوظة فى هامبورج وباريس والقلاية البطريركية، والاستعانة بمخطوطات أخرى عند وجود فجوات أو قراءات تحتاج إلى المقارنة.

وجاء التحقيق بعد أربع سنوات من العمل، وفق ما يذكره صاحبه فى مدخل الكتاب، شملت البحث فى النص ومصادره ومخطوطاته وفهم طبقاته ومشكلاته اللغوية والتاريخية، وأثمر الجهد جهازًا يساعد على التعامل مع مادة ضخمة؛ فقُسمت السير إلى وحدات وفقرات، وأضيفت تعريفات للأعلام والأماكن والمفردات والمصطلحات، وأُعدت فهارس للأشخاص والجماعات والمواضع والموضوعات الكنسية، مع شرح التعامل مع الرسم واللغة والاختلافات النصية.

ويمنح صدور العمل على يد باحث من أبناء الكنيسة القبطية النشرة خصوصية معرفية، فالمصطلح الليتورجي، والرتبة الكنسية، وأسماء الأعياد والأديرة، وطبيعة العلاقات الكنسية، تحتاج إلى معرفة بالثقافة التى أنتجت النص. وتظهر الدراسة صلة بهذه البيئة، مع الإفادة من أدوات التحقيق ودراسات المخطوطات، بما يساعد على فهم الإشارات الدقيقة ومراجعتها تاريخيًا.

وسبق هذه النشرة تاريخ من العمل على «تاريخ البطاركة»، بدأ بتحقيقات وترجمات فى أوائل القرن العشرين، وامتد عبر جهود جمعية الآثار القبطية ومؤسسات وباحثين آخرين. وتستفيد النشرة الجديدة من تطور دراسة تكوين المدونة ومخطوطاتها وهويات محرريها، فأصبح سؤال البحث متعلقًا بتاريخ النص وطبقاته ومسارات انتقاله وإعادة بناء تاريخ المدونة نفسها.

وفى هذا السياق، أعاد عبد العزيز جمال الدين تعريف جمهور بالمصدر من خلال مشروعه «تاريخ مصر من بدايات القرن الأول الميلادى حتى نهاية القرن العشرين من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة»، وقد أعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة إصداره سنة 2012 فى عشرة أجزاء، ووصل عاشرها إلى أحداث القرن العشرين. وأسهم انتشاره فى توسيع القراءة، مع بقاء تقييمه النصى محتاجًا إلى دراسة مستقلة لأصوله المخطوطة وبناء نصه وجهازه النقدي.

وتبرز هنا مسألة تتصل بتداول المعرفة، فالنشرة العلمية الحديثة لا تزال أكثر حضورًا داخل دوائر القراءة القبطية والمتخصصة، مع أن قيمة النص تمتد إلى مجالات أوسع. ووصوله إلى أقسام التاريخ والآثار واللغة العربية والدراسات الدينية والاجتماعية يتيح إدخال مادة قبطية أصيلة إلى قلب البحث فى التاريخ المصري، ويمنح الباحثين إمكانات جديدة للمقارنة وطرح أسئلة جديدة.

ويستطيع مؤرخ المجتمع تتبع الأعيان والوظائف والأزمات المحلية، ويجد مؤرخ الأديان مادة لعلاقات الجماعات والكنائس، ويتابع دارس اللغة العربية المسيحية آثار الترجمة القبطية، ويواجه باحث المخطوطات نموذجًا تراكميًا، ويقرأ مؤرخ الأفكار صناعة الذاكرة وتفسير الماضي. ولهذا تصبح إتاحة المصدر فى المكتبات والجامعات والمنصات الرقمية قضية مؤثرة فى دراسة تاريخ مصر.

ومن هنا تظهر القيمة الأوسع لنشرة «سير البيعة المقدسة». فهى تفتح طريقًا لإعادة وصل التاريخ القبطى بالتاريخ المصرى العام داخل المصدر، وتذكرنا بأن تاريخ البلاد يتشكل من روايات جماعاتها ومؤسساتها وذاكراتها. واتساع دائرة قراءة المادة يساعد على تجاوز التقسيمات بين التاريخ الكنسى والاجتماعى والسياسى والثقافي.

وتقدم النشرة فرصة لإعادة النظر فى الكتاب وتاريخ تكوينه معًا، وتقرب الباحث من طبقاته المخطوطة واللغوية، وتوفر أدوات للعودة إلى أخباره. وتبقى الخطوة التالية هى توسيع تداوله، لأن «سير البيعة المقدسة» يحمل ذاكرة الكنيسة المصرية، ويحفظ مادة أصيلة من ذاكرة مصر.

الاكثر قراءة