رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صناعة الأكاذيب.. ماركة إخوانية


10-9-2026 | 14:51

.

طباعة
بقلـم: د. أحمد رمضان الديباوى

منذ نحو ثلاثة عشر عامًا أو يزيد قليلا، تنتهج جماعة الإخوان الإرهابية المحظورة نهجًا مغايرًا لمخططاتها الكلاسيكية، التى كانت تعتمد من خلالها على إيصال رسائلها وخُططها وسردياتها التنظيمية والدعوية عبر البيانات السرية والاجتماعات المغلقة، لينتقل الصراع إلى فضاءات السوشيال ميديا ومنصات وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعى المختلِفة، فتصبح اللجان الإلكترونية هى الوسيلة الحديثة التى تُطلِق سهام الشر فى وجه الدولة المصرية.

الأمر ها هنا لا يبدو مجرد معارضة من فصيلة محظورة مناوئة للدولة، بل تحاول الجماعة أن تظهر سياستها مستترة بعباءة تضخيم الفشل، وبث الإحباط، وخلق «أبطال وهميين» يقدمون الأكاذيب والشائعات مغلَّفة فى ورق سوليفان باسم «البحث العلمى» تارة، وباسم «النظريات الاقتصادية» تارة أخرى!.

لا تعدم الجماعة المحظورة وجود طائفة من القنوات الفضائية التى تبث موادها من الخارج، وكذا مواقع إخبارية، وعشرات الآلاف من الحسابات والصفحات الفيسبوكية التى تُدار عبر لجان إلكترونية، يهمها فى المقام الأول صناعة «الترند»، ليكون انتشارها أكبر وأعمق، خصوصا مع لهاث مرتادى وسائل التواصل الاجتماعى خلف أى ترند، إما بحثا عن الفضائح، وإما حبا فى الفضول، وإما تزجية لأوقات فراغهم، وبعد انتشار الترند الإخوانى هنا وهناك يظهر أمام الناس كما لو كان رأيا عاما وحقيقة لا تقبل النزاع، لاسيما فى المجتمعات التى تنتشر فيها ثقافة الاستهواء!.

الترندات الإخوانية فى حقيقتها ما هى إلا مجرد أكاذيب صريحة، أرقام مفبركة عن الاقتصاد، صور وفيديوهات قديمة تُنشَر على أنها لأحداث حالية، فيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعى، والتشكيك فى أى قرار حكومى، لزعزعة ثقة المواطنين فى الدولة وقيادتها السياسية، ويبقى جمهور الشباب المصرى هو الفئة الأعظم المستهدفة لدى الجماعة المحظورة، من خلال اللعب على أوتار الأزمات المعيشية والاقتصادية الحالية، واستغلال بعض نقاط ضعف الخطاب السياسى والإعلامى لدى بعض المسئولين والإعلاميين فى تغذية مخططاتهم التى ترمى فى النهاية إلى تهيئة رأى عام مناوئ للدولة وسياساتها، وليس لديه أدنى إحساس أو مسئولية وطنية أو أخلاقية تجاه بلده.

ومؤخرًا برز فى فضاء الفيسبوك اسم أحد شباب الجماعة، ممن يحاول إيهام الناس بأن لا علاقة له بالجماعة، وأنه لا يعنيه إلا وطنه مصر (..)، وأخذ يقدم نفسه كباحث وصاحب رأى مستقل ومحايد، وقد حرص فى فيديوهاته على استخدام مصطلحات أكاديمية، ومواد فيلمية مفبركة، وعند التدقيق عمومًا فى ما يقول نجد الآتي:

1. انتقائية المعلومات: يستقطع بيانات من تقارير دولية ويحذف منها ما لا يخدم روايته.

2. ربط غير منطقي: يربط بين حدَثين لا علاقة بينهما ليبدو الأمر فى النهاية كما لو كان مؤامرة ومخطَّطا شيطانيا!.

3. اللغة العاطفية: فى محاولة منه لاستمالة المشاهدين واللعب على أوتار مشاعرهم وعواطفهم الذاتية.

وهى خطة إخوانية تبتغى كسر حاجز الثقة لدى الشباب، وتقديم الشائعات والأكاذيب، والمواد المفبركة عبر شاب مثلهم، يدعى أنه باحث مستقل، لا ينتمى إلى الإخوان، وحريص على مستقبل الوطن وأهله، وهذا الأسلوب مطابق تماما لما كشفته تقارير سابقة عن ذراع الجماعة الإعلامى، صناعة وجوه جديدة تبدو «تكنوقراط» لكنها تخدم السردية الإخوانية القديمة نفسها.

.1. انعدام الرقابة: فلا رقيب فى السوشيال ميديا يحذف ويكتب ويفبرك.

2. الانتشار الرهيب المتسارع: الشائعة تنتشر أسرع 6 مرات من التصحيح، حسب دراسات MIT عن انتشار الأخبار على منصة تويتر.

3. صناعة الوهم: من خلال تكوين وصناعة رأى عام يردد أكاذيب الجماعة فى السوشيال ميديا، كما لو كانت حقائق، دون أن يدرى أنه بات ترسًا من تروس كتائبهم ولجانهم الإلكترونية.

من هنا، كانت الحاجة ماسة إلى تنمية الوعى النقدى لدى المواطنين، من خلال مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وتغليب البحث العلمى والمنطق على العاطفة والاستهواء، وعلاج أخطاء التفكير التى تضج بها حياتنا كلها ليل نهار، لذلك لم يكن صحيحا على الإطلاق إهمال دراسة الفلسفة وقواعد النقد والمنطق فى مدارسنا ومناهجنا التعليمية، فهى حائط الصد الذى يظهر فى الأوقات التى تُرفَع فيها الكلمات، وتُدار فيها الأحاديث، وتُناقَش فيها القضايا، من ناحية أخرى فإن أسرع طريقة لقتل الشائعة هى المعلومة الرسمية السريعة، وهو ما يُسمّى بالشفافية الحكومية، فأى شائعة تواجهها الدولة سريعا سريعا بالأرقام والحُجج قبل أن تنتشر وتتوغل وتُصدَّق، تفقد -ربما- أكثر من نصف قوتها.

لقد أدركت جماعة الإخوان المحظورة أن المعركة انتقلت من الميادين إلى الشاشات الزرقاء، ولم يعد يكفى أن ترفع شعارًا مثل: (الإسلام هو الحل)، بل يجب أن تصنع «باحثًا» و«محللًا» و«صانع محتوى» ليُسوّق للناس الفكرة القديمة نفسها ولكن فى ورقة سوليفان مبهرة، كما ذكرنا آنفا.

إن المواطنين مطالبون بالتسلح بالمنهج العلمى، وبالمنطق، ومطالبون بالرجوع إلى المصادر الرسمية، وعدم الانسياق وراء العاطفة والأكاذيب التى تتغذّى على تدنى أوضاع الاقتصاد وصغوط المعيشة.

وفى المقابل، فإنَّ الدولة مطالبة بتنمية وعى المواطنين، فالوعى ثم الوعى هو المعركة الحقيقية الآن، وكذا فالدولة مطالبة بتعميم مبدأ الشفافية فى كل مناحى سياساتها، والإسراع بتجلية حقائق الأمور، مهما كانت قاسية، وإقرار مهنية إعلامية ذات مستوى راقٍ وصادق، بعيدًا عن الزيف والمبالغة، وترحيل المشكلات، فكل ذلك -إن حدث- كفيل بوأد فِتَن الجماعة الإرهابية، وفضح أكاذيبها، وتذكَّروا أنّ من يعرف الحقيقة ويفهم كيف يقدمها، سيكون الفوزُ حليفَه وإن تطاوَل به الزمان.

 
 
 

الاكثر قراءة