رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر والصين والذكاء الاصطناعي… لماذا أصبحت مصر ساحة تنافس تكنولوجي بين بكين وواشنطن؟


6-9-2026 | 23:18

.

طباعة
بقلم: م. عمرو صبحي

خلال السنوات الأخيرة تحولت مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي من مجرد «قطاع تكنولوجي» إلى جزء من الأمن القومي والاقتصاد والسيادة الرقمية للدول. ومصر، بحكم موقعها الجغرافي وشبكة الكابلات البحرية التي تمر عبرها وقربها من أوروبا وأفريقيا والخليج، أصبحت مرشحة بقوة لتكون أحد أهم مراكز الحوسبة والذكاء الاصطناعي في المنطقة.

والقصة لا تتعلق فقط بإنشاء مبنى يحتوي على خوادم؛ بل تتعلق بمن سيملك ويشغل البنية التحتية التي ستقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي خلال السنوات القادمة.

1. ما هي مراكز البيانات؟
مركز البيانات هو ببساطة «المصنع الذي يعمل بداخله العالم الرقمي». داخله آلاف الخوادم وأنظمة التخزين والشبكات والتبريد والطاقة الاحتياطية، ومن خلاله تعمل التطبيقات البنكية والمنصات الحكومية والحوسبة السحابية ومواقع الإنترنت وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد مراكز البيانات التقليدية كافية، بل أصبحنا نتحدث عن AI Data Centers تحتوي على معالجات متخصصة تستطيع تنفيذ مليارات العمليات الرياضية في وقت قصير جدًا.

ولذلك أصبحت القدرة الحاسوبية أو Compute موردًا استراتيجيًا مثل الطاقة والبترول في الماضي

بحسب التقارير الصحفية التي تناولت عرض Huawei المقدم للجانب المصري، يتحدث المقترح عن إجمالي يقارب 2,008 معالج ذكاء اصطناعي، منها حوالي 1,408 معالج للتدريب Training ونحو 600 معالج للاستدلال Inference.

الـTraining هو المرحلة التي يتم فيها «تعليم» نموذج الذكاء الاصطناعي وتدريبه على كميات هائلة من البيانات. أما الـInference فهو تشغيل النموذج بعد تدريبه لخدمة المستخدمين والتطبيقات المختلفة.

وهنا يجب التأكيد أن هذه الأرقام تخص عرضًا تقنيًا متداولًا في التقارير الصحفية ولم يتم الإعلان رسميًا عن اعتماد الصفقة نهائيًا بهذه المواصفات.

كما أن تكلفة المشروع لا تعني ثمن الشرائح فقط؛ فهناك الخوادم والتبريد والطاقة والشبكات والتخزين والبرمجيات والصيانة والبنية السحابية بالكامل

التعاون بدأ قبل الحديث الحالي عن Huawei. ففي 2024 تم توقيع عدد من مذكرات التفاهم المصرية الصينية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

من أبرزها التعاون مع Tsinghua Unigroup لإنشاء مركز بيانات وتشغيل خدمات حوسبة سحابية داخل مصر، إلى جانب تأسيس صندوق استثمار تكنولوجي بحجم مبدئي يصل إلى 300 مليون دولار.

وهنا نقطة مهمة جدًا: الـ300 مليون دولار هي حجم الصندوق الاستثماري المعلن، وليست تكلفة مركز البيانات نفسه.

وشمل التعاون أيضًا دراسة إنشاء مركز للبحث والتطوير في تصميم الرقائق والأنظمة الإلكترونية، والتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تطوير نماذج لغوية باللغة العربية، إضافة إلى برامج تدريب وبناء قدرات للمتخصصين المصريين

المشروع المحتمل لا يجب النظر إليه كصفقة شراء أجهزة، بل كفرصة لبناء بنية تحتية رقمية تستطيع مصر أن تبني فوقها اقتصادًا جديدًا.

وجود قدرات AI Compute كبيرة داخل مصر يعني أن الجامعات والشركات الناشئة والبنوك والمؤسسات الحكومية يمكنها تشغيل تطبيقات ذكاء اصطناعي محليًا بدلاً من الاعتماد الكامل على مراكز بيانات في الخارج.

كما يمكن لمصر مستقبلاً أن تصدر خدمات Cloud وAI إلى الدول العربية والأفريقية، فتتحول من دولة يمر عبرها الإنترنت إلى دولة يتم داخلها تخزين البيانات ومعالجتها وبيع القدرة الحاسوبية نفسها.

القيمة الحقيقية هنا ليست في السيرفرات، بل في الخدمات والشركات والصناعات التي ستنشأ حولها

الصراع الحقيقي ليس على مبنى أو مجموعة من المعالجات.

أمريكا تقود حاليًا جزءًا ضخمًا من منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية من خلال شركات مثل NVIDIA وAMD وMicrosoft وGoogle وAmazon، كما أن NVIDIA تملك منظومة CUDA التي يعتمد عليها عدد هائل من مطوري الذكاء الاصطناعي.

في المقابل تحاول الصين، وخصوصًا Huawei، بناء منظومة مستقلة تعتمد على شرائح Ascend وتقنيات وبرمجيات صينية.

إذا تم بناء بنية ذكاء اصطناعي كبيرة في مصر باستخدام منظومة صينية، فقد يؤدي ذلك بمرور الوقت إلى اعتماد الشركات والمطورين على النظام الصيني. وإذا تم بناؤها بالتكنولوجيا الأمريكية يحدث العكس.

لذلك المعركة الحقيقية هي:
من سيضع البنية الأساسية التي سيُبنى فوقها الاقتصاد الرقمي المصري خلال السنوات القادمة؟

وده يفسر لماذا بدأت شركات وجهات أمريكية أيضًا مناقشة مشروعات مراكز بيانات وذكاء اصطناعي داخل مصر

مصر تملك ميزة جغرافية استثنائية.

هي تقع بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويمر عبر أراضيها ومساراتها البحرية عدد كبير من الكابلات البحرية الدولية التي تربط الشرق بالغرب.

وده معناه أن مصر ليست فقط دولة لديها 100+ مليون مواطن وسوق محلي ضخم، لكنها أيضًا بوابة يمكن من خلالها تقديم خدمات رقمية لمئات الملايين من المستخدمين في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب أوروبا.

إضافة إلى ذلك، هناك توسع مصري في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهي نقطة شديدة الأهمية لأن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء.

كما أن وجود جامعات وكليات هندسة وحاسبات وأعداد كبيرة من الشباب يجعل مصر قادرة ـ إذا تم الاستثمار الصحيح في التدريب ـ على توفير كوادر للعمل في مجالات Cloud وCybersecurity وAI وData Engineering وتشغيل مراكز البيانات

الأثر الاقتصادي الحقيقي لن يأتي فقط من الوظائف داخل مركز البيانات نفسه، لأن مراكز البيانات الضخمة لا تحتاج إلى عشرات الآلاف من الموظفين داخل المبنى بعد بدء التشغيل.

القيمة الأكبر تأتي من المنظومة المحيطة بها.

نتحدث عن وظائف في الأمن السيبراني، الحوسبة السحابية، هندسة البيانات، الشبكات، الذكاء الاصطناعي، مراكز العمليات، الكهرباء والتبريد، تطوير البرمجيات وتصميم الأنظمة الإلكترونية.

ثم تأتي المرحلة الأهم: ظهور شركات ومنتجات مصرية تستخدم هذه القدرة الحاسوبية في مجالات الصحة والتعليم والبنوك والزراعة والصناعة والخدمات الحكومية.

ولو استطاعت مصر جذب شركات إقليمية ودولية لاستضافة بياناتها وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي من الأراضي المصرية، فإننا نتحدث عن صادرات رقمية جديدة وعوائد بالعملة الأجنبية وليس فقط عن استثمار تكنولوجي محلي

الاكثر قراءة