في غضون ساعات قليلة، تلقت الرياضة المصرية صدمتين متتاليتين على أرض أوروبية، الأولى باختفاء المصارع الشاب زياد حجاج من مقر إقامة بعثة منتخب مصر للمصارعة في سلوفاكيا، والثانية بهروب محمد مصطفى علي الشامي من مطار تارانتو أثناء رحلة العودة، لم تكن الواقعتان حادثين فرديين، بل تجسيد لأزمة مزمنة تعصف بالألعاب الفردية في مصر، أزمة تجمع بين الإهمال الإداري، والضائقة المادية، وانعدام الرؤية المستقبلية، فهل نكتفي بإحالة المسئولين إلى التحقيق، أم حان الوقت لتشريح الظاهرة وعلاج أسبابها من الجذور؟
بعيدا عن عرض تفاصيل وقائع الأزمة، لا يعد بيان اللاعب محمد مصطفى الشامى اعترافاً بالهروب، بل هو صرخة استغاثة، يلخص معاناة جيل كامل من الأبطال الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة المسئولية الأسرية وسندان التجاهل المؤسسى، فالمتتبع للظاهرة يلاحظ أنها تكاد تقتصر على الألعاب الفردية والسبب يعود إلى عوامل بنيوية، فى مقدمتها الغياب المادي الكامل، فلا توجد عقود احتراف، ولا رواتب شهرية ثابتة، ومكافأة الميدالية تتأخر شهوراً، ويضطر اللاعب للعمل بجانب التدريب لتغطية نفقات التغذية والمكملات، ثم الغياب الإعلامي والتسويقي، نجد أن 95 فى المائة من الضوء الإعلامي مسلط على كرة القدم، فالبطل الأولمبي يظهر يوم التتويج ثم يختفي، لا شركات ترعاه، ولا جمهور يعرفه، ولا قيمة تسويقية له، فالسفر لمعسكر يحتاج فيه اللاعب إلى موافقات عديدة، والحصول على مكافأة يحتاج إلى أختام، فيشعر البطل أنه رقم في كشف، وليس مشروع بطل قومى.
ويأتي دور انعدام الأفق بعد الاعتزال، فماذا يحدث للبطل بعد سن الثلاثين؟، في المقابل، نجد الدول الأخرى حتى الأوروبية منها تعرض جنسية وراتباً وشقة على البطل العربى.
وهناك سوابق عديدة تؤكد أن الأزمة منهجية، قضية الشامي وحجاج ليست الأولى، ففي عام 2023، هرب أحمد فؤاد بغدودة لاعب منتخب المصارعة الرومانية بعد تتويجه بفضية بطولة إفريقيا في تونس، وتوجه إلى فرنسا. وتردد وقتها أن السبب هو «الضغوط المالية وضعف المكافآت»، كما سبق أن شهدت معسكرات أوروبية اختفاء لاعبين في ألعاب القوى والتايكوندو، كل ذلك يؤكد أن المشكلة ليست في أفراد، بل في منظومة.
إن من أخطر أسباب تكرار ظاهرة هروب الأبطال، ذلك الغياب الواضح للتنسيق بين الاتحادات الرياضية واللجنة الأولمبية المصرية، الجهة المنوط بها رعاية الرياضة المصرية والإشراف على بعثاتها الخارجية.
فالاتحاد يختار اللاعبين ويرشح البعثة، واللجنة الأولمبية تعتمد الأسماء وتتولى الجانب البروتوكولى، ووزارة الشباب والرياضة توفر الميزانية، ولكن عند أول اختبار حقيقى، تختفي المسئولية ويضيع اللاعب بين الأطراف الثلاثة، فلا توجد جهة مركزية واحدة تتابع اللاعب منذ خروجه من مطار القاهرة وحتى عودته، فلا توجد غرفة عمليات تتابع أحواله النفسية والمعيشية والإدارية في الخارج، والأخطر من ذلك أن هذا الخلل يتحول إلى إهمال ممنهج يضرب بقوة في صميم الألعاب الفردية، وعلى رأسها رفع الأثقال وألعاب القوى. وهما اللعبتان اللتان لطالما رفعتا اسم مصر عالياً في المحافل الدولية، وحصدتا الغالبية العظمى من ميدالياتنا الأولمبية والعالمية، ورغم ذلك، يعيش أبطال هذه الألعاب في ظروف لا تليق بتمثيلهم للوطن، نجد أن لاعب رفع الأثقال يتدرب في صالات تفتقر لأبسط معايير التأهيل، ويسافر لمعسكرات بميزانيات لا تكفي نصف المدة المطلوبة، وعداء ألعاب القوى يخوض بطولات عالمية بأحذية وملابس يشتريها من نفقته الخاصة، لأنه لا يوجد عقد رعاية ولا شركة تتبناه، كما تغيب عنهم أبسط مقومات الاحتراف، فلا يوجد طبيب علاج طبيعي ملازم للبعثة، ولا أخصائي نفسي للتعامل مع ضغوط البطولات، حتى المكافآت التي تصرف لهم تتأخر لشهور.
إذن المشكلة ليست في اللاعب الذي «يهرب»، ولكن في منظومة لم توفر له الحد الأدنى من الرعاية والاحترام ليبقى ويستمر، فكيف نطلب من بطل أن يضحي بكل شيء من أجل الوطن، ونحن نضحي به أولاً؟
لكننا لا نعرض الموقف دون إبداء الحلول للخروج الآمن، فالعلاج المقترح، نحو هيئة قومية لرعاية الأبطال، إن استمرار سياسة «التحقيق بعد الكارثة» لن يوقف النزيف، المطلوب معالجة الأسباب، ونقترح إنشاء «الهيئة المصرية القومية لرعاية أبطال الألعاب الفردية»، لتكون جهة مستقلة مهمتها الأساسية، توفير الرعاية والرعاة للأبطال، وتتمثل مهامها في نقاط عدة، أولها نظام الاحتراف بأن يتوفر عقد رسمي لكل لاعب دولي يتضمن راتباً شهرياً لائقاً، وحوافز للميداليات، وتأميناً صحياً، وسكناً؛ ليصبح اللاعب متفرغاً تماماً.
وأن يكون هناك بنك الرعاة، لربط كل لعبة بالشركات المناسبة، لتحقيق الرعاية، فالمصارعة مع شركات الأغذية، والسباحة مع شركات المياه، وألعاب القوى مع شركات الملابس الرياضية، يستفيد الطرفان.
وتوافر إدارة احترافية للبعثات، وإلغاء التعيينات العشوائية لرؤساء الوفود، وتعيين «مدير إداري» متخصص ومسئول مسئولية مباشرة عن تأمين اللاعبين وجوازاتهم.
أما التسويق الإعلامي، فيتم من خلال إطلاق منصة «أبطال مصر» وإلزام القنوات بتخصيص مساحة للألعاب الفردية، وتحويل البطل إلى «علامة تجارية»، ولتحقيق الأمان والاستقرار بعد الاعتزال، تعيين كل بطل يحقق ميدالية عالمية أو أولمبية فوراً في جهة حكومية أو قطاع عام، مع تأهيله ليكون مدرباً أو إدارياً.
لقد سبقتنا دول كثيرة في هذا المضمار، بإجراءات حاسمة، أنشأت قطر «أكاديمية أسباير»، وقامت البحرين بتجنيس الأبطال وتوفير كل سبل الرعاية لهم، وأنشأت السعودية وزارة للرياضة بميزانية ضخمة. وكانت النتيجة قفزات واضحة في عدد الميداليات.
وهروب محمد مصطفى وزياد حجاج، نتيجة طبيعية لشعور البطل بأنه لا قيمة له، فالرياضة ليست كرة قدم فقط، فالألعاب الفردية هي التي رفعت علم مصر في طوكيو وباريس، وهي التي سترفعه في لوس أنجلوس 2028 إذا أحسنا معاملتها.
إننا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن نستمر في سياسة المسكنات، فنستيقظ يوماً لنجد منتخب مصر يلعب في الأولمبياد بأسماء خمس دول مختلفة، وإما أن ندرك أن البطل لا يُصنع بالميدالية، بل يُصنع بالاحترام والتقدير والعقد والمستقبل.