فوضى تتزايد داخلنا كلما ضاقت بنا الدنيا ودفعنا دفعا للقبول.. فنزداد عنادا أو خضوعا!.. فكلاهما ترفضه النفس فتبحث عن سبل ومزالق جديدة رحبة واسعة دون إجبار أو تملك.. فالنفس السوية تعشق البراح وتضيق بالقيود حتى ولو اضطرت لبعض منها.. وتحيا تحلم بذلك اليوم الذى تعود فيه على طبيعتها. تترصد وتختمر وتحتفظ وتتأهب وتحاذر وتختار فى يقين أنها ستكون يوما ما أرادت.
فالخيار أساس الحساب.. تغالب الأتعاب ولا تستسلم.. تردد أن ما تحياه مؤقتا.. محنة وتزول دون السماح بعصفها.. تنتظر طوال الوقت اللحاق بقطار تسعد بمقعدها داخله.. من الخلف تراقب وفى الأمام تستعد.. فى تقدم وصمود تحتل مساحة تليها الأخرى.. وعندما تبلغ ما تراه كافيا تبدأ فى استعادة موقعها.. لا تخطئ فى حساباتها إلا حينما تفرط فى حقوقها.. حتى الغفلة صارت لا تسامح نفسها بها.. فالنفس التى تحمل الثأر لحقوقها لا تفارق ثكناتها حتى وإن هوجمت فهى ماكثة تحميها.. تتوثب وتشرئب وتراقص وتراوغ وتغالب كل انكسار.. تحتفظ بمكانها فى دروب الخلاص والتمرد بلهفة المنتصر.. تحتل فضاءاتها.. لا تعتدى ولا تقبل بموقف الدفاع، فهى حفرت لنفسها مكانا يليق بين الماضين والظالمين والجائرين منْ سولت لهم أنفسهم أمرا.. لا تخطئ العنوان فعنوانها معروف حتى ولو شغلت بالدفاع عن نفسها.. لا تبرح أرضها من جراء هجوم لص أو متسلل أراد أن يسلبها روحها ويقر بواقع المحتل الغاشم ليخلق واقعا مريضا يليق بوضاعته.. يسطو ليلا فى خيانة تكرهها النفس وترفض التعاطى معها حتى فى كلمات أو صمت.. ترضى الموت شهيدة بشرف أو العيش بشرف.. فكلاهما رمز للحياة الطاهرة.
رافضة الانشطار والانكسار والهزيمة.. فى خطوات محسوبة لم تعد تعرف الهدر عبر الأزقة ولا الانتظار خلف الشرفات والارتجاف من فوات.. فما بقى أقل مما ذهب.. فلم تعد تعتقد فى الحنين والأسى على ما فات.. بلا تعاطف مع قاتل أو مهادنة مع منْ طعن خنجرا فى الظلام.. ولم تعد بحاجة لصديق أو رفيق فالكل يخون ويسرق ويغير على نفس بريئة!.. صارت تفهم كل الطقوس رغم أنها لم تعد تستهويها طقوس.. ولم تعد تلهو فى الفراغ أو يشغلها بلوغ الأرقام فقد تجاوزت الأرقام واختارت منها فألا يدفعها فى المسير.. لم تعد تطلق الصراخ أو العويل ولم تعد تملؤها الهموم.. وطنها نفسها أخرجت منه كل الأعداء فصارت بلا أعداء.. فالأعداء على الحدود ومنْ يسرق الأشياء.. ومنْ يحاول القفز من فوق أسوار صارت عالية لم تعد سهلة العبور.
كل الساعات صارت مهمة، فالمهام شاقة وكثيرة فالوقت عدوها أو ندها.. تظفر وتحمل وتجرى وتضحك.. لا تبكى ولا تفزع.. فقد ابتلعت من أحوال ما أصابها بالهدوء.. تتمدد فى مساحاته وساعاته.. تريد وتسمع وتجمع فى رحلة الثأر والوجود.. فلا إعادة لزمن بل إرادة لاستعادة.. ولا عودة لميت فقد ماتوا مع ما فات من عمر مسروق.. بعدما كانت الغافلة مع منْ أراد فرض وصاية عليها لالتهام كنوزها.. بترت وعادت رغم البتر بعينين مفتوحتين وخصلات شعر تفيض على الجبين حلاوة.. وفاه مبتسم من فرط يقين وحكمة.. تسخر من هزيمة بحلم الجنون.. تحتضن الأشياء دون الذوبان.. تعدم ذاكرة الخوف والهوان والحنين.. استراحت وتحاشت الألم أن يعود.. لا تريد أن تعلم شيئا عما فات.. فالأمر بات أيسر عندما ملكت أمرها بعمر رشيد وزهو دون دمعة على فراق.. على منْ خالف عهد بقائه بجوارها بهجر وغدر.. فالدنيا فى فرار باتت معه تسأم اللحاق!.
بإتقان ومهارة أفضل وقدرة على حبك دورنا أيا كان جنونا أو تعقلا أو حتى مجرد مرور لعابرين لا يذكرون!.. فالتفاصيل تقتلنا والأندال تلتهمنا!.. ونحن منْ سئمنا العودة برسم جديد.. كرهنا الماضى وفرضه على الواقع بشكل جديد!.. نسعد ونحزن بأحاسيس تتكرر ومشاعر تضارب.. فلمَ لا تتركوننا طالما كنتم الهاجرين؟!.. لماذا التلصص والعودة فى كر وفر؟!.. لماذا القفز فوق حياة انتحرت؟!. تخنقون هواءنا وتسممون عبيره وتهاجمون أحلامنا؟!.. صرتم الماضى والواقع الأليم!.. أمرا عاديا وإن لم يصر عاديا فكل شىء لذوبان.
لن أكون جسرك ولن تغتصب ملاذى وما عاد لظنون الثقة مكان.. الحقيقة داخلى تسكن.. فى يقظة تقتل كل لص ومناوئ أراد مأساتى.. لا أنثى ولا رجل!.. إنسان يحوى قلبا وروحا.. يحمى قلعته بمغاليق ومتاريس صوب كل مهاجم أرداه قربانا لحياته.. آكلى لحوم البشر وعقولهم يتلذذون بامتصاص الدماء ويعودون بمنتهى الجحود.. ظانين أن البئر لم ينضب.. فقد حان الوقت لطرد من التهم عنفوان السنين لعنفوان أكبر يليق بنفس مطمئنة.
مفتخرا باعتلاء عرينه.. عبر وعبر من غدر وفارق على الجهة الأخرى.. فصار جاثومه يخيم على نفسه.. يحرم عليه تجاوز الجهة المقابلة.. متروكا خلفه يعانى الالتصاق والتسلق.. يحيا الوجود فى خيبة العجز.. يلهو دون لحاق. سبقه بعدما كان جانبه يحيا على هوائه ودمائه.. لم يعد يتساءل كم بقى لديه؟!.. فما تبقى يكفى لتجاوز سنوات الضياع.. أخذ وقته وضاع معه ما ضاع دون حسرة أو وهم.. تكفيه النهاية حتى ولو كانت لحظات من الخلود.. نقطة ختام بروعة كما كان بادئا واثقا باستثناء حي على ظهر الحياة .
بشجاعة دون ندم على ما انزلق من قلوبنا فى طريق الفوضى.. ودعنا الحمق وصرنا القادرين على الحلم والنوم فى هدوء.. ما عدنا ننتظر الغائبين بل صرنا نسعد بغيابهم.. انسحبنا وسحبنا رءوسنا خارج المذلة.. لرهف عيش بعقل رصين وحكمة السنين.. التى ما كانت تأتى سوى بوقع السنين.. كم ركبنا المخاطر رغما عنا.. وركضنا خلف خائن وعويل.. راقصنا الشياطين وحفتنا الملائكة طهرا ونقاء وجزاء أوفى!.. بدفء يعوضنا كل برد وصقيع.. بزغاريد تصاحب بطلا مسرورا.. يمر ولا يهمه من كان تحت الأنقاض.. وما عاد يعنيه ما تمخضت عنه الحياة بعد الطوفان.. الآن يعيش مع ما تبقى من كل زوجين.. دون عتمة بضياء يلتقط حب السنين.. بنى من تيه فوق الحطام ما اتخذه أثاثا لعرشه وكمالها.. فهى أجزاؤه المنهوبة.. أطفأ الحريق راضيا.. فهو منْ كتبت له النجاة وصار وجوده يجلجل المكان ميلادا وضحكا ونشيدا ووقتا ومرحا.. فقد أسرت له الحياة بأن على النهاية بعضا من وقت من سعادة.
فمنحته عطاء قبل الرحيل.. لحنا ولونا وحلما وشعرا.. حلو يذيب مرارة الغدر والهجر فى رييع مزدهر.. تملؤه النبضات دون احتراق يأخذه لمهالك المأوى الأخير.. لم يعد يحلم بوهم علم أنه المستحيل.. يمضى خلف نفسه وحدها.. دون احتكاك يثير الشجون.. يجتاز ويعبر ويدخل ويخرج ويلهو وينجح دون أن يتذكر.. يرتدى ويخلع دون أن يتعرى بعشق ينتهك الجسد ويطعن القلب.. فقد تعلم أن يحيا دون عشق الأجساد.. فمضى للعشق الإلهى.. نجاة وفوزا من اغتصاب الأوغاد.
بلسان حال لا شىء لدىّ وكل شىء لدىّ؟!.. أجنحتى ترفرف وقلبى يدق ودمائى تنبض فى العروق.. خطواتى تدب فى طرقات فسيحة الأرجاء.. لم أعد أحلم بعودة أو لقاء فالحلم هراء سقط من حساباتى.. لم أعد أعرف لليل طريقا أو للنهار فى يقظة!.. أحمى وأحفظ حدودى ومسافاتى.. حقائق أحياها لا تعرف وهما.. موجودة بما يعنى وجود الأشياء والأشخاص.. لا أؤجل ولم تعد لدىّ قائمة مؤجلات.. توقظنى راحتى وهى ما تدفعنى للنوم.. لم يعد لدىّ شىء أهرب منه.. ولم يعد الحلم مهما فقد صار الواقع واقعيا.. زمان يسير ويتجاوز وما زال يتحرك دون توقف.. فالساعات لا تتوقف ونحن منْ نظن أن نورها ينطفئ أو يعيرنا اهتماما أو يتأملنا!.. تمر وتقطع الرقاب وتحصد الأعمار.. بهلامية لا نراها تحصدنا فى سجلات وجمع البواقى فى خاتمة.