وتمر الأوقات وننسى أن نحسب الزمن.. ويسرق أعمارنا دون أن نشعر.. يصيبنا بوهن يكشف لنا اقتراب النهاية بقوة وسرعة.. رغم أن السرقة كانت بطيئة مبهمة دون إعلان!.. فقد تسربه التغيير تدريجيا وأعلنت نتائجه وشكله وملامحه فى فجأة صادمة!.. وقد تستوعب أو لا تستوعب رغم أن الانتباه لم يغب عنا لحظة!. لكننا مهما بلغنا من الإدراك والوعى محدودو القدرة مشتتون فى معارك تافهة!.. تبدأ فى الظهور وتأخذ وتفقد وتتبدل ويأتى غيره بأسبابه الكافية رغم أنها فى غالبها واهية!
فى اندفاع أو تحسس واختبار سواء حققت جدوى من الحراك أو كان مجرد حراك لا يحمل معنى ولا شكلا.. تجربة وخطأ يتحصل الصدى أو لا يتحصل.. خلل يصيبنا نقاوم ونحاول أو نسقط ونعاود المحاولة.. نتأخر أو نتقدم بشىء من الحظ وبمعنى آخر الصدفة.. فالقليل النادر منْ يملك الاجتهاد بخطوات محسوبة.. يصيب ويخطئ بنتائج مقبولة فى ثبات.. فالجموع فى الغالب تحركهم الحاجة والدفاع عن النفس ورد الفعل.. فى ارتباك يشغلهم عن ترتيب الأولويات فى مشاهد تتسع وتضيق وتفاصيل تخدع الجميع. نتحسس أنفسنا ونرفع أعيننا ونتحرك فى توجس.. نحدق طويلا ثم نبدأ فى الاندفاع والدوران.. قد نُعيد أنفسنا بهدوء إلى ذلك الجمود رغم أننا نبغى الحراك.. لكننا نريد أن ندرك مبلغ الخلل الذى أصابنا ولا يخص أحدا أن نفصح عما أصابنا.. نريد تحديد حجم الخسائر رغم رغبات الركوض واستعادة الاستنفار.. نتقدم خطوة للأمام ونعود أخرى للخلف.. فى تساوٍ أو جور وما نلبث أن نكتشف أننا لا نحتاج سوى نبض الحياة.. حتى الارتباك نسميه حياة فالمهم ألا تغيب عنا.. نحاول ونعجز ونشعر ولا نفقد الإحساس حتى ولو كان ألما!.. أو سرابا نعجز عن الإمساك به!.. فغالبا الفراغ الذى يملأ أنفسنا ويصيبنا بالحيرة حالة تحركنا وتدفعنا يمينا ويسارا.. نتوقف وننتظر ولا نكف عن التفكير حتى فى حالات التوقف والانتظار!.. ربما رجونا المفاجأة التى تغير ما نحن عليه!.. ربما كان بسبب اليأس من الحركة العشوائية.. فهى عشوائية بالنسبة لنا طالما لم تحقق ما نريد.. فقد تذهب أنفسنا فى رحلات خاطئة تريد أن تصنع غيرها حتى تعود منتصرة قادرة على تقديم مسوغات القبول!.. تفرض علينا مصائر غير مقبولة.. دون أسباب كافية نحملها أو نحتفظ بها وقودا يدفعنا للرضا فى رحلة غير المريح!.. بين حالات شعورية متضاربة نسعى لتهدئة كافية لمواجهة العقل والقلب.. ما يقنعنا ويمنحنا راحة ويبعدنا عن الندم.. فى سعى لإدراك ما لم ندركه.. بل المزيد والمزيد فعادة النفس البشرية الطمع والطموح والنهم رغم اختلاف الوسيلة ومشروعية الغاية.. فكلنا سواء أمام جمع المكاسب حتى ولو تظاهرنا بالزهد.. بل أبسط الأشياء قد تكون مطمحا صعب المنال وسط مطامع البشر وحروبهم الشرسة فى حرمان الضعيف من أبسط حقوقه.. فتمتلئ أنفسنا بالاهتزازات نحاول معها أن نحفظ إيقاعها فى مواجهة مكنونات غيرها من الأشخاص والأشياء من حولها.
ونحيا فى تحدٍّ دائم للبقاء على قيد الحياة سواء كنا ظالمين أو مظلومين.. فى تكرار وانحراف واختلال سواء أصبنا الثوابت أو استطعنا الدفاع عنها.. فكل محارب يعد الدقائق ليمر.. تتراكم داخله أشياء ويحاول دفع أخرى.. يستطيع أو لا يستطيع فى تفقد براءتها وربما وزنها.. فكثير من الحروب ما تحمل أسبابا واهية تتحدد أهميتها تبعا للشخص نفسه أو منْ يحاربه!.. فنندفع دون أن نشعر لحالات من اللافهم.. تحقق خسائر لطرف ومكاسب لآخر.. حائرين فى أفكار وسلوكيات تحسم المواقف.. نتحول معها لملاحقات أو ثبات ولو نسبيا.. فى تراكم لآثار ما يصيبنا يحركنا فى اتجاهات مختلفة.. ونعاود ونحاول ونحمل ما لا يتحمل.. وتصبح أنفسنا سلاسل من العقد تدفعنا للانحناء والتكرار والصدام.. قد نفقد الهدف ونصير مجرد تتابع لأنفس مشوهة محرومة من الثقة.. تتقدم وتتأخر وتقترب وتبتعد أو تستبعد!.. فكل الأشياء والأحداث تنعكس علينا فى انفصال والتحام لما نحمل من أشياء سوية متناغمة مع الفطرة، وأخرى تشتعل بانحرافات لأسباب عديدة.. نتخبط وننقسم ويبدو كل شىء غريبا عنا!.. لم يكن ولم نكن هكذا!.
أو ربما كان ما أصابنا من تناقض كاشفا لغموض ما خدعنا فيه!.. وربما نتيجة لخطئنا!.. وربما كان الاثنين معا!.. فالتعاطى يضيف ويأخذ ويخلق صورا جديدة قد نحتار فى فك طلاسمها.. قد نفشل وقد نفلح بفك الارتباط بين ما نحمله وما نلاقيه فى مشاهد تتكرر.. ورغم نمطيتها إلا أننا دائما نقابلها بالدهشة ونحاول إعادة صياغتها.. ننحى سذاجتها وجهلنا وإذا ما كتب لنا النجاح ترانا نحاول استعادة أنفسنا بالكف عن التفكير أو ربما التفكير المفرط الذى قد يدفعنا للعلاج النفسى والبدنى!.. فالإجابة على ما أصابنا دائما تتأخر متروكة للزمن الذى لا يعطى سره لأحد إلا بعد بلوغ الهدف الذى لا يعلم أحد مداه.. فنلجأ للهروب وبصيغة أخرى لتجميد مواقف وحالات داخلنا رغم شقائنا.. فلم يعد بمقدورنا التعاطى معها فنختزل ما أصابنا وننسحب ونكمل نحو أى شىء خارجنا أو داخلنا رغم حملنا للأثر الذى حفر ندوبا غائرة.. نسير ونحمله وقد نصير صداه.. لأنه أكبر من احتمالنا.. فنتحول لنسخ جديدة لم نكن نتوقع بلوغها فى يوم من الأيام من الشراسة غالبا.. فالنفس ترفض الخنوع حتى ولو كان أمرا واقعا.. وإذا ما فرض عليها تختمر الثأر داخلها وتنتظر لحظة الصفر!.
قد تزداد حرصا ووعيا رغم حالة الاضطراب فى المرحلة الانتقالية.. لكن هول ما تحمله يخلق بها قوة قد تدفعها للتطرف أو قد تبلغ من الهدوء قدرا مؤقتا.. لكنها لا تنسى ما أصابها.. فذاكرة الألم قوية لا تمحى مهما هادنت.. مجرد تكتيك تشحذ النفس قواها لتكمل حياة مفروضة عليها.. ولا تترك الساحة مهما بلغت من الضعف.. مدفوعة للاستقرار فبلوغ مأربها يحقق لها الاستقرار ويدفعها لتكمل طريقها.. وتتحمل فى سبيله الكثير حتى تكون ما تريد.. مهما ظهر عليها من ملامح الهدوء المصطنع لكنها لا تفقد اتجاهها.. وبعد استيعابها الصدمة توحد الاتجاه مع الهدف وتخرج من اختلال يكمن داخله ألم عليها أن تسكنه بثأر يحقق لها إعادة الاستقرار.. ومن ثم عليها العودة للحياة بنهوض دون انتظار.. فلم يعد الانتظار مجديا فالأوقات تتناقص والفرص أيضا.. والأشياء تغادر مواقعها.. فنتمسك بالبواقى ونجعلها مزدهرة فى تزامن نحو الهدف.. قرارات.. أفعال يدفعها ضيق الوقت لشجاعة وإرادة وقوة كافية تحسم كل شىء.. فطول المعاناة كافية لتحقيق نهاية تليق تتحقق معها أسطورة النصر بردع يشبع غرور النفس وتألقها.
ونتعلم أن نراجع ونراقب بشىء من الحرص والحذر لنعاود الحياة.. قد نبدو أكثر وقارا ووجاهة أو تكسونا اللامبالاة وعدم الاكتراث.. فعلى قدر ما أصابنا من دهشة نبلغ سرا بقيمة أنفسنا وتقديرنا لها.. وكذا عزوفا عن فضول نحو أشياء غير مجدية.. بل العجب فيما نجده من طلاسم أشياء تفك نفسها بنفسها دون سعى منا!.. تكشف لغزها وتسقط أقنعتها!.. ظانة أنها بلغت من البجاحة ما تؤذينا بفرط وقاحتها!.. فلم تعد بحاجة لمداراة أو مجاملة مع انتفاء المصلحة والمنفعة.. مكافأة لبراءتها رغم قسوة المكشوف وفداحة السر المخفى.. لكن بمرور الوقت أصبح ميتا تحمد الله على وفاته.. فبرحيله توقف استنزافك وابتزازك.. تحزن وتضحك وترحب بالحياة.. وتتيقن أنك صرت محظوظا بكشف المستور.. تتوسم فى الأيام خيرا يليق بنقائك يبلغك السكينة.. تدثر نفسك فقط دون أحد أو شىء آخر.. تكف عن انتظار مستحيلات أخرى متحصنا بنفسك.. تتخلى عن مخاوفك ببلوغ نفسك زحاما يمنحك ثقة وقدرة تحت غطاء العقل والحكمة.. تعانق نفسك دون انحناء ودون حسابات فارغة.. فرحلتك شهدت كل ألوان الألم رغم أن حالة السعادة التى وصلت إليها غير أبدية فلا شىء أبدى.. فالأمور كلها تحتمل الخطأ والصواب.. بل دائما ما يختلطان وينتج الألم.. تتعلم كيف ترتق التجاويف وتداوى الجرح وألا تقف كثيرا أمام ما أصابك.. تتأهب وتستعد دائما للمغادرة سواء غادرت أو غادرتك أشياء وأشخاص، فالفراق سنة الحياة ولا شىء مضمون ولا إحساس دائم.. لا تصدق ما تراه بل تصدق نفسك وبعدها قد تحظى بالتصديق أو النفى.. تحمى نفسك ولا تمنحها للغرباء.. تحفر لهم أماكن محدودة قد تصير قبورا أو متسعا يليق بجواز مرورهم.. تتيقن أن الحياة عناء موت بطيء.. لكن عليك أن يكون تسربا فى لذة ومتعة.. تلتمس لنفسك كل عذر فكل إنسان خطاء وعليه أن يكون توابا.. حكمة وبلاغة وتعافٍ لنفس عليها أن تنهض دون أن تكون صعلوكا أو مهرجا.. ترفض الشقاء رغم أنه مفروض.. عليك أن تكون استثنائيا رغم الحذر واليأس والهموم والآلام.. دون رفيق فلا رفيق يشبهك فى هذه الحياة.. فالحياة تضيق وتعلمنا الوحدة والعزلة مهما كانت متسعة.. علينا أن نشق نفقا تحت الأرض لنحيا بسلام ونختبئ بسلام!.. تقف خلف نفسك تتابع.. ترى.. تسمع.. ترفض.. تتقن دورك لتجيد اللعبة فى مشاهد تتابع وحركات فى إصرار وشجاعة.. تحيا حياة بعد حياة بسبع أرواح وأكثر.. تموت وتعود فى مغبة وغياب وحضور تدحرج الرغبات فوق أرجوجة الحياة.