كثيرة هى تلك الأصوات التى تغنت بحب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حتى أولئك غير المحسوبين على الغناء الدينى حتما ستجد فى رصيدهم الغنائى ما يعبر عن هذه النزعة الدينية، ولا سيما حب النبى الكريم والتغنى بفضائله الكثيرة وشمائله العديدة، وفى الوقت نفسه هناك مطربون يذكرهم التاريخ بفضل تراثهم الغنائى فى مدح الرسول حتى لو كان لهم إرث فنى فى أغراض غنائية أخرى، على رأس هؤلاء المطرب الراحل محمد الكحلاوى.
ففى كل مناسبة تتعلق بتاريخ الدعوة المحمدية ولا سيما المولد النبوى الشريف نستعيد جميعا الكثير من أغنيات الكحلاوى فى محبة الرسول مثل: لجل النبى، حب الرسول يابا، عليك سلام الله يا حبيب الله وغيرها من تلك الأعمال الخالدة التى كان الكحلاوى ينشدها فى خشوع وهيبة تليق بمقام الرسول الكريم وبجلال الحدث الذى كان يغنى له الكحلاوى.
لكن تبقى لتجربة سيدة الغناء العربى أم كلثوم فى الغناء الدينى خصوصيتها وتميزها ليس فقط فيما يتعلق بتراث كوكب الشرق الغنائى تحديدا، وإنما فى تاريخ الغناء العربى كله، يكفينا الانتباه إلى أن طفلة طماى الزهايرة دقهلية التى أتت من ريف مصر قد بدأت مشوارها الغنائى الطويل بالمدائح النبوية، حينما كانت تخرج فى معية والدها الشيخ إبراهيم بلتاجى وشقيقها خالد تجوب القرى والنجوع لتغنى فى حب الرسول على غرار: اللهم صلى وسلم على أحمد نبينا، أمدح المكمل أحمد الرسول، تجلى مولد الهادى، سبحان من أرسله رحمة، ربنا صلى وسلم .. ومن مدهشات القدر أن آخر الأغنيات التى قدمتها أم كلثوم على المسرح كانت «القلب يعشق كل جميل» فى الرابع من يناير 1973، وودعت بعدها جمهورها فى مشهد مهيب لا ينساه لها جمهورها العريض، وكأن مشوارها الغنائى كله يمكن وضعه بين قوسين كبيرين عنوانهما الأعظم «مدح النبى محمد صلى الله عليه وسلم».
وتعد الفترة الذهبية فى غناء أم كلثوم الدينى بداية من النصف الثانى لعقد الأربعينيات وما بعده، ففى السابع من فبراير 1946 وبمسرح حديقة الأزبكية أنشدت كوكب الشرق لأول مرة فى حفل عام قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقى «سلوا قلبى»، بعد أسابيع قليلة من بث الإذاعة المصرية للقصيدة نفسها فى حفل استقبال العاهل السعودى الملك عبد العزيز بحضور الملك فاروق، وفى مسرح حديقة الأزبكية أيضا ولكن فى الثانى من ديسمبر 1948 غنت أم كلثوم للمرة الأولى قصيدة «نهج البردة» وهى محاكاة من جانب أمير الشعراء لبردة الإمام البصيرى فى مدح الرسول الكريم، وبعدها بأقل من عام قدمت أم كلثوم فى العاشر من نوفمبر 1949 وبدار سينما ريفولى رائعتها «ولد الهدى فالكائنات ضياء» بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، وهى الأغنية التى لا نزال نستعيدها مع كل احتفال بتلك المناسبة الجليلة، وفى السادس من ديسمبر 1951 وبدار سينما راديو شدت كوكب الشرق لأول مرة بقصيدة «إلى عرفات الله»؛ لتنهى بذلك استحضار ما نظمه أمير الشعراء أحمد شوقى فى حب الرسول ومدحه، وكل هذه الأغنيات كانت من ألحان الموسيقار رياض السنباطى الذى لحن لها أيضا فى حفل الرابع من مايو 1967 بدار سينما قصر النيل قصيدة الشاعر الباكستانى محمد إقبال «حديث الروح» التى تقول فيها البيت الشهير «إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحيى دينا»، ثم أنشدت أم لثوم من نظم بيرم التونسى رائعة «القلب يعشق كل جميل» لأول مرة فى حفل سينما قصر النيل فى الرابع من فبراير 1971 وبعدها بعدة أشهر وبالتحديد فى الخامس والعشرين من نوفمبر 1971 أذاعت الإذاعة المصرية قصيدة «الثلاثية المقدسة شعر صالح جودت، وهى آخر ما لحنه السنباطى لأم كلثوم فى قائمة الأغنيات الدينية.
ولا يجب أن نغفل فى هذه القائمة بعض الأعمال الأخرى التى لم تنشدها سيدة الغناء العربى فى حفلاتها العامة، مثل قصيدة «توبة» التى قدمتها الإذاعة المصرية فى الثانى عشر من ديسمبر 1962 من شعر عبد الفتاح مصطفى ولحن رياض السنباطى صاحب النصيب الأكبر فى تلحين الأعمال الدينية لكوكب الشرق، وكذلك أغنيات الصورة الغنائية الإذاعية «عازفة الناى» أو رابعة العدوية التى كتبها طاهر أبو فاشا وأخرجها للإذاعة عثمان أباظة، وشارك فى تلحينها مع السنباطى كل من محمد الموجى وكمال الطويل، وهى الأغنيات التى أعيد استغلالها حينما قام المخرج نيازى مصطفى بتقديم الفيلم الشهير عام 1963.
وهكذا لم تتنازل كوكب الشرق أم كلثوم عن تقديم الغناء الدينى ولا سيما ما كان منه فى مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم انتصارا لنزعتها الدينية التى أتت بها من ريف مصر ومن بداياتها فى مرحلة الإنشاد الدينى وغناء المدائح النبوية، ثم أصقلت ذلك بتذوقها لعيون الشعر والدعم الثقافى اللا محدود الذى وفره لها شاعر الشباب أحمد رامى فى انتقائه لأجمل ما كتب أمير الشعراء أحمد شوقى وإشرافه على بقية اختياراتها الأخرى من الأشعار الدينية التى تصدت لغنائها.