رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مسار التعافي الاقتصادي السوري


22-8-2026 | 17:13

.

طباعة
بقلم: أحمد شيخو (باحث سياسي سوري)
تمر سوريا اليوم بمرحلة حاسمة؛ إذ لم تعد الأزمة محصورة في أبعادها العسكرية والأمنية، بل تمتد لتتصل بكفاءة إدارة الآثار البنيوية العميقة التي خلّفتها سنوات الحرب الطويلة.

إن الانتقال الحقيقي والمستدام من مرحلة "إدارة الكارثة" إلى الاستقرار التنموي المأمول يتطلب من السلطة الانتقالية تجاوز مسكنات الإغاثة الإنسانية المؤقتة والوعود النظرية الفضفاضة، والذهاب مباشرة نحو معالجة تآكل الهيكل الاقتصادي والاجتماعي عبر مقاربة عملانية تُخضع الأداء الحكومي لمشرط النقد العلمي والتقييم المؤسساتي الدقيق. يمثل التعافي الإنتاجي نقطة الانطلاق الجوهرية لمعالجة هذا المشهد المعقد؛ إذ يواجه الاقتصاد السوري تآكلاً هيكلياً تجعل فيه المساعدات الإغاثية الدولية مجرد مخدر موقت عاجز عن معالجة التدهور المستمر في القوة الشرائية أو الحد من تداعي الليرة السورية. إن الواقعية الاقتصادية تقتضي إعطاء الأولوية القصوى لدعم صغار المزارعين، والحرفيين، والورش الصناعية الحالية؛ باعتبارها المسار الأسرع لتوفير سلع محلية بديلة تحاكي سياسة استبدال الواردات، وتعمل في الوقت ذاته على خلق فرص عمل سريعة ومباشرة .

ويجب أن تسير هذه الإجراءات بالتوازي مع الخطط الكبرى لتأهيل البنية التحتية، وأن تكتمل بإدارة نقدية مرنة تشجع تدفق تحويلات المغتربين عبر القنوات المصرفية الرسمية بتقديم أسعار تفضيلية واقعية تقرب الفجوة مع السوق الموازية، مما يسهم في امتصاص التضخم، وضخ السيولة الأجنبية في الشرايين الاقتصادية الرسمية بدلاً من تسربها خارج المنظومة .

وعلى الرغم من محورية العملية الإنتاجية، إلا أن الأداء الحكومي الانتقالي في إدارة ملف الطاقة ما يزال يشوبه البطء الإجرائي وغياب الشفافية الكافية.

فرغم توقيع عقود استكشاف وصيانة مع شركات أمريكية ودولية أحدثت تحسناً جزئياً في بعض القطاعات، إلا أن حجم التغذية الكهربائية المتاحة يبقى غير كافٍ إطلاقاً لمتطلبات التشغيل الصناعي نتيجة بطء التمويل وتداعي شبكات النقل والتوزيع المتهالكة. تبرز الحاجة هنا إلى إسناد علمي وعاجل يركز على حسم الملفات البنكية العالقة، وفتح المجال فوراً أمام القطاع الخاص والاستثمارات الإقليمية والمحلية لإنشاء محطات طاقة بديلة ومستقلة (شمسية وريحية)، تُخصص كلياً لتغذية المدن والمناطق الصناعية، لضمان استمرارية دوران عجلة الإنتاج بعيداً عن أزمات الانقطاع المتكرر، وتخفيف الضغط عن الشبكة العامة المخصصة للاستهلاك المنزلي والخدمات الأساسية .

يتصل هذا الشريان الإنتاجي بملف جذب رؤوس الأموال، حيث يخضع المستثمر العربي والأجنبي والمغترب دائماً لمعادلة صارمة أساسها "الربح والمخاطرة".

وقد شكل مغادرة بعض المجموعات الاستثمارية بعد استكشاف السوق إنذاراً مبكراً كشف عن اختلالات حكومية واضحة في إدارة البيئة التشغيلية، كصدمة الواقع الخدمي والطاقي، واضطراب القرارات المالية وضبابية ضمانات تحويل الأرباح، والفجوة الحادة بين التوافقات السياسية السيادية والتطبيق الميداني. تتطلب معالجة هذا الخلل مراجعة جذرية لآليات الإدارة الاستثمارية الانتقالية، عبر تأسيس نافذة موحدة تشرف عليها لجنة سيادية لتجاوز التداخل البيروقراطي وحصر منافذ الفساد، مع تفعيل عملي لعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص (BOT) لإدارة وتشغيل الموانئ للبنية التحتية والطاقة بضمانات صريحة، وتأمين حلول طاقة سريعة ومستقلة تضمن التشغيل الفوري للمنشآت .

ينعكس هذا الاستقرار الاستثماري مباشرة على ملف تفكيك العزلة المالية والبنكية؛ إذ يُلاحظ أنه رغم رفع الكثير من العقوبات بقرارات رسمية، لم يلمس المواطن أثراً إيجابياً ملموساً بعد على مستوى معيشته ومؤسساته. يعود ذلك لسببين هيكليين: استمرار ظاهرة "الإفراط في الامتثال المصرفي" لدى البنوك العالمية والإقليمية التي تخشى المخاطرة وتستمر في التحفظ الحذر، إضافة إلى كون القرار السياسي برفع العقوبة لا يصلح البنية التحتية والمادية المتهالكة تلقائياً. يكمن المخرج الدبلوماسي والإجرائي في التوسع باستغلال مشاريع "التعافي المبكر" لتأهيل القطاعات الحيوية كالمياه والصحة والكهرباء بتمويل أممي، والاعتماد على التبادل السلعي المباشر والعملات المحلية لتجاوز تعقيدات الحركة المصرفية الدولية. يكتمل ذلك بتوظيف الموقع الجغرافي لسوريا كممر طبيعي لربط دول المنطقة العربية بتركيا وأوروبا، وكشريان لمرور النفط والغاز نحو موانئ البحر الأبيض المتوسط، مما يخلق مصالح اقتصادية متقاطعة تُجبر الأسواق والمؤسسات المالية على كسر حالة الجمود والتكيف السريع مع رفع العقوبات.

يتوج هذا البناء الاقتصادي بالبعدين السياسي والإنساني؛ إذ تظل كل خطط التعافي الاقتصادي مجرد حبر على ورق ما لم تقترن بتوفير مناخ سياسي مستقر وبيئة أمنية ضامنة تُعيد للسوريين شعورهم بالأمان وسيادة القانون، وتضمن لهم العيش بكرامة في وطنهم. ينبغي على السلطة الانتقالية أن تدرك أن الاستقرار السيادي الشامل وسيادة القانون هما الشرط الهيكلي الأول والمحرك الأساسي لإعادة الإعمار. يفرض هذا التقييم العلمي تجاوز حالة الهشاشة التشريعية الناجمة عن وجود مجالس غير منتخبة—كمجلس الشعب السوري الأخير—أو أطر دستورية صيغت بتسرع لحسابات فئوية أو تجاوباً مع أجندات خارجية؛ إذ لا يمكن بناء بيئة استثمارية صلبة دون قوانين وحمايات إجرائية مستقرة تعلو فوق التجاذبات السياسية .

كما يتطلب هذا حسم ملف الملكيات العقارية عبر آليات قانونية موثوقة تحفظ حقوق المواطنين، مع ربط السكن بالعمل عبر إعادة تأهيل الأسواق والمزارع والمصانع المحيطة بالمناطق السكنية لتشجيع العودة الطوعية للاجئين والنازحين. إن استدامة الإعمار تشترط تحقيق عدالة تنموية شاملة لكافة المحافظات دون تمييز، بما فيها الساحل والسويداء والمناطق الكردية، ودعم المصالحات المجتمعية تمهيداً لصياغة عقد اجتماعي ودستور وطني جامع يعبر عن تطلعات السوريين كافة ويضمن عيشهم بكرامة.

وفي هذا السياق التنموي، تظهر الأهمية الاستراتيجية لترسيخ مناخ من الحريات العامة وتشييد إعلام حر ومستقل كشرط بنيوي لا غنى عنه لإنجاح إعادة الإعمار؛ فالإعلام الحر ليس مجرد رفاهية سياسية، بل هو أداة الرقابة والشفافية التي تحارب الفساد وتكشف مواضع الخلل البيروقراطي والمالي قبل استفحاله—لا سيما في ظل انتشار الجيوش الإلكترونية وسيادة أولويات تغفل أهمية بناء سوريا وتركز على بث خطاب الكراهية والتحريض، حتى من قبل مقربين من السلطة وبعض المؤسسات الرسمية للأسف .

إن وجود بيئة إعلامية آمنة تحمي حريات التعبير وتضمن تدفق المعلومات يعزز ثقة المواطن والمهجرين في جديّة مسار العودة والاستقرار، كما يمنح المستثمرين العرب والأجانب الرؤية الواضحة والأمان القانوني والتنفيذي الذي يبحثون عنه؛ إذ لا يمكن لرأس المال أن يدخل في بيئة مظلمة تفتقر للشفافية وتتجاهل المساءلة والمكاشفة العامة.

إن تعافي سوريا ليس مجرد رهانات اقتصادية أو صفقات تجارية عابرة، بل هو عملية إعادة بناء شاملة تبدأ من استعادة ثقة المواطن قبل المستثمر واستعادة القرار الوطني السوري، وتعتمد على تحويل القرارات السياسية إلى إجراءات عملية ملموسة تُصلح البنية التحتية وتؤمّن أدوات الإنتاج. إن صياغة المستقبل السوري تتطلب الانتقال الشجاع من إدارة مرحلة الصراع إلى إرساء قواعد دولة القانون والمؤسسات، عبر دستور وطني ديمقراطي، وإعلام شفاف، واستقرار أمني وسياسي، وعدالة تنموية شاملة تمكّن السوريين كافة من إعادة إعمار وطنهم بأيديهم، وإعادة دمج بلادهم كشريك فاعل وأساسي في محيطها العربي أولاً والإقليمي ثانياً والعالمي ثالثاً .

الاكثر قراءة