لم يعد الأمر مجرد جرائم قتل متفرقة تقع هنا وهناك، أو مجرد حوادث جنائية يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع فردية منفصلة، فالمؤلم فى السنوات الأخيرة تكرار جرائم قتل تقع داخل نطاق الأسرة نفسها، حيث يقتل الزوج زوجته أو يعتدى الابن على أحد والديه، وأحيانا تمتد يد القاتل إلى أكثر من فرد من أسرته فى مشهد يعكس انهيارا خطيرا فى النسيج الاجتماعى الذى كان يعتبر الأسرة فيه حصنا منيعا ضد العنف،
الأشد قسوة هنا أن بعض هذه الجرائم لا تقف وراءها أسباب تبرر حدوثها، إنما تبدأ من خلاف مالى بسيط أو مشادة زوجية عابرة أو شك غير مبرر أو غيرة مرضية أو خلاف على ميراث أو لحظة غضب تنتهى فى دقائق بجريمة لا يمكن إصلاح آثارها مدى الحياة بل تحولت إلى بوابات للموت داخل البيوت التى يفترض أن تكون ملاذا للاستقرار النفسى والأمان العاطفى.
اللواء أمجد الشافعى، مساعد وزير الداخلية الأسبق، الخبير الأمنى، أوضح أن «الأسرة يفترض أن تكون الملاذ الآمن للإنسان، المكان الذى يلجأ إليه فى خوفه وضعفه، فإذا بها فى بعض الوقائع تتحول إلى مسرح للجريمة والقاتل الذى يقتل شخصًا غريبًا ارتكب جريمة بالغة الخطورة، لكن قتل الأب أو الأم أو الزوجة أو الابن يحمل فوق الجريمة نفسها انهيارا لمعنى صلة الرحم والأمان والثقة، والأخطر أن بعض الجرائم الأسرية لا تحدث فى لحظة انفجار واحدة وإنما تسبقها مؤشرات واضحة كالخلافات المتكررة والتهديدات المتبادلة والعنف اللفظى والجسدى والتعاطى واضطرابات السلوك والمشكلات المالية المزمنة والنزاعات الزوجية المتصاعدة، ثم تأتى لحظة يفقد فيها أحد الأطراف السيطرة على نفسه، فيتحول الخلاف المتراكم إلى مأساة لا تحتمل».
«الشافعى» أضاف: من أكثر الأمور إثارة للقلق أن دوافع الجرائم الأسرية تبدو فى ظاهرها شديدة التفاهة مقارنة بحجم النتيجة النهائية، وهنا يجب أن نتوقف أمام سؤال أخطر من تفاصيل كل جريمة وهو كيف أصبح الإنسان مستعدا لإنهاء حياة إنسان آخر بسبب مشكلة كان يمكن حلها بكلمة أو خصومة يمكن أن تنتهى بالابتعاد أو حتى بالطلاق السلمى، فالمشكلة ليست فى قيمة السبب وحده وإنما فى انهيار قيمة الحياة الإنسانية داخل وجدان مرتكب الجريمة، كما أشار إلى أن «انتشار وقائع قتل لجرائم أسرية فى محافظات مختلفة هو ما يجعل القضية جديرة بالدراسة الاجتماعية والأمنية المتعمقة، وليس مجرد متابعة تفاصيل كل حادثة على حدة، فرغم أن كل واقعة لها ظروفها وملابساتها ولا يجوز علميا أو قانونيا وضع جميع الجرائم الأسرية فى سلة واحدة، لكن تكرار النمط نفسه يستحق السؤال لماذا أصبح الخلاف الأسرى فى بعض الحالات ينتهى بالقتل بدلا من الحوار أو الانفصال أو اللجوء إلى القانون؟.. وهنا تظهر أهمية عدم التعامل مع الجرائم بعد وقوعها فقط وإنما البحث عن جذورها العميقة قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى كوارث إنسانية تودى بحياة الأبرياء وتدمر مستقبل أسر بأكملها».
وكشف «الشافعى» عن أسباب الظاهرة التى تعتبر نتاج مجموعة عوامل متداخلة، من أهمها «تراجع القدرة على ضبط الغضب»، حيث أصبح بعض الأشخاص يتعاملون مع الخلاف باعتباره معركة يجب أن ينتصر فيها بأى ثمن ولا توجد مساحة للتراجع أو الاعتذار أو حتى قبول أن الطرف الآخر قد يكون مختلفا، ومع الغضب الشديد قد تتراجع قدرة الإنسان على تقدير العواقب خصوصا إذا توافرت أدوات العنف كالأسلحة البيضاء أو النارية ثم يأتى عامل التفكك الأسرى، فالأسرة التى تفقد الحوار تصبح أكثر عرضة للانفجار.
«الشافعى»، لفت إلى أن «الضغوط الاقتصادية والاجتماعية أحد أهم الأسباب للجرائم الأسرية»، مؤكدا أن «الفقر ليس مبررًا للجريمة، والضغوط لا تعفى أحدا من المسئولية، لكن الديون والبطالة والنزاعات المالية يمكن أن تزيد الاحتقان داخل بعض الأسر، لاسيما عندما تقترن بشخصية غير قادرة على إدارة الأزمات، وتأتى المخدرات كنقطة لا يمكن تجاهلها، حيث يرتبط تعاطى المواد المخدرة فى كثير من الوقائع بزيادة الاندفاع والعنف واضطراب السلوك، فضلا عن ضعف ثقافة اللجوء إلى القانون فبعض الأشخاص يتعاملون مع المشكلات الأسرية بمنطق «أنا هجيب حقى بنفسي» وهذه الجملة قد تكون بداية الكارثة فالقانون موجود لحماية الحقوق، ومن يعتقد أن القوة الشخصية يمكن أن تكون بديلا عن القانون قد يجد نفسه فى لحظة واحدة متهما بعد أن كان صاحب حق».
كذلك، أكد مساعد الوزير الأسبق أن «وزارة الداخلية تقوم بدورها الأساسى فى منع الجريمة وضبط مرتكبيها وكشف ملابساتها وتقديمهم إلى جهات التحقيق، وهذا الدور لا غنى عنه، لكن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تكون مسئولية الشرطة وحدها، فالشرطة تتدخل عندما توجد جريمة أو بلاغ أو خطر يستوجب التدخل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع كل خلاف أسرى قبل أن يبدأ، وهنا يجب أن نكون منصفين فالأمن يستطيع أن يواجه الجريمة لكنه لا يستطيع وحده أن يعالج كل الأسباب الاجتماعية التى أنتجتها، ومع ذلك يمكن تعزيز الدور الوقائى من خلال سرعة التعامل مع بلاغات التهديد والعنف الأسرى».
وتابع: هناك دور مهم لمؤسسات الدولة والمجتمع، حيث يجب أن تعود الأسرة إلى ممارسة وظيفتها الأساسية فى الحوار والمراقبة والتربية، كما أن المدرسة والجامعة ليست مهمتهما التعليم فقط بل يجب أن يكون هناك اهتمام أكبر بالسلوك والعنف والتنمر والاضطرابات السلوكية ومساعدة الطالب الذى يمر بأزمة قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر، والمؤسسات الدينية مطلوب منها استعادة خطاب واضح حول حرمة الدم وحرمة الاعتداء وقيمة الأسرة وخطورة الغضب والانتقام ولا يمكن أن نغفل دور الإعلام فهو شديد الخطورة فليس المطلوب إخفاء الجرائم وإنما عرضها بمهنية دون تحويل القاتل إلى بطل أو منح الجريمة دعاية مجانية، مع التركيز على التوعية بالعواقب القانونية والاجتماعية والإنسانية.
ووجه «الشافعى» رسالة مفادها أن «مواجهة جرائم القتل داخل الأسرة تبدأ قبل الجريمة بكثير، عندما نعلم أبناءنا أن الغضب ليس مبررا للقتل، وأن الخلاف ليس معركة وأن الانفصال أهون من الدم وأن اللجوء إلى القانون أفضل من الانتقام، وأن الإنسان لا يملك حق إنهاء حياة إنسان آخر مهما كان حجم الخلاف».