أما أغنياتنا فقد ظهر فيها هذا العذول بكثرة مفرطة، خذ مثلا: يا عواذل فلفلوا، ليه العواذل حاسدنى دول حقهم يبكوا عليا، العذول فايق ورايق عمره ما داق الغرام، أنا هويت وانتهيت وليه بقى لوم العذول، انت وبس اللى حبيبى مهما يقول العذال، والنبى لنكيد العذال، كايدة العذال أنا من يومى، مال العذال ومالنا، وازاى بعد ما فرحنى بيفرح فيا عذولى؟ إلى آخر هذه القائمة الطويلة من أغنيات العذول.
وكنت دائما أسأل نفسى عن هذا العذول الذى يشغل باله بغيره؟ وهل هو يشعر بالفراغ لدرجة أنه ليس له هم سوى التربص بغيره خاصة العشاق والمحبين؟ ثم أين يجلس أو يقيم هذا العذول؟ وكيفية الوصول إليه اتقاء لشروره وسوء نواياه؟ وطبعا لم أكن حتى سنوات قليلة مضت أجد إجابة أو أعثر لهذا العذول على أثر، وعندما أضنانى البحث والتأمل ظننت أنه كيان وهمى اخترعه خيال الشعراء كى يمنحوا كلمات أشعارهم حيوية وحركة، أو يصنعوا صراعا يزيد من سخونة ما يكتبونه، ويجعل المحبين دائما ضحايا لعدو يتربص بهم دون أى ذنب اقترفوه سوى أنهم محبون.
لكننى أدركت فى عصر السوشيال ميديا أن هذا الظن كان خاطئا، وأننى كنت واهما فى اعتقادى، فقد عرفت أخيرا أين هم العواذل، إنهم هؤلاء الجالسون أمام لوحات المفاتيح ينصبون أنفسهم رقباء وأوصياء على غيرهم، وقضاة وجلادين فى آنٍ واحد، يرتدون تاج الحكمة والعفة وحسن الخلق ويصفون غيرهم بما راق لهم أن يصفوه، وبتنا نعيش كثيرا من العلل والأمراض المجتمعية كالحسد والتنمر والتجاوز اللفظى وعدم احترام خصوصية غيرهم والنيل من الآخر بمنتهى البساطة والتجرد من المثل والقيم النبيلة.. فقط لأننا نملك شاشة ولوحة مفاتيح وخدمة إنترنت، وقبل ذلك قلوبا سوداء ونوايا غير سوية.
وأكبر ضحايا هؤلاء المتربصين (العواذل سابقا) حاليا هى الفنانة المعتزلة شمس البارودى، لقد اعتزلت شمس الحياة الفنية منذ ثلاثة وأربعين عاما رافضة كل أشكال الإغراء التى يمكن أن توضع أمام فنانة معتزلة كى تعود لحياتها السابقة مرة أخرى، وكانت فقط تظهر بين الحين والآخر فى حوار صحفى عابر تتحدث من خلاله عن أمور حياتية مختلفة وعن زوجها الفنان الراحل حسن يوسف وأبنائها الأربعة، كان هذا قرارها وهذه حياتها وهى حرة فى اختياراتها لا نؤيدها أو نعارضها فيها، وحينما أهداها زوجها جهاز «لاب توب» قبل عشرين عاما دخلت شمس رويدا عالم وسائل التواصل الاجتماعى، لكن ونسها الحقيقى بعد أداء عباداتها كان زوجها وعشرة عمرها وحبها الكبير للفنان الراحل حسن يوسف خاصة أنه لم يعد لممارسة نشاطه الفنى إلا فى سنواته الأخيرة، وحتى حينما عاد لم يكن بهذا الزخم الذى يمنعه عن الوجود فى بيته وبجوار زوجته لأوقات طويلة، فلما فقدت شمس زوجها وابنها فى وقت متقارب شعرت السيدة المسنة بالفراغ والوحدة حتى فى ظل وجود أبنائها الآخرين المشغولين بحيواتهم الخاصة، فما الجريمة التى ترتكبها شمس البارودى حينما تحاول تعويض هذا الونس المفقود عبر فيس بوك من خلال مجموعة من ذكرياتها مع حبيب عمرها الراحل الذى تجد فى سيرته – مجرد سيرته – بعض العوض عن غيابه وفقدانه؟ ما الذى يضير هؤلاء المتربصين فى ذلك؟ ما الذى يغيظهم فى كونها وفية لذكرى زوجها الذى أمضت معه سنين عمرها؟ أو حتى تتحدث عن نفسها وعن مشاعرها وحضورها الشكلى؟ لماذا لا يتركون امرأة كانت ذات يوم ملكة جمال جيلها تتشبث بحب الحياة دون إخلال بثوابتها الدينية والأخلاقية؟ لقد خلق هذا التربص حالة من الجدل على صفحتها الخاصة لدرجة أن إحدى عضواتها تكفلت مؤخرا بالرد على هؤلاء العواذل الجدد حين قالت:
«أنتم مرضى القلوب من قال الله تعالى فيهم: «في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا» انتو محتاجين تتعالجوا، انتو أشباه بشر، أنصاف عقول وقلوب بلا رحمة، انتو ما تعرفوش من الإيمان والسلوك القويم ما يلزمكم بفضائل هي الأهم والأرقى من طرحة على الرأس».
إنهم بالفعل مرضى لا يطيقون تلك اللحظات الصادقة والكاشفة فى حياة الأسوياء، وهي واحدة من الآفات الاجتماعية التي أظهرتها مواقع التواصل الاجتماعي، والتي ترصد الدراسات النفسية والاجتماعية زيادة حدتها من بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي؛ حيث أصبح الاجتراء سمة واضحة في سلوكيات معظم الناس، وبات التربص والتحفز ومن ثم التنمر سمة غالبة على أكثرية تعليقات هؤلاء المتابعين لمواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك فإننى أعتقد أن الأمر بحاجة إلى مزيد من الدراسات النفسية والاجتماعية، فحين نعطى لأنفسنا الحق فى محاكمة الآخرين على التعبير عن مشاعرهم ونمنعهم باسم الفضيلة والأخلاق عن هذا، فنحن فعلا مرضى نفسيون، ثم هل تقدمها فى العمر يحول بينها وبين التعبير عن مشاعرها تجاه زوجها الراحل؟ فيا أيها «العواذل» ما تمنعوش الصادقين عن صدقهم، ولا تحرموش العاشقين من عشقهم، على رأى الخال عبد الرحمن الأبنودى.
أرجوكم ارفعوا أيديكم عن شمس البارودى وأمثالها، اتركوا مثل هؤلاء فى حالهم، لا تضنوا عليهم بهذه الحالة من الشجن النبيل مع الذكريات والأيام الخوالى، وإذا كانت دواخلكم غير السوية تمنعكم عن فهم وتقبل هذه النفوس الرقيقة والراقية، فعليكم بالصمت ما دمتم غير قادرين على قول الخير.