لقد وجدنا الإعلام ينبش فى تفاصيل ما حدث فى خناقة زوجات الكابتن حسام، مثل مَن بدأ الخناقة، زوجته الأولى وبناتها أم زوجته الثانية، وهل طلق حسام زوجته الأولى عقابا لها على اعتدائها على زوجته الثانية، وهل تطاولت بنات حسام عليه، وكيف تم سحب البلاغات المتبادلة للزوجتين، ودور التوأم إبراهيم فى فضّ الخناقة، وهل الصورة المتداولة لحسام ورأسه مربوط بالشاش سليمة وحقيقية، وماذا سيفعل اتحاد الكرة برئاسة أبو ريدة؟
وهكذا بدا الأمر أن خناقة زوجات المدير الفنى للمنتخب المصرى لكرة القدم هى القضية الأهم والتى تحتل سلم أولويات الرأى العام المصرى، رغم أن مكانها الطبيعى والعادى صفحة الحوادث فى أى صحيفة، وربما صفحة الرياضة، على اعتبار أن الخناقة نشبت بين زوجات العميد والمدير الفنى للمنتخب، أو قسم الحوادث والرياضة فى المواقع الإلكترونية.
بينما منح الإعلام قليلًا من الاهتمام بالتحرش السياسى والمائى الإثيوبى بنا والمتمثل فى تحركات إثيوبيا الأخيرة لإحياء اتفاقية عنتيبى بين عدد من دول حوض النيل، والتى لا تعترف بالحقوق التاريخية لنا فى مياه نهر النيل، فضلا عن إعلان إثيوبيا أنها تعتزم بناء عدد من السدود الأخرى بجانب «سد النهضة»، وبذات الطريقة المنفردة التى أقامته بها ودون التنسيق والتشاور مع كل من مصر والسودان، وهو ما يدل على نواياها السيئة لحجب مياه النيل عنا أو استخدامها سلاحًا للضغط علينا.. حتى ما تحدث به مصدر مصرى مسئول وحذر إثيوبيا من تنفيذ سياساتها العدائية لنا لم يجد مَن يهتم به إعلاميا، لأن متابعة خناقة زوجات حسام حسن طغت عليه وحرمته من التركيز عليه وشرحه للرأى العام وتبيان دلالاته..
وللأسف، فإن الرأى العام فى البلاد بات يلمّ بتفاصيل خناقة زوجات الكابتن حسام، بينما الأغلب فإنه ربما ما زال لا يعرف أن مصدر مسئول رد على تصريحات الوزير الإثيوبى التى كشف فيها عزم إثيوبيا السيطرة على تدفق مياه النيل إلينا من خلال بناء سدود إضافية، مع أن المصدر أكد أن لدى مصر أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح شعبها فى نهر النيل.
وهذا يُبين ويجسد الخلل فى أولويات اهتمامات الإعلام، وهو خلل كبير لا يصح أن يستمر طويلا، وإذا كنّا ننوى إصلاح الإعلام ونعد لعقد مؤتمر فى نهاية العام لإصلاح الإعلام، فإن هذا الإصلاح يتعين أن يتصدره إصلاح هذا الخلل فى أولويات اهتمامات الإعلام.
ففى الوقت الذى منح فيه إعلامنا اهتماما واسعا لمناقشة خناقة تحدث فى بيوت عديدة فى مجتمعنا، فإنه لم يمنح إلا قدرًا محدودًا من الاهتمام لما يواجهنا من تحديات داخلية وخارجية مثل انتهاء فترة الهدنة بين الأمريكان والإيرانيين والتى تنذر باندلاع الحرب مجددا بتداعياتها المختلفة علينا والتى لم تعد بعد مسيّرة دمياط مقصورة على التداعيات الاقتصادية فقط، وإنما اتسعت لتداعيات عسكرية أيضا، ومثل انسحاب نتنياهو من اتفاق شرم الشيخ الذى يلزمه فى مرحلته الثانية بالانسحاب من قطاع غزة، وأيضًا مثل عودة «ميليشيا» الدعم السريع لاستهداف العاصمة السودانية الخرطوم ليبقى السودان مرتعًا للاضطراب كما هو الحال فى ليبيا، ولتظل حدودنا من كل الجهات غير هادئة.
وهذا من شأنه أن يسلب عموم المصريين الوعى الضرورى بقضايا وهموم وطنهم وشغلهم عن التحديات التى تواجهه من خلال شغلهم بأمور ومسائل وحوادث والنفخ فيها وتضخيمها.
إن خناقة زوجات حسام تهم حسام وعائلته وأصدقاءه وأيضًا لاعبى المنتخب ومَن يهتمون بالنميمة، بينما تحديات الوطن وفى مقدمتها حماية حقوقنا فى مياه النيل تهم كل المصريين.