رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«لستُ أميرًا ليكون لى خليفة».. أسرار من بيت نجيب محفوظ


15-8-2026 | 11:49

.

طباعة
بقلـم: د. زينب العسال

مجموعة من الصور التى احتفظ بها جبريل فى حقيبة أنيقة فى مكتبه بجريدة الوطن العمانية، أتاح لى أن أفتحها وأعرف محتوياتها، صور لكبار الفنانين: سميحة أيوب، عايدة عبدالعزيز، سعاد حسنى فى بلاتوه مع عبد الحميد جودة السحار، بدت فى قمة السعادة والمرح، والفنانة الكبيرة شادية فى لحظات استعدادها لتمثل دور نور فى فيلم «اللص والكلاب».

ولأنى توليت إجراء الحوارات فى نشرة اتحاد الكتاب، لقد دفعت ثمن هذا القرار، إذ حُرمت من الكتابة فى إحدى الجرائد! كنت لا أتقاضى ثمن الحوارات، ولم يعوضنى جبريل ما تحملته من أجر المواصلات، لم أكن أيامها أعرف التشعبط فى المينى باص ومحطته على ناصية شارعنا كما هو حاصل الآن.

قابلت أستاذنا نجيب محفوظ، وأنا أعد لكتابة «تسعون شمعة فى حياة سعيد السحار»، أعتبره أبي، كم شجعنى فى البداية ونشر لى العديد من الكتب، تحت عنوان «حكايات ماما زينب». اتصلنا بأستاذنا نجيب محفوظ، رحب، وحدد الميعاد. قبل الميعاد بخمس دقائق كنت أمام العمارة، دخلت فوجدت سيدة لطيفة فارعة القوام، تلبس فستانًا لونه متداخل بين الروز الأزرق الزهرى ولمسة من الأصفر الكناري، ألوان أحبها تناسب بشرتى المائلة إلى السمار.

لاحظت فى يدها طبقًا به لبن، وتبسبس لقطة نزلت مسرعة إليها.

المشهد رائع، بالطبع أنا أعرف السيدة عطية حرم أستاذنا نجيب محفوظ، أما هى بالقطع لا تعرفني.

سألتني: «أنتِ جاية لمين؟»

«فيه ميعاد مع الأستاذ نجيب محفوظ».

فتحت الباب.

مجموعة من الصالونات، لوحة لفنان تشكيلى لم أتبين لمن؟ أكثر من طاولة عليها سرفيس من الشوكولا الفاخرة، وأخرى به مكسرات كاجو وفستق وعين جمل وبندق، فازة كبيرة من الكريستال الفرنسى مائلة إلى اللون الوردي، مفارش من الجوبلان على كراسى الصالونات، مرآة كبيرة من الزجاج البلجيكى تضيف للمكان اتساعًا ملحوظًا، تنتهى حجرة الصالون/الاستقبال بباب يحجز باقى الشقة عن الرؤية. جلست، دقائق وجاء أستاذنا نجيب محفوظ، يلبس بيجاما وعليها روب نبيتى من الحرير بنقوش متداخلة.

أخيرًا تحقق حلمي.

كان يعرف موضوع اللقاء، الحديث عن ناشره وصديق عمره سعيد السحار. كنت متحمسة جدًا لإجراء الحوار، لكنه قاطعني: «لازم تشربى حاجة».. عادة المصريين الكرام. فى سرى قابلت فنانين كبارًا لم يقدموا لى ولا كوب ماء، ما علينا، لم تكن منتشرة زجاجات الماء المثلج، صغيرة أم كبيرة.

قبل موافقتى وجدت الأستاذة عطية الله تأتى بعصير جوافة رائع. سألته: «طعم جميل، تسلم إيديك»، وأردفت: «ممكن أعرف طريقة صنعه؟» تضيف اللبن مع السكر مع شرائح الجوافة.

من يومها وأنا أضع اللبن الحليب على عصير الجوافة. بدأنا الحديث، لم يكن معى أسئلة، لا أوراق، لكن معى مسجل صغير قد الكف. طبعًا لابد أن تسجل الحوار ده، مش أى حوار، ده حوار مع أديب نوبل، أستاذنا قرأت له روايات كثيرة، كان القرآن الكريم وبعض الروايات، وأولها ملحمة «الحرافيش»، ضمن برنامجى الرمضانى للقراءة.

بدأت بعلاقته بالسحار، الأخ الأكبر سعيد، ثم الأصغر عبد الحميد، وعن حبه لكرة القدم وتشجيعه لنادى المختلط، وممارسته الرياضة بعامة، ثم الحديث عن علاقته الخاصة بسعيد السحار. طال الحوار؛ لأن نجيب هو درة التاج فى كتابى «تسعون شمعة فى حياة السحار». كنت أنظر إلى ملامح وجهه، أستشف هل مل وتعب من الأسئلة، كان الفاصل هو دعوتى لأكل الشوكولاتة والبندق والكاجو.

هذا رجل كريم، فلماذا يردد البعض نوادر عن بخله!

امتد الحوار إلى الأصدقاء فى تلك الفترة، قال: «هناك من استمر فى الكتابة، مثل سعيد السحار». وأضاف معلومة: «سعيد ترجم العديد من الترجمات، هو خريج لغة إنجليزية، لكنه يحب العربية ويتذوقها، وله كتابات فى العلوم وتبسيطها للأطفال واليافعين».

السحار رجل إدارة، يبدو أنهم تجار شطار.

استمر الحديث عن عبد الحميد، ووجدتها فرصة قد لا تتاح لى ثانية، فسألته عن نفسه وعن علاقته بالأدب ورأيه فى جيله والأجيال التالية.

بادرني: «هذا حوار آخر، أين ستنشرينه؟»

قلت: «فى نشرة أخبار الكتاب».

قال لي: «أنا أحب الكتابة منذ كنت صغيرًا، أكتب أهم الأحداث التى مرت بي، وفى الهامش تعليق على ذلك».

لم أتوقع أن أكون كاتبًا، كانت هواية، ثم مارست الرياضة، فهى تساعد على النشاط الفكرى أيضًا.

«لذلك تحب رياضة المشي؟»

«نعم، كنت مشاءً، شوارع العباسية زمان، ليس الآن!»

المشى يلازمه التأمل، العلاقات بين الناس والمكان وتحولات المكان، كل ذلك يفيد الكاتب، فهو مادة أولية فى عمله، سواء قصة قصيرة أو رواية، اللوحة التشكيلية، أو القطعة الموسيقية.

- هذا ما يسمى الاختمار؟

«سمه ما شئت».

سألته لماذا لم تكمل تجربة كتابة المسرحية؟

له ست مسرحيات.

قال: «كنت أشعر بأن لابد أن أكتب عن لحظات قلق الإنسان المصرى ومعاناته قبل النكسة وبعدها، فكتبت المسرحيات».

«إذن التوقف لم يكن نتيجة هجوم بعض النقاد؟»

«لا، أنا لا أكتب للنقاد، أنا أكتب لأننى لابد أن أكتب. رأى النقاد، لو استجبت له، لكنت الآن قد توقفت عن الكتابة».

شجعتنى إجابته أن أطرح سؤالًا: «لمن تعده خليفتك؟»

ضحك بصوت عالٍ: «أنا لست أميرًا كى يكون لى خليفة. الفن حرية، لكل كاتب أن يبدع بطريقته، هناك من قلد بعض الكتاب، أين هم الآن!»

«برعت فى كتابة السيناريو، فلماذا لم تستمر؟»

«أنا أحب الرواية، كانت كتابة السيناريو مرحلة من مراحل حياتي، لم أستمر رغم أن بعض المخرجين رشحوا لى روايات كى أكتب لها السيناريو والحوار، ولكنى رفضت».

«ألاحظ على حضرتك الاختصار فى الإجابات، هل نوع من الدبلوماسية التى عرفت بها؟»

«لا، ولكن الحقيقة أن القارئ الآن أصبح يمل الكتابة المطولة، الوقت لم يتسع الآن لكل ما نريد فعله!»

«هل لهذا دور فى كتاباتك الأخيرة؟»

«لا، الصحة غير قادرة على كتابة مثل الثلاثية أو غيرها. هذا أمر طبيعي.. وكما قلت قبل ذلك، أنا كمسافر فى قطار وصل إلى محطة سيدى جابر، وينتظر الوصول إلى محطة مصر».

وتنوعت أسئلتى عن الحظ، وهل يؤمن به.

قال: «أنا نجيب محظوظ، تعرضت لحادثة قاسية ونجوت منها، وفى أول حياتى فزت بجائزة قوت القلوب الدمرداشية».

«الحظ كان معى لأننى اجتهدت».

«والنظام فى حياتك؟»

«كيف يعيش المرء دون تنظيم لحياته؟ الأولويات ثم الثانويات».

«أعتقد أن دراسة الفلسفة كان لها دور كبير فى حياتك؟»

«كل ما اطلعت عليه أفدت منه».

«ما رأيك فى تحول رواياتك إلى السينما؟»

«ده سؤال للنقاد، أنا كاتب رواية، والفيلم رؤية المخرج، وكل مخرج له أسلوبه ورؤيته».

كان معى كاميرا، صورت الأستاذ منفردًا عدة صور، وكان لابد من توثيق اللقاء بالتقاط صور مع الأستاذ. لم نعرف الموبايل الذى سهل لنا التصوير، سيلفي. نادى على حرمه عطية الله لتصورنا، وكان ما أردت. فى تلك الأثناء فتح باب الشقة، دخلت فتاة رشيقة جدًا بزى بذلة رمادى فاتح وقصة شعر كاريه، حقيبة جلدية تسع الملفات والدوسيهات، تدفع الحاجز بين الصالون والحجرات الداخلية، لا أدرى أى الابنتين.

وأنا فى طريقى إلى البيت ندمت: كيف لم أصور الأستاذ مع زوجته؟ هل كان سيوافق أم يرفض؟ لكنى اكتفيت بهذا الاستقبال الذى عوض سنوات انتظار هذا اللقاء مع أستاذنا.

عندما نشر الحوار الخاص بأستاذنا نجيب محفوظ فى مجلة أخبار الكتاب، سألنى العملاق الكبير بهاء طاهر: «صحيح ذهبتِ لبيته واستقبلك؟»

قلت: «نعم، وتصورت معه عدة صور».

 

 

الاكثر قراءة