رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

القاهرة.. كتاب لجمال حمدان


16-8-2026 | 11:31

.

طباعة
بقلـم: يوسف القعيد

أحب كثيراً أن أعود إلى كتابات المرحوم الدكتور جمال حمدان «4 فبراير 1928 - 7 أبريل 1993» الذى عرفته عن قرب فترة من الوقت، إلى أن غادرنا وترك عالمنا، وما زلتُ أتذكره كثيراً وأشعر بالحنين له والرغبة فى معاودة زيارتى له فى بيته بالدُقى بعد كوبرى قصر النيل.

 

وكتابه عن القاهرة يوشك أن يكون من أجمل كتبه، صدرت طبعته الأولى فى حوالى 250 صفحة من القطع الكبير، عن مؤسسة دار الهلال التى كان يرتبط بها عاطفياً وإنسانياً وكان يختصها بكتبه ومؤلفاته.

يمكن القول إن جمال حمدان عاشق مصر الكبير أحبها وكتب عنها بقلبه وليس بقلمه، مثلما ذكر نجيب محفوظ فى رواياته عن القاهرة وأحيائها، وذكر أسماء شوارعها وميادينها لأنه ارتبط بروحها وتاريخها، حتى غادر الدنيا.

كان جمال حمدان يرى أن القاهرة أمّ المدن جميعاً، ركَّز على الوزن الحضارى والنفوذ السياسى والواقع القومى والفكرى لمدينة القاهرة الساحرة، باعتبارها بوتقة تنصهر فيها عناصر المدينة بطبيعتها العالمية وبما تضم من جاليات وأجناس أجنبية متعددة، فهى حاضنة للثقافات ولكل إبداع.

يكتُب أنها عاصمة تستقطب روح الوطن وترمز لجوهر كيانه حضارياً ومادياً، جغرافياً وتاريخياً، هذه إذن القاهرة تاريخ مُفعم مُجمد أو محفوظ، كل حجر فيها مُشبَّع بعبق الماضى وعرقه، وكل شبر منها يحمل بصمات الإنسان، الكتاب دراسة عميقة تُحلل الأساس الطبيعى الذى تقوم عليه العاصمة موقعاً وموضعاً، وتتبع نموها العمرانى فى ظاهرها وظهيرها، وكذلك خطتها الهندسية وكتلتها المبنية، ثم تحدد وظائفه وتوزع طبقاتها الاجتماعية وأقاليمها التركيبية، وفى نفس الوقت فإنها تعالج أهم مشاكلها واختناقاتها.

ويؤكد جمال حمدان للقارئ: أنك إذا عدت للعواصم العظمى فى العالم، فالقاهرة ستكون ضمن العشر الأوائل منها، وهى المدينة الأساسية فى قطاع متصل من العالم القديم، وأنك إذا قمت بحصر العواصم المخضرمة العريقة فى الدنيا، فلعل القاهرة هى أمّ المدن جميعاً، وعلى أية حال فقليلة جداً هى المدن التى يمكن أن تنافسها فى هذه الصدارة. وحتى نتمثل هذا البُعد الزمانى السحيق بشيء من التجسيد الذهنى يكفى أن نقول إنه قد يعادل مجموعة تاريخ حفنة ليست قليلة من عواصم العالم الجديد مجتمعة.

وجمال حمدان رغم أنه عالم جغرافيا وقد عرفته عن قرب فترة طويلة من عمره، فهو شاعر وفنان قبل أن يكون وسيلة جغرافية لوصف الأشياء، إنه يتحول إلى من يغنى أغنية القاهرة عاصمة الروح منذ أن وُجِدت وحتى آخر لحظة فى تاريخ الدنيا كلها.

ويكتُب عن القاهرة بحب، من المسلم به أن القاهرة بتاريخها الألفى العريق مدينة ناضجة من وجهة جغرافية المدن، بمعنى أنها مرت بمراحل وأدوار عديدة من التجربة والخطأ وإعادة التجربة والتصحيح حتى استقرت واستوت خطتها وبنيتها العامة على أنسب تنضيد وترتيب ممكن لبيتها من الداخل.

ومن هذه الزاوية فالمفروض أن تكشف القاهرة لدارسها بسهولة عن هيكلها الأساسى وعن الخطوط العريضة فى جغرافيتها، غير أن الواقع يقول إن القاهرة مدينة معقدة نوعاً من حيث الموضع الجغرافى الذى يحتويها، فاختناقها بتلال المقطم فى الشرق منع بصرامة توسعها فى هذا الجانب، وفرض على نموها اتجاهاً أحادياً أو نصفياً نحو الشمال والغرب أو الشمال الغربي.

وبذلك حدّ من حريتها فى الانطلاق نحو النمط الدائرى وحصرها فى نمطٍ مروحى بالتقريب. ويقول النمط الدائرى إنه باستثناءات ليست قليلة الأهمية ومع تحفظات معينة، فإن المدينة – أى مدينة – حين تترك لنفسها فى بيئة جغرافية سهلة تخلو من العقبات الطبيعية، فإنها فى الأغلب الأعم، تميل بالنظرية إلى أن تنمو حول قلبها كجذوع الأشجار على شكل حلقات متتابعة حول الأطراف، وتكتسب محيطاً دائرياً أو به ذلك، والسؤال هو: ما النمط؟ ما المنطق البنائى القائد أو الحاكم الذى يمكن أن نستشفه من خلال وجه القاهرة بملامحه وعناصره ووظائفه ودينامياته التى تطالعنا؟.

كان جمال حمدان عندما يكتُب لا يكتفى بالكتابة فقط، ولكنه يملأ كتبه بالخرائط والرسومات التوضيحية، وكان يصنعها بنفسه ولنفسه ولا يلجأ إلى أى مكاتب متخصصة فى هذا الشأن، لأنه كان يتعامل مع ما يقوم به باعتباره رسالة كُبرى تحاول الوصول إلى روح وقلب شخصية مصر، وأن يضع يده وأن يأخذ يد القارئ معه إلى ما كان يسميه عبقرية المكان.

إنه كتاب مهم ليس لأبناء القاهرة وحدهم، ولا للمصريين، ولا أبناء الوطن العربي، ولكن لكل من استطاع أن يقتنى نسخة من الكتاب وأن يقرأه ويستوعب ما فيه لأنه بعد القراءة لن يعود كما كان قبل أن يقرأ.

الاكثر قراءة