فور حدوث زلزال الثالث من أغسطس، والذى شعر به عدد كبير من سكان القاهرة الكبرى والدلتا، اتجهت اهتمامات المصريين صوب المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان وصفحته الرسمية على «فيس بوك» لمعرفة قوة الزلزال الذى أفزعهم وأعاد للأذهان ذكريات زلزال 12 أكتوبر 1992، لاسيما أن المعهد نشر «روشتة» تعامل المواطنين مع الزلازل عند حدوثها لتفادى المخاطر الناجمة عنها.
«المصور»، التقت الدكتور باسم نبوى، رئيس المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، داخل غرفة التحكم والرصد وقياس شدة الزلازل وموجات الارتفاع والانخفاض بها، وقد أكد أن مصر آمنة من أحزمة الزلازل القوية، وأقرب حزام زلازل لها هزاته ضعيفة بسبب تماشيه مع مصر فى منتصف البحر الأحمر وعلى طول امتداده فى اتجاه خليج العقبة ومنه إلى سوريا وتركيا، مشيرا إلى أن الحيوانات تتلقى موجات الزلازل قبل الإنسان وأجهزة الرصد الحديثة بنحو دقيقة أو دقيقتين، كما أنه يستحيل التنبؤ بالزلازل ومنع حدوثها عالميًا.. تفاصيل كثيرة فى الحوار التالى.
نود التعرف على أسباب حدوث الزلازل بشكل عام؟
سبب حدوث الزلزال والهزات الأرضية الطبيعية، هو عدم استقرار القشرة الأرضية بسبب الطاقة الكامنة فى باطن الأرض، ما يجعلها تحاول إعادة الاستقرار إليها مرة أخرى، فتخلف عنها هزات أرضية ما بين ضعيفة ومتوسطة وعنيفة نسميها بالزلزال، وهو بالمناسبة أمر متكرر ويتم رصده يوميا دون أن يشعر به المواطنون، لأن غالبية الهزات الأرضية المسجلة يوميا على أجهزة الرصد والقياس بالمعهد تكون ضعيفة وأقل من 2 ريختر ومن 3 ريختر.
ماذا عن زلزال الثالث من أغسطس الذى أفزع المصريين فجرا؟
زلزال 3 أغسطس، يمكن تسميته بـ«هزة أرضية ضعيفة إلى متوسطة» بقوة 5.6 درجة على مقياس ريختر ويبعد مسافة 38 كم شمال السويس، واستمر قرابة 30 – 33 ثانية، ولله الحمد لم تخلف عنه أية أضرار بشرية ولا مادية، إلا تصدع وحدوث شروخ فى عدد قليل من المنازل القديمة جدا، ويرجع السبب فى ذلك إلى النهضة الحضارية ومقاومة العشوائيات والاهتمام بكود المبانى وكود الزلازل، وصيانة المبانى والمنشآت الدائمة، والرقابة الشديدة للدولة على الغش فى مواد البناء، فضلا عن ثقافة المواطنين المتقدمة ووعيهم الزائد بتجنب أضرار الزلزال وعدم تدافعهم على السلالم وأسفل المنازل فى الشوارع والطرقات، وهو وعى مكتسب من خبرات التعامل مع هزات قوية عنيفة سابقة مثل زلزال أكتوبر1992 بدهشور، وزلزال خليج العقبة فى نوفمبر 1995.
كم بلغ عدد توابع هذا الزلزال؟
سجلت أجهزة الرصد والقياس والمتابعة 9 توابع فى نطاق منطقة حدوث زلزال 3 أغسطس، استمرت على مدار 13 ساعة تقريبا من وقت حدوث الزلزال وكان آخر تابع فى الساعة الرابعة والثلث عصر الاثنين يوم حدوث الزلزال.
فى تقديرك.. ما السبب الجوهرى فى تباين أثار زلزال 1992 وزلزال أغسطس الأخير رغم تقارب قوتهما؟
نعم الزلزالان متقاربان فى شدتهما، فى أكتوبر 1992 كان بقوة 5.8 ريختر، وفى 3 أغسطس 2026 كانت قوته 5.6 ريختر، ولكن ما تسبب فى تعاظم مخاطر وأثار زلزال أكتوبر 1992 سوء تعامل عدد كبير من المواطنين مع الزلزال، ما أسفر عن سقوط كثير من القتلى والمصابين، فضلا عن انهيار كامل لكثير من المنازل وحدوث شروخ وتصدعات جزئية لكثير من البنايات بسبب غش مواد البناء وعدم صيانة المبانى وتهالك دورات المياه والصرف الصحى وتسربها أسفل المبانى بما يشبه سرطان المبانى، فالمياه هى العدو الأول للمبانى، الأمر الذى يجعلنا بحاجة دائمة للالتزام بمعايير البناء والكود الزلزالى المعتمد من الجهات الحكومية المعنية، وهو ما نجحنا فيه بالفعل فى السنوات الأخيرة، مضافا إليه وعى الناس بضرورة البقاء فى المنازل وعدم تدافعهم فى الطرقات وعلى سلالم العمارات، وهذا هو كلمة السر فى تفاقم الأزمة فى زلزال 92 وهدوء النتائج والآثار تماما فى زلزال أغسطس الأخير.
ذكرت أن حدوث الهزات الأرضية فى مصر أمر متكرر يوميا ولا يشعر بها المواطن .. فهل تلك الهزات فى أماكن محددة ومتكررة؟
يوجد كثافة فى هذه الهزات الأرضية على طول امتداد البحر الأحمر، وهى عبارة عن حزام زلازل ضعيف إلى متوسط نسبيا، يمر بالبحر الأحمر، ثم ينحرف جهة الشرق مرورا بخليج العقبة، ومنه يتجه نحو سوريا وتركيا، ولعل هذا هو سبب حدوث زلزال 3 أغسطس، ومنطقة خليح السويس يحدث فيها عدد من الهزات الأرضية القليلة والضعيفة نسبيا، ولعل أقوى زلزال تأثرت به مصر كان بالقرب من تلك المنطقة أيضا، وبالتحديد فى خليج العقبة فى نوفمبر 1995 وبقوة 7.3 ريختر وكان بعيدا عن الكتلة السكنية، لذا كانت أثاره محدودة للغاية، رغم شدته الكبيرة، مقارنة بقوة زلزال أكتوبر 1992، وزلزال أغسطس الأخير.
هل تكرار حدوث الهزات الأرضية فى تلك المناطق مؤشر على دخول مصر فى حزام الزلازل؟
مصر بفضل الله آمنة من أحزمة الزلازل القوية، وحزام الزلازل الوحيد الذى يمر بالقرب من مصر، هو حزام شدته ضعيفة إلى متوسطة ويمر بمحازاة مصر فى منتصف البحر الأحمر وفى اتجاه خليج العقبة نحو سوريا وتركيا، وهناك يصطدم بسلاسل جبال الألب والأناضول، فتحدث حركة تصادمية ينتج عنها هزات عنيفة فى تلك المناطق فى أوروبا وتركيا، ولكى ندلل فعليا وبالورقة والقلم بأن مصر آمنة من أحزمة الزلازل القوية، من خلال الهزات الأرضية العنيفة التى شعر بها المصريون خلال الستين سنة الأخيرة، وهى زلزال شرم الشيخ قبالة السواحل الجنوبية لشبه جزيرة سيناء فى مارس 1969، ثم زلزال أكتوبر 1992 بدهشور، والفارق الزمنى بينهما 23 سنة، وبعدها زلزال خليج العقبة فى نوفمبر 1995، وأخيرا زلزال خليج السويس فى أغسطس 2026، أى بعد 34 سنة من زلزال أكتوبر الذى أفزع المصريين، بما يبرهن أن مصر محفوظة بإذن الله من أحزمة الزلازل العنيفة.
ماذا تعنى أحزمة الزلازل؟
أحزمة الزلازل هى مناطق ضعف فى القشرة الأرضية نتيجة انقسامها إلى مجموعة من الصفائح أو الألواح التكتونية التى تتحرك باستمرار، والمسافات الفاصلة بين تلك الألواح نطلق عليها أحزمة زلازل، وتصادم تلك الألواح ينتج عنه زلازل قوية ومدمرة، والحركة التماسية التى تحدث شرق مصر على امتداد البحر الأحمر، ينتج عنها زلازل ضعيفة إلى متوسطة، وهو ما حدث فى الزلزال الأخير، وما ساهم فى ضعف قوته غير المدمرة، مروره بكتلة مائية، امتصت الموجات الزلزالية وأضعفت قوتها، ومصر على سبيل المثال تقع فيما يسمى باللوح الإفريقى التكتونى، والذى يضم إفريقيا وجزءا من المحيط الأطلنطى.
هل هناك خريطة توضح «أخطر أماكن حدوث الزلازل فى العالم»؟
اليابان طبعا، والسبب فى ذلك أنها عبارة عن مجموعة من الجزر تكونت بفعل طفوح الزلازل والبراكين فى الأزمنة القديمة.
ما هو أقوى زلزال مر على الكرة الأرضية فى العصر الحديث؟
زلزال تشيلى فى مايو 1960، هو أقوى زلزال فى العصر الحديث، وكانت شدته 9.5 على مقياس ريختر، ما تسبب فى دمار واسع فى البنية التحتية والمبانى والمنشآت وتغير جغرافى ملحوظ، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الضحايا والمصابين.
هل يمكن التنبؤ بحدوث الزلازل؟
هذا الكلام غير وارد تماما، فلا يمكن التنبؤ بحدوث زلازل ولا يمكن إيقافها، والزلازل ليست لها حدود سياسية أو جغرافية، وإلا كانت اليابان بثورتها التكنولوجية الكبيرة التى يشهد بها العالم أجمع، استطاعت التنبؤ بالزلازل التى تحدث فى أراضيها، وهى من الدول التى تشهد كثيرا من الهزات الأرضية العنيفة، لعل أبرزها وأخطرها زلزال توهوكو عام 2011 بقوة 9.2على مقياس ريختر.
ما الدور الذى يقوم به المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية للتقليل من مخاطر الزلازل؟
يقوم المعهد من خلال الشبكة القومية للزلازل ومحطات الرصد المنتشرة فى أنحاء الجمهورية وعددها 80 محطة، برصد ودراسة ظواهر كل زلزال على حدة ووضع التوصيات والإرشادات لكل الجهات المعنية لتفادى مخاطر الزلازل، والقيام بحملات التوعية للمواطنين فى هذا الجانب، ونشر الإرشادات التى ينبغى اتباعها عند وقوع الزلزال على صفحة المعهد الرسمية بفيس بوك، مثل تجنب الهرولة على السلالم لحظة حدوث الزلزال وعدم ركوب المصاعد وأن يبقى كل فرد فى مكانه وحماية جسمه وبصفة خاصة رأسه بأن ينزل أسفل كرسى أو ترابيزة، وتجنب السير فى الشوارع أسفل النوافذ والمنازل، بالإضافة إلى غلق محابس الغاز وأى مصادر للاشتعال تماما وفصل الأجهزة الكهربائية.
كما أننى أنصح بعدم اللجوء لمواقع التواصل الاجتماعى عقب حدوث أى زلزال، لكونها تحدث بلبلة بمعلومات خاطئة ومبالغ فيها، والاكتفاء فقط بصفحتى مجلس الوزراء والمعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية على فيس بوك.
ما رأيك فى الإنذار المبكر الذى وصل الهواتف المحمولة قبل زلزال أغسطس الأخير؟
هى تقنية تكنولوجية مرتبطة بالهواتف المحمولة الحديثة، وأضرارها أكبر من فوائدها، فقد أحدثت حالة من الهلع والرعب لدى بعض المواطنين، ولا جدوى من هذا الإنذار طالما أنه يعطينى تنبيها قبل وقوع الزلزال بثانية واحدة أو ثانيتين، ماذا سيفعل فيهم المواطن، غير التوتر والقلق، ولو كان حدث هذا الزلزال وقت الذروة وأثناء النهار والناس مشغولون بأعمالهم، كان يستحيل أن يصدر هذا الإنذار المبكر على الموبايل، لأن صدوره مرتبط بالسكون وليس حالة الصخب والضجيج، وكان من الأفضل صدور هذا الإنذار بتعليمات وليس جرس تنبيه فقط.
لكن هناك آراء تشير إلى أن نباح الكلاب المرتفع دليل على قرب حدوث الزلازل.. تعقيبك؟
الحيوانات بشكل عام ومن بينها الكلاب عندها القدرة على التقاط موجة الزلازل أسرع من الإنسان ومن أجهزة الرصد قبل حدوثها بدقيقة أو دقيقتين، حيث يحدث اضطراب فى سلوكها من بينها الأصوات العالية.
هل يؤخذ بآراء المعهد فى المشاريع القومية المتعلقة بأعمال الطرق والكبارى والأنفاق تجنبا لحدوث هزات بسيطة على سطح الأرض؟
يوجد تنسيق دائم مع المعهد فى هذا الجانب، ولاسيما فى أعمال تفجير المحاجر والأنفاق والكبارى والطرق والمشاريع الكبرى، ليس هذا فحسب، أيضا الاكتشافات الأثرية وأعمال البترول والغاز والتعدين، ويقوم المعهد بأجهزته وخبرائه بمراقبة كل هذه الأعمال ويؤخذ برأيه وتوصياته، فى نهاية الحوار ذهبنا إلى غرفة التحكم والرصد وقياس شدة الزلازل وموجاتها المتابينة وأماكن ومحطات الرصد والتى أطلعنا على تفاصيلها المهندس أحمد محمد توفيق وأوضح رصد آخر هزة على أرض الواقع حينها وكانت بسيطة بقوة تأثير صغيرة جدا فى واحة سيوة.