فى ذكرى شاعر الحب والسهر والعذاب أحمد رامى نتذكر أشهر قصة غرام عصرية جمعته مع كوكب الشرق أم كلثوم، ودوره العظيم فى الارتقاء بالغناء، والفيلم الغنائى، وترجمته العربية الدقيقة لرباعيات عمر الخيام النيسابورى، وهى أول ترجمة عن الفارسية للعربية مباشرة.
أحمد رامى اسم كبير فى عالم الشعر، وقدم خليل مطران لديوانه الأول، وقدم أحمد شوقى ديوانه الثانى، وكان شاعرا واعدا ليحتل عرش الشعر خلف شوقى، حتى التقى بأم كلثوم فى أكتوبر سنة 1924م لأول مرة فى حديقة الأزبكية، ووجدها تغنى قصيدته (الصب تفضحه عيونه، وتنم عن وجد شجونه)، وكانت حفظتها من أستاذها الشيخ أبو العلا محمد صديق رامى، فانبهر بها رامى، وظل متعجبا من هذه الفتاة القروية التى تلبس ملابس الرجال، وتشد العقال على رأسها، ولما صافحها زاد إعجابه بها، وانطلقت شرارة الحب بين الشاب القاهرى الهائم فى دنيا الغرام، والقروية ذات الصوت الحسن، والأداء الجيد.
وهنا حصل التحول الأكبر فى الغناء العربى المعاصر، تحول رامى من شاعر فصحى عامودى ومقفى إلى كتابة الزجل، ومزج الفصحى بالعامية، وارتقى بالعامية، وبمعانى الأغانى، من طقاطيق (أمان ياللى) التركية، ومن أغانى الحس والجنس الهابط إلى أغانى الروح والحب السامى، ومن الموال الطويل بالبطانة، إلى أغانى فردية خفيفة، وكان فضل رامى على الغناء كفضل الماء المنهمر على أرض صحراء جرداء، وكان فضله على أم كلثوم لا يقدر بثمن، فأصبح الراهب فى محرابها، وزودها بدواوين شعر المتنبى، والشريف الرضى، وأبو فراس الحمدانى، ومجلدات الأغانى للأصفهانى، وغيرها، وكان مستشارها الفنى فى كل ما غنت، حتى من كلمات سواه ..
فرامى المنصف هو الذى اختار لثومة أن تغنى أبياتا منتقاه من قصيدة (الأطلال) للشاعر الطبيب إبراهيم ناجى، فجاءت درة من درر الغناء بلحن السنباطى المعجزة، وثومة نفسها كان ناجى يعرض عليها شعره فتقول له إنه لا يصلح للغناء!.
وعن هذا التحول فى عالم الأغنية المعاصرة، والتحول فى مسار رامى الشعرى يقول رامى نفسه: الأغنية فى دمى منذ نظمت الجزء الأول من ديوانى، فإن أكثره من المقطعات القصيرة الأبحر، الرنانة القوافى، وهى أصلح ما يكون عند الغناء، ولكن شعرى الغنائى لم ينفتح على أبواب جديدة من النظم إلا عندما تشرفت بمعرفة مطربة العرب أم كلثوم، حين جمعت الأيام بينى وبينها، آنست إلى عشرتها، وأحببت أن أسهم فى وضع بعض الأغانى ليلحنها الموسيقار الكبير محمد القصبجى، وقد طلبت منى أن أنظم شيئا من الأغانى الدارجة فأبيت أول الأمر لأنى كنت قد طبعت ثلاثة دواوين وترجمت رباعيات الخيام، ولم أنظم بيتا واحدا من الزجل، ولكنها انتصرت على حين قالت لى: أيرضيك ما تسمع من هذه الأغانى الهزيلة السافرة ؟!، قلت:لا، قالت: ما الذى يضيرك لو وضعت معانيك وصورك الشعرية فى إطار من اللغة التى يفهمها كل الشعب؟..، الحقيقة أنها حاجتنى وأطعت أمرها، فكنت أزاوج فى نظمى بين اللغة الفصحى واللغة الدارجة، حتى نظمت لها فى بحر سنوات عشرتنا ما يقرب من مائتى أغنية.
وكتب رامى لثومة نحو 230 أغنية، دون أن يتقاضى أجرا عنها، من أول (الصب تفضحه عيونه) إلى (على بلد المحبوب ودينى، ويا ظالمنى، ودليلى احتار، وهجرتك، وحيرت قلبى معاك) فضلا عن رائعته (جددت حبك ليه)، كتبها فى ثومة بعد فترة هجران طويلة انتهت بأن طلبته ودعته لتناول الغداء معها، وكانت ثومة تعرف فى رامى شخصية المحب الولهان، وتمسك (ريموت) مشاعره فتوجهها كيفما شاءت، وما أغانيه لها إلا قصة حبه لها فى كل تقلباتها من هجران وسهد وغرام وسلوان ووصال، .. إلخ!.
وكان لرامى يوم محدد فى الأسبوع يزور ثومة ويظل معها لنهايته، ويتناول غداءه عندها، حتى إنه لما تزوج زارها فى أسبوع زواجه فاندهشت أمها وسألته: كيف تهجر عروسك الجميلة فى أسبوعها الأول؟!.. ولكنه الحب والتعلق بثومة، ومع ذلك يعترف رامى أنه لم يسع للزواج منها، لأنه لو تزوجها لانقطع وحى الشعر، وأصبحت مجرد امرأة كغيرها من النساء!.
أم كلثوم التى أحيت فرح رامى وقدمت له هدية وغنت له، زاد تعلقه بها بعدما كبر أولاده الثلاثة وتركوا البيت، محمد ابنه الكبير هاجر فى بعثة دراسية لدراسة طب العظام، وعاد اللواء الطبيب، وتوحيد، سافر إلى نيويورك وأصبح مهندسا، وإلهام مهندسة الكهرباء، هاجرت إلى ألمانيا للدراسة، فشعر رامى بالوحشة، وكتب:
(بح صوتى فى ضجة الناس – لا أسمع فيهم تناوحى وأنينى)
(فإذا ما خلوت أسمع فى الوحدة – نفسى وأستجيش حنينى)
(وأرانى وقد غنيت عن الناس – بنجوى خواطرى وظنونى)
(خلت أنى أعيش فى عالم – الأرواح لا فى سلة من طين)
رامى مرهف الحس، والذى تزوج بعد سن الأربعين خوفا من عاطفة الأبوة، لم يجد غير ثومة تعوضه عن وحشته ووحدته، يأنس إليها، ويرتاح بين يديها، ومرات قليلة تكبرت عليه، وتجاهلته فثار ثورته وهاج، وكتب (من أنت حتى تستبيحى مشاعرى)، ثم وصلته فعاد سريعا كالطفل لحضن أمه وكتب (جددت حبك ليه، بعد الفؤاد ما ارتاح)، ونشبت ثورة فى بيته، وكادت زوجته تطلب الطلاق.
رامى الذى حجز مقعدا ثابتا فى الصف الأول فى حفلات ثومة، وكتب أفلامها الغنائية المعدودة، وسخر حياته رهن إشارتها، فكانت قصة الحب والعذاب التى أثمرت فنا خالدا!.
ورامى نفسه عشق عمر الخيام النيسابورى، وتمازجت روحه بروحه، ورأى نفسه فى مرآته، منذ قرأ أشعاره وهو طالب فى الثانوية بترجمة وديع البستانى، ثم قرأها مترجمة إلى الإنجليزية لفيتز جيرالد، وانتهى من دراسته بمدرسة المعلمين العليا، وزاد عطشه لشرب نخب الخيام، يقول رامى: (بقيت ثمانى سنوات أحلم بتعلم الفارسية من أجل الخيام، حتى سافرت إلى باريس، وتعلمت الفارسية، وكنت أول عربى يقوم بترجمة رباعياته عن الفارسية مباشرة، وجاء بعدى :صدقى الزهاوى، والصافى النجفى، وحامد الصراف، وعبدالحق فاضل وغيرهم)، ولأنه شاعر فهو أقدر على معرفة خواطر الخيام، ولأن الفارسية أقرب للعربية، فقد عشقها، وجاءت ترجمته أقرب لروح الخيام، التى يعترف رامى بأنها تشبه روحه، فهو خيام عصرنا رغم أن بينه وبين الخيام ثمانية قرون!.