رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الانفراجة المنتظرة


15-8-2026 | 11:38

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

هل لاحت فى الأفق بوادر انفراجة وشيكة لأزمة أكثر من 300 ألف باحث وباحثة ممن يحملون درجتى الماجستير والدكتوراه، بعد أن ظلوا قرابة عشر سنوات دون توظيف؟ لا سيما فى ضوء حراك ملموس لإعادة فتح هذا الملف الشائك، سواء على مستوى الجامعات، التى لا تزال تُجرى حصرًا دقيقًا للأعداد الفعلية، لا التقريبية، للحاصلين على الدرجات العلمية العليا، تمهيدًا لرفعها إلى مجلس النواب، استجابةً للمجلس الأعلى للجامعات، عقب طلبى الإحاطة اللذين تقدم بهما عضوان بالمجلس، وذلك تمهيدًا لإلحاقهم بالجهاز الإدارى للدولة، أو التوصل إلى حلول عملية لاستثمار هذه الطاقات العلمية غير المستغلة، أو المعطلة بمعنى أدق.

 

فى تقديري، فإن أزمة هؤلاء الباحثين والباحثات ربما لا تجد طريقها إلى الحل فى المستقبل القريب، ليس لسبب سوى أن تنفيذ أى توجيه بتعيينهم أو توظيفهم لن يصبح ممكنًا إلا بعد تجاوز عدد من الصعوبات، فى مقدمتها ندرة الوظائف المتاحة فى الجهاز الإدارى للدولة، فى ظل حوكمة الاحتياجات الفعلية والإمكانات المالية، وانخفاض فرص التعيين داخل الجامعات مقارنة بأعداد الخريجين، ويضاف إلى ذلك الفجوة الكبيرة بين غالبية موضوعات الرسائل العلمية، التى تمثل نحو 70فى المائة من إجمالى الـ300 ألف رسالة ماجستير ودكتوراه، إذ يغلب عليها الطابع النظري، ولا ترتبط بالصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا، وهو ما يحد من فرص الاستفادة منها.

ودليلى على ذلك أنه، رغم مرور خمس سنوات على المبادرة الرئاسية التى أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى عام 2021، ووجَّه فيها بحصر أعداد الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، ثم تسكينهم فى وظائف مناسبة، ورغم صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1974 لسنة 2021، والمعدل بالقرار رقم 3021 لسنة 2021، فإنه لم يُعلن حتى الآن عن جدول زمنى واضح أو خطة حكومية محددة لإنهاء هذه الأزمة.

وبصريح العبارة، فإن معالجة هذه القضية تتطلب أولًا تجاوز التحديات المشار إليها، ثم تبنى رؤية مستقبلية تقوم على بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وزيادة الاستثمارات فى البحث والتطوير، وربط الدراسات العليا بخطط التنمية واحتياجات سوق العمل، بدلًا من الإغراق فى موضوعات نظرية لا طائل منها، تتحول فى النهاية إلى رسائل تُحفظ فوق رفوف مكتبات الجامعات، ويكسوها الغبار، رغم ما بذله الباحثون من سنوات طويلة من الدراسة والبحث، وما أنفقته الدولة من مليارات الجنيهات على أعضاء هيئة التدريس، والبنية التحتية، ومنظومة التعليم، فضلًا عن تكاليف المنح البحثية فى الخارج، دون أن يقابل ذلك توفير فرص عمل تستفيد من هذه الخبرات.

كما يتطلب الأمر زيادة عدد الوظائف الحكومية، والتخلى -ولو مؤقتًا- عن سياسة وقف التعيينات أو ترشيدها، إلى جانب تحفيز القطاع الخاص على الاستعانة بالكفاءات العلمية المتخصصة، خاصة فى المجالات التكنولوجية الحديثة.

ولا شك أن من حق الحاصلين على درجتى الماجستير والدكتوراه، باعتبارهما قمة الهرم الأكاديمي، المطالبة برؤية واضحة تضمن الاستفادة من مؤهلاتهم وخبراتهم عبر توفير فرص عمل مناسبة. لكن من المهم أيضًا إدراك محدودية الوظائف المتاحة، سواء فى الحكومة أو القطاع الخاص، حتى لا تظل القضية عالقة دون حل شامل.

وإذا كانت الدولة ترغب فى القضاء نهائيًا على مشكلة توظيف حملة الشهادات العلمية العليا، فعليها أن تنتهج مستقبلًا نهج الدول المتقدمة، مثل الولايات المتحدة والصين وألمانيا وبريطانيا، فى إدارة منظومة الدراسات العليا، القائمة على التمويل السخي، والشراكة الفاعلة مع قطاعات الصناعة والزراعة، والاعتماد على بحوث تركز على الابتكار والاقتصاد المعرفي، مع ربط الأبحاث الأكاديمية باحتياجات السوق والتقدم العلمى والتقني، بل والعسكرى أيضًا.

وتعمل هذه الدول، المتقدمة فى مجالات الطب والهندسة وصناعة التكنولوجيا، على استقطاب المواهب العلمية المتميزة من مختلف أنحاء العالم، ومنحها التسهيلات اللازمة، كما تتكفل الحكومات والجامعات بتمويل رسائلهم العلمية بالكامل، وتخصص ميزانيات ضخمة للأبحاث فى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فضلًا عن صرف رواتب شهرية مجزية للباحثين، بينما تدعم الشركات الكبرى الأبحاث التطبيقية مقابل الاحتفاظ بحقوق الملكية الفكرية.

ومن المؤكد أن إنهاء ملف توظيف حملة الماجستير والدكتوراه يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين منظومة التعليم العالى والبحث العلمى وخطط التنمية، وتحويل المعرفة التى اكتسبها هؤلاء الباحثون إلى قيمة اقتصادية واجتماعية تسهم فى دعم التنمية وتعزيز القدرة التنافسية للدولة، حتى لا تصبح شهاداتهم مجرد حبر على ورق، ولكى نضمن عدم تكرار هذه الأزمة بعد سنوات قليلة، لا سيما أن الجامعات المصرية تناقش ما يقرب من 30 ألف رسالة ماجستير ودكتوراه سنويًا فى مختلف التخصصات، وفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء خلال السنوات العشر الأخيرة.

ومع كامل احترامى للبحث العلمي، الذى أعده استثمارًا حقيقيًا فى التنمية والابتكار والقدرة التنافسية، فإننا لا نريد إهدار المزيد من الوقت والجهد والمال فى رسائل علمية لا تتوافق مع احتياجات السوق أو مع خطط التنمية، فى وقت أصبحت فيه التكنولوجيا هى المحرك الرئيسى للاقتصاد العالمي.

ومن هنا، بات من الضرورى أن تعمل الكليات على مراجعة موضوعات الرسائل البحثية المستقبلية، وألا تُجيز أفكارًا لا تحقق قيمة مضافة للدولة، فى ظل تغيرات جوهرية لم يعد معها الحصول على الماجستير أو الدكتوراه بوابةً مضمونة لشغل وظيفة مرموقة فى الجهاز الإدارى للدولة، الذى لم يعد قادرًا على استيعاب جميع الحاصلين على تلك الدرجات العلمية، فى إطار إصلاح إدارى يقوم على التعيين وفق الاحتياجات الفعلية، وفى ظل تغير معايير التوظيف فى القطاع الخاص، الذى بات يولى الأولوية للمهارات التكنولوجية الحديثة.

ولا شك أن الدولة، التى قطعت على نفسها وعودًا بتسكين هذا العدد الكبير من حملة الماجستير والدكتوراه، باعتبارهم كفاءات تستحق الاستثمار، تدرك أن الحصول على هذه الدرجات العلمية الرفيعة لا ينبغى أن يكون مجرد إنجاز أكاديمي، بل يجب أن يمثل قيمة مضافة لسوق العمل وللاقتصاد الوطني. فالقضية ليست مجرد أزمة توظيف، بل قضية أمن قومى تتعلق بالحفاظ على العقول المصرية وتوظيفها فى خدمة التنمية، بدلًا من تركها عرضة للإحباط أو الهجرة. ومن ثم، فمن المتوقع أن تفى الدولة بتلك الوعود، وإن استغرق تنفيذها مزيدًا من الوقت.

الاكثر قراءة