وسط مدينة سوهاج، يقف مسجد العارف بالله شامخًا كأحد أبرز المعالم الإسلامية والتاريخية في صعيد مصر، جامعًا بين قدسية المكان وعراقة التاريخ وروعة العمارة الإسلامية، ليظل على مدار قرون مقصدًا للمصلين والزائرين ومحبي آل البيت والطرق الصوفية، وأحد أهم الرموز الدينية والتراثية التي ارتبطت بالهوية الثقافية للمحافظة.
ويقع المسجد في قلب منطقة العارف، إحدى أقدم وأشهر المناطق بمدينة سوهاج، ويُعد من أكبر المساجد بالمحافظة وأكثرها شهرة، إذ يستقبل آلاف المصلين والزائرين على مدار العام، خاصة خلال شهر رمضان المبارك والمناسبات الدينية الكبرى، كما يحتضن العديد من الفعاليات والاحتفالات الدينية التي تنظمها وزارة الأوقاف.
يرجع تاريخ مسجد العارف بالله إلى القرن الثامن الهجري، ويُعد من أعرق المساجد التاريخية في جنوب مصر. وقد أعيد بناؤه عام 1968 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قبل أن يشهد أعمال تطوير وتجديد شاملة عام 1993، ثم خضع لأعمال تجميل ورفع كفاءة شملت القبة والمئذنتين والمنطقة المحيطة به خلال السنوات الأخيرة، بما حافظ على طابعه المعماري المميز وأبرز قيمته التاريخية.
وتبلغ مساحة المسجد نحو سبعة آلاف متر مربع، ويتميز بمئذنتين شامختين وقبة كبيرة، بينما أُعيد تطوير الساحة الخارجية لتصبح ميدانًا حضاريًا يضاهي أشهر الميادين الدينية، مع إنشاء مجسم ضخم للمصحف الشريف يتوسط الساحة، ليمنح المكان طابعًا روحانيًا مميزًا.
يضم المسجد ضريح الشيخ العارف بالله إسماعيل بن علي بن عبد السميع بن عبد العال اليماني، الملقب بـ"حسين أبو طاقية" و"فحل الرجال"، وهو أحد أشهر علماء التصوف في صعيد مصر.
وُلد الشيخ عام 724هـ، واشتهر بحفظ القرآن الكريم منذ صغره، وبرع في علوم الفقه والحديث والسنة، واكتسب مكانة كبيرة بين علماء عصره، حتى أصبح له مريدون من مختلف أنحاء مصر والعالم الإسلامي، كما تولى إدارة مديرية جرجا، التي كانت تضم آنذاك محافظة سوهاج، لنحو 23 عامًا، قبل وفاته في الثاني من رجب عام 795هـ.
ويقع الضريح داخل جناح ملحق بالمسجد، خُصصت له مداخل مستقلة لتيسير حركة الزائرين، ويُعد من أبرز المقامات التي يقصدها محبو آل البيت والمتصوفة من مختلف المحافظات.
ولا يقتصر دور مسجد العارف بالله على إقامة الشعائر الدينية، بل يؤدي رسالة دعوية وثقافية متكاملة، من خلال الدروس الدينية، وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، والمقارئ القرآنية، والندوات التثقيفية التي تنظمها وزارة الأوقاف لترسيخ الفكر الوسطي المعتدل وتعزيز قيم التسامح والانتماء.
ويشهد المسجد مقرأة للقرآن الكريم مرتين أسبوعيًا بمشاركة عدد من الأئمة والخطباء، إلى جانب حلقات الذكر التي تقيمها بعض الطرق الصوفية، مثل الخلوتية والرفاعية، في أجواء روحانية تجذب المئات من رواد المسجد.
يشهد المسجد إقبالًا كثيفًا من المصلين والزائرين على مدار العام، ويزداد هذا الإقبال خلال شهر رمضان، حيث تمتلئ ساحاته بالمصلين، وتنتشر موائد الإفطار التي يقيمها أهل الخير، في صورة تعكس روح التكافل الاجتماعي التي تميز أبناء المحافظة.
كما يحتضن المسجد معظم المناسبات الدينية الكبرى، ومنها الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ورأس السنة الهجرية، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة القدر، وذكرى غزوة بدر، وغيرها من المناسبات التي تشهد مشاركة واسعة من أبناء سوهاج.
ويظل الاحتفال السنوي بمولد الشيخ العارف بالله من أبرز الأحداث الدينية التي تشهدها المحافظة، حيث يتوافد عشرات الآلاف من الزائرين والمحبين من مختلف المحافظات، وتشارك أكثر من 70 طريقة صوفية في إحياء الليالي بالذكر والابتهالات والمدائح النبوية، وسط تنظيم متكامل وتوفير مختلف الخدمات للوافدين.
وأصبحت هذه المناسبة تمثل أحد أبرز المظاهر الدينية والشعبية في صعيد مصر، لما تعكسه من ارتباط أبناء المحافظة بالتراث الصوفي والتقاليد الدينية المتوارثة.
ويمثل مسجد العارف بالله أكثر من مجرد دار للعبادة؛ فهو معلم حضاري يعكس تاريخ مدينة سوهاج وتطورها العمراني والاجتماعي، ويحتفظ بمكانة خاصة في وجدان أبنائها، باعتباره أحد أهم الرموز الإسلامية التي تجسد عراقة المحافظة وثراءها الحضاري.
وبفضل تاريخه الممتد لأكثر من ستة قرون، ورسالة علمائه، وما يشهده من أنشطة دينية واجتماعية وثقافية، يواصل مسجد العارف بالله أداء رسالته كمنارة للعلم والعبادة، ووجهة دينية وسياحية يقصدها الباحثون عن السكينة والروحانية، ليبقى واحدًا من أهم وأشهر المساجد التاريخية في صعيد مصر.