بدأت شركات في وادي السيليكون وأوروبا بالاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، في إطار مساعيها لخفض تكاليف تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي وتنويع مصادرها بعيداً عن مختبرات الأبحاث الأمريكية المهيمنة.
وكشفت صحيفة "فاينانشيال تايمز" في تقرير موسع لها عن سوق نماذج الذكاء الاصطناعي، أن شركات شهيرة مثل "دورداش"، و"سيمنز"، و"إيربنب"، جاءت بين الشركات التي تبنت أدوات الذكاء الاصطناعي المطورة في الصين، مدفوعة بنماذج أقل كلفة وأكثر كفاءة، وفي بعض الأحيان، أسهل تشغيلاً على بنيتها التحتية الخاصة.
ونقلت الصحيفة عن منصة "أوبن راوتر"، التي تتبع وحدات النصوص أو التعليمات البرمجية أو البيانات التي تعالجها نماذج اللغة الضخمة، قولها إن نماذج الذكاء الاصطناعي الصيني، من شركات "ديب سيك" و"زد.إيه آي"، تفوقت بسرعة على نظيراتها الأمريكية في استهلاك الرموز خلال هذا العام.
وعزت المنصة هذا التحول بشكل كبير إلى عامل التكلفة، حيث تسعى الشركات إلى الحد من التكاليف المتزايدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي ولاسيما في وادي السيليكون. لكن في أوروبا، اكتسب الأمر بعداً جيوسياسياً أكثر حدة بعد أن فرضت إدارة ترامب الشهر الماضي قيوداً على تصدير نموذجي "ميثوس" و"فيبل" التابعين لشركة "أنثروبيك"، ما أجبر الشركات على مواجهة مخاطر الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية.
يقول الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة "فيذرليس إيه آي"، يوجين تشيا، إن: "النماذج الصينية هي المشكلة الواضحة التي يتجاهلها الجميع. بدأت الشركات تدرك أنها ليست بحاجة إلى أفضل نموذج، بل يمكنها استخدام النماذج الأسرع والأرخص".
وصرح المؤسس المشارك لشركة "دور داش"، آندي فانج، الأسبوع الماضي، بأن مجموعة توصيل الطعام توكل الآن "المهام الأقل أهمية" إلى "كيمي كي 2.6"، وهو نموذج من تطوير شركة "مونشوت إيه آي" الصينية الناشئة، وتحتفظ بنموذج "فيبل" التابع لشركة "أنثروبيك" للمهام الأكثر صعوبة فقط.
وقال فانج على منصة "إكس" إن التركيبة الجديدة "تفوقت بشكل كبير... وبتكلفة أقل" من الإعداد السابق الذي كان يعتمد فقط على نماذج "أنثروبيك" الأمريكية الرائدة.
وأبلغت مجموعة "سيمنز الهندسية الألمانية صحيفة "فاينانشيال تايمز" أنها تسعى إلى "مرونة" في نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. وتستخدم المجموعة نطاقاً واسعاً من النماذج، بما في ذلك أدوات من شركتي "ديب سيك" و"زد. أيه آي"، إلى جانب نماذج من مختبرات رائدة أمريكية وشركة "إنفيديا"، بالإضافة إلى مجموعة "ميسترال" الفرنسية للذكاء الاصطناعي.
وقد ذهبت بعض الشركات إلى أبعد من ذلك، حيث تحولت بالكامل إلى النماذج الصينية. فقد انتقلت شركة "ليندي" الناشئة، ومقرها سان فرانسيسكو، من أدوات الذكاء الاصطناعي من "أنثروبيك"، إلى نموذج "في 4" من "ديب سيك".
وأشاد مؤسسها، فلو كريفيللو، الشهر الماضي على منصة "إكس"، بهذا التطور ووصفه بأنه "تحويلي"، قائلاً إنه وفر على الشركة ملايين الدولارات وحسن الأداء في "العديد من حالات الاستخدام الأساسية".
تسارع هذا التحول بفضل شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، مثل "أنثروبيك" وأوبن إيه آي، التي حوّلت بعض خدماتها المؤسسية من الاشتراكات الثابتة إلى نظام الفوترة حسب الاستخدام، مما رفع تكلفة استخدام نماذجها بشكل كبير.
في الوقت نفسه، شهدت أفضل النماذج الصينية تحسناً ملحوظاً، لا سيما في مهام البرمجة. وقد لاقى إصدار نموذج "جلم-5.2"، من شركة "زد. إيه آي" في يونيو استحساناً واسعاً بين خبراء التكنولوجيا في "وادي السيليكون"، الأمر الذي يشير إلى بدء تضييق الفجوة بين النماذج الأمريكية والصينية.
وأفاد المؤسس المشارك لمجموعة رأس المال الاستثماري الأمريكية "أندريسن هورويتز"، مارك أندريسن، في منشور على منصة "إكس": "يقول العديد من الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي إن ’جلم-5.2’ هو أول نموذج ذكاء اصطناعي صيني يضاهي، بل ويتفوق في كثير من الأحيان، على نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية العامة التي تطورها المختبرات الكبرى، دون أي مجاملة".
ويرى الباحث في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون، سام بريسنيك، أن:"لدى المؤسسات حافز لنقل بعض أعباء العمل إلى نماذج أقل تكلفة. فلماذا تدفع مبالغ إضافية مقابل نماذج ’أنثروبيك’ و’أوبن إيه آي’، بينما تعد النماذج الصينية مناسبة لمعظم أعباء العمل التي تحتاجها؟"
ومن مزاياها الأخرى أن العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي الصينية الرائدة هي نماذج مفتوحة المصدر، تنشر معاييرها علناً، ما يعني إمكانية استضافتها على خوادم تديرها الشركات وتخصيصها لاستخدامات محددة.
وأفادت شركة "إيربنب" أنها تستخدم "عدداً محدوداً من النماذج الصينية"، وتمكنت من حماية بياناتها وعملياتها بتشغيلها "حصرياً عبر مزودي خدمات معتمدين في الولايات المتحدة".
أما النماذج الاحتكارية، مثل "تشات جي بي تي" من شركة "أوبن إيه آي"، و"كلود" من شركة "أنثروبيك"، فيتم الوصول إليها غالباً عبر أنظمة مطوريها أو منصات مؤسسية خارجية.
ويقول فيبول فيد براكاش، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة "توجيذر إيه آي"، وهي شركة سحابية تساعد الشركات على الوصول إلى هذه الأدوات، إن أفضل النماذج مفتوحة المصدر أرخص بما يتراوح بين 10 و60 مرة من نظيراتها الاحتكارية.
وأضاف: "ترغب الشركات في استخدامها لأنها تتمتع بمزيد من التحكم، ويمكنها تكييف النماذج مع بياناتها الخاصة".
وبعيداً عن وادي السيليكون، تنتقل "فاينانشيال تايمز" إلى داخل القارة الأوروبية، لتؤكد أن الشركات هنا تشير إلى الحروب التجارية الأمريكية التي اندلعت العام الماضي، وإلى قيود التصدير المفروضة على نماذج "أنثروبيك"، كعوامل تدفعها إلى الابتعاد عن أدوات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
وعلى الرغم من إلغاء حظر التصدير، فإنه "غيَّر نظرة السوق إلى الأبد"، حسب تأكيد كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في شركة "نيوتن" الاستشارية البريطانية، بن جرينيل، الذي تابع قائلاً: "يمكنك إعادة ’فيبل’ (نموذج شركة أنثروبيك) إلى السوق، لكن لا يمكنك إعادة المارد إلى قمقمه".
ويؤكد نائب رئيس السوق الأمريكي في شركة رأس المال الاستثماري "آر تي بي جلوبال"، توم شيريدان، إن نصيحته للشركات الناشئة الأوروبية قد تغيرت، معتبراص أنه "بالنسبة للشركات الأوروبية، يعد النموذج الصيني المُستضاف ذاتياً، هو الخيار الأكثر أماناً مقارنة بالنموذج الأمريكي".
ويكشف الرئيس التنفيذي لشركة "تايمباتلر" الألمانية الناشئة في مجال الموارد البشرية، زولتان بيتنبوك، أن شركته بدأت قبل ستة أشهر في ترحيل بعض المهام من نموذج "كلود" التابع لـ"أنثروبيك"، إلى نماذج "كوين" لشركة "علي بابا"، بغية تقليص درجة اعتمادها على المختبرات والمنتجات الأمريكية.
وقال "لازلت أعتمد على النماذج الرائدة الشهيرة في الوقت الراهن لأنها تقوم بعمل رائع، لكن إذا خرجت الأمور عن السيطرة واندلعت الفوضى، سأكون بحاجة إلى خطة بديلة".