تعهد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، بأن تشهد المرحلة المقبلة تحولاً في أداء الجامعة العربية من "إصدار البيانات" إلى التحرك الفاعل للدفاع عن المصالح العربية، مؤكداً أن حماية سيادة الدول العربية تمثل "خطاً فاصلاً" لن يُسمح بتجاوزه.
وأكد الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد نبيل فهمي أن المنطقة العربية تقف أمام مرحلة دقيقة تفرض تبني عمل عربي أكثر يقظة ومبادرة، يقوم على حماية المصالح العربية وصون مقدرات المنطقة، مشددًا على أن معالجة قضايا العالم العربي يجب أن تنطلق من إرادة عربية خالصة، وأن ما يتم التوافق عليه عربيًا هو وحده القادر على تحقيق الاستدامة.
وقال فهمي - في كلمته خلال أول مؤتمر صحفي يعقده منذ توليه مهام منصبه بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة اليوم /الاثنين/ - إنه سيحرص على عقد لقاءات دورية ومنتظمة مع وسائل الإعلام، انطلاقًا من إيمانه بأن حق الرأي العام العربي في المعرفة يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في مؤسسات العمل العربي المشترك، واستعراض رؤية الجامعة تجاه القضايا العربية والتحديات الإقليمية والدولية.
واستهل الأمين العام كلمته بتقديم خالص التعازي إلى دولة قطر، قيادةً وحكومةً وشعبًا، في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مشيدًا بدوره في بناء دولة قطر الحديثة وإسهاماته في دعم مسيرة العمل العربي المشترك.
وأشار إلى أن العالم يشهد تحولات متسارعة وإعادة تشكيل للنظام الدولي، في ظل تعرض قواعد القانون الدولي لاختبارات غير مسبوقة، وتراجع مبادئ احترام السيادة وحماية المدنيين، بالتزامن مع اتساع بؤر التوتر في المنطقة العربية وارتفاع كلفة النزاعات إنسانيًا وأمنيًا واقتصاديًا، مؤكدًا أن هذه التحديات تقابلها أيضًا فرص حقيقية ينبغي للعرب استثمارها.
وشدد على أن المرحلة الراهنة لم تعد تسمح بالاكتفاء بردود الفعل أو الوقوف موقف المتفرج، وإنما تستوجب عملًا عربيًا استباقيًا يحمي المصالح العربية، ويضمن أن تكون إدارة أزمات المنطقة واستثمار مواردها بأيدي أبنائها، مؤكدًا أن المواطن العربي سيظل محور كل جهد تبذله الجامعة والمعيار الحقيقي لنجاحها.
وأوضح فهمي أن المؤسسات تقاس بما تحققه من إنجازات، لافتًا إلى أنه بادر، منذ اليوم الأول لتوليه مهام منصبه في الأول من يوليو الجاري، بتوجيه رسائل إلى قادة الدول العربية ووزراء الخارجية، تأكيدًا لنهج يقوم على التشاور والشراكة مع الدول الأعضاء، باعتبار أن نجاح الجامعة يرتبط بالتعاون الجماعي والإرادة العربية المشتركة.
وأكد أن رؤيته للأمن القومي العربي ترتكز على ثلاثة أبعاد رئيسية، تشمل بعدًا سياسيًا يصون سيادة الدول ويعلي من قيم الحق، وبعدًا أمنيًا يحمي الدول العربية من مختلف التهديدات، وبعدًا اقتصاديًا يجعل من التكامل العربي دعامة للاستقرار والتنمية.
وكشف الأمين العام عن توجهه لطرح عدد من الآليات الجديدة لتعزيز العمل العربي المشترك، من بينها إنشاء آلية عربية للإنذار المبكر لرصد الأزمات قبل وقوعها، وتشكيل خلية لإدارة الأزمات للتحرك الفوري عند اندلاعها، إلى جانب تأسيس مجلس للحكماء يضم شخصيات عربية ذات خبرة لدعم عملية صنع القرار، مؤكدًا أن هذه الأدوات تأتي في إطار نهج استباقي يمنح منظومة الأمن القومي العربي قدرة أكبر على التأثير والاستجابة.
واستعرض فهمي أربعة من المسارات الرئيسية التي ستقود عمل الأمانة العامة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها بناء دبلوماسية عربية أكثر استباقية تعتمد على قراءة المتغيرات مبكرًا، مع إنشاء مركز عربي للتميز في التحليل الاستراتيجي، وتطوير أدوات الجامعة في مجالات الدبلوماسية الوقائية والوساطة والإنذار المبكر، والاستعانة بمبعوثين خاصين للقضايا ذات الأولوية.
وأضاف أن المسار الثاني يرتكز على ترسيخ ثقافة المتابعة والتنفيذ، من خلال تطوير منظومة أكثر وضوحًا في تحديد المسؤوليات وقياس معدلات الإنجاز، بما يضمن تحويل قرارات مجلس الجامعة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وأشار إلى أن المسار الثالث يتضمن إعادة هيكلة الأمانة العامة للجامعة وتحديث أدوات عملها، عبر مراجعة شاملة للاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإقرار نظام عادل لتقييم الأداء يكافئ المجتهد ويحاسب المقصر، إلى جانب طرح ملف الموارد المالية بشفافية لتوفير الإمكانات اللازمة لتطوير أداء الجامعة.
وأوضح أن المسار الرابع يركز على الاستثمار في الإنسان العربي، من خلال تمكين الشباب والمرأة وتوسيع مشاركة المرأة في مواقع القيادة، فضلًا عن تعزيز القدرات العربية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، مؤكدًا أن امتلاك المعرفة والتكنولوجيا أصبح أحد أهم عناصر القوة في العصر الحديث، وأن مستقبل الأمة مرهون بقدرتها على الاستثمار في عقول شبابها ونسائها.
وأضاف الأمين العام أن المسار الخامس في رؤية تطوير عمل جامعة الدول العربية يقوم على الربط بين العمل السياسي والتنمية، وتوسيع دائرة المشاركة في صناعة القرار العربي، مؤكدًا أن الجامعة ستواصل الموازنة بين التعامل مع القضايا السياسية الكبرى والملفات التي تمس حياة المواطن العربي بصورة مباشرة.
وأوضح أن الجامعة ستعمل على توسيع قنوات التواصل مع المفكرين والباحثين ورواد الأعمال، باعتبارها بيتًا جامعًا للفكر العربي والكفاءات إلى جانب الحكومات، كما ستولي اهتمامًا خاصًا بأبناء الجاليات العربية في الخارج، انطلاقًا من دورهم في تعزيز التواصل الحضاري بين العالم العربي ومختلف دول العالم.
وأكد فهمي أن الأمن لم يعد منفصلًا عن الاقتصاد، في ظل ما يشهده العالم من تنافس وصراعات حول الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، مشيرًا إلى أن الجامعة ستعمل على تطوير منظومة التعاون الاقتصادي والاجتماعي العربي بما يحقق عائدًا مباشرًا للدول الأعضاء وينعكس إيجابًا على مستوى معيشة المواطن العربي ويوفر فرصًا أفضل للأجيال المقبلة.
وشدد الأمين العام على أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية للأمة العربية، مؤكدًا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير، إلى جانب الكارثة الإنسانية المتواصلة في قطاع غزة وما تشهده الضفة الغربية من تصعيد واستيطان، يستدعي موقفًا عربيًا ثابتًا وتحركًا يتناسب مع حجم المسؤولية التاريخية، مع استمرار التمسك بالحفاظ على الهوية العربية لمدينة القدس ورفض أي محاولات لتغيير وضعها القانوني والتاريخي.
ووصف ما ترتكبه إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية بأنه "جريمة إبادة جماعية مستمرة"، مشيرًا إلى أن استهداف المدنيين والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، وفرض الحصار والتجويع، وعمليات التهجير القسري، تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وأكد أن موقف جامعة الدول العربية لن يقتصر على بيانات الإدانة، وإنما سيشمل دعم مسارات الملاحقة القانونية لمرتكبي تلك الجرائم، وتفعيل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، والعمل على بلورة موقف عربي جماعي أكثر فاعلية، مشددًا على أن جرائم الإبادة لا تسقط بالتقادم، وأن مرتكبيها سيخضعون للمساءلة أمام العدالة.
وأشار فهمي إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية لا تقتصر على الأراضي الفلسطينية، وإنما تمتد إلى لبنان من خلال استمرار الاعتداءات والانتهاكات في بيروت وجنوب لبنان، بما يمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية والقانون الدولي، فضلًا عن استمرار احتلال الجولان العربي السوري، في تجاهل واضح لقرارات الشرعية الدولية، مؤكدًا رفض الجامعة أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.
وجدد التأكيد أن احترام سيادة الدول العربية يمثل خطًا أحمر، معربًا عن رفضه الاعتداءات الإيرانية التي تستهدف أمن وسيادة عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الكويت، وسلطنة عُمان، والمملكة الأردنية الهاشمية، وجمهورية العراق، مؤكدًا أن أمن أي دولة عربية يعد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
وفيما يتعلق بالأزمات العربية، أكد الأمين العام استمرار دعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب في السودان واستعادة مؤسسات الدولة، والعمل من أجل استعادة الاستقرار والحفاظ على وحدة سوريا، والتوصل إلى تسوية سياسية في اليمن تحافظ على وحدة البلاد وأمن ممراتها، إلى جانب دعم ليبيا لاستكمال بناء مؤسساتها الديمقراطية، ومساندة الصومال في استعادة الأمن والحفاظ على وحدة أراضيه، مشددًا على أن موقف الجامعة يقوم على دعم الحلول السياسية والدبلوماسية، ووقف الاقتتال، وتعزيز المساعدات الإنسانية، وصون وحدة الدول، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وكريمة.
وأكد أن الدولة الوطنية، بمؤسساتها ووحدة أراضيها وسيادتها، ستظل خط الدفاع الأول عن استقرار النظام العربي.
وأشار فهمي إلى أن مفهوم الأمن القومي العربي لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية، وإنما يشمل أيضًا أمن البحر الأحمر والخليج العربي، وحماية الممرات الملاحية، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن الأمن المائي والغذائي، مؤكدًا أن الجامعة ستواصل دعم كل الجهود العربية الرامية إلى حماية حرية الملاحة وصون سيادة الدول، والعمل على تعزيز التكامل الاقتصادي العربي من خلال مشروعات مشتركة في مجالات الصناعة والزراعة والطاقة بما يسهم في توفير فرص العمل وتحقيق التنمية.
وأكد الأمين العام أن العالم العربي يمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية والحضارية ما يؤهله لتجاوز التحديات الراهنة، مشيرًا إلى أن الشباب يشكلون غالبية المجتمعات العربية، إلى جانب الموقع الجغرافي الاستراتيجي والثروات الطبيعية والإرث الحضاري الكبير، وهو ما يتيح فرصًا واسعة لتحقيق التنمية إذا ما أحسن العرب استثمار تلك المقومات.
وقال إن الدول العربية تمتلك عناصر قوة كبيرة، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى توحيد جهودها وتحويل القرارات إلى خطوات عملية، مؤكدًا أن ما يجمع الدول العربية من وحدة المصير والأمن المشترك والمصالح المتبادلة واللغة والتاريخ والهوية يفوق كثيرًا نقاط الاختلاف، وهو ما يستوجب البناء على مساحات الاتفاق وتعزيز العمل العربي المشترك.
واختتم فهمي كلمته بالتأكيد أن جامعة الدول العربية ستظل الإطار الجامع للدول العربية والمنصة التي تلتقي فيها الإرادة العربية، مشددًا على أن التحديات الراهنة تتجاوز قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة، وتتطلب عملًا عربيًا أكثر تماسكًا وتنسيقًا.
وأكد ثقته في قدرة الأمة العربية على بناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا، بما تمتلكه من موارد وكفاءات وشباب وإرادة، داعيًا الدول الأعضاء وجميع أبناء الوطن العربي إلى العمل بروح الشراكة والمسؤولية، ومؤكدًا أن مستقبل المنطقة يجب أن يصنعه العرب بأيديهم، لا أن يترك للآخرين.